«NAZA» يهزّ فينيسيا ويقترب من سباق الأسد الذهبي
فيلم وثائقي جديد يفرض نفسه في فينيسيا
دخل الفيلم الوثائقي «NAZA» دائرة النقاش السينمائي بقوة في الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان فينيسيا السينمائي، بعدما حصد استقبالاً لافتاً في عرضه العالمي الأول يوم 10 سبتمبر 2026. العمل من إخراج يوفال أبراهام (@yuval_abraham على إنستغرام) ورايتشل تسور، وهما من الأسماء التي لفتت الأنظار سابقاً عبر مشاركتهما في الفيلم الوثائقي «No Other Land» الفائز بأوسكار أفضل فيلم وثائقي عام 2025.
وبحسب ما أعلنته لا بينالي دي فينيسيا، فإن الفيلم مدته 80 دقيقة، وأُدرج ضمن مسابقة Venezia 83 الرسمية، ليصبح الوثائقي الوحيد الموجود في السباق على الأسد الذهبي. هذا التفصيل وحده كافٍ لجعل حضوره استثنائياً داخل دورة يغلب عليها عادة التنافس الروائي، لكنه لم يكن العنصر الوحيد الذي صنع الضجة حوله.
تصفيق طويل يضع الفيلم في واجهة المهرجان
الحديث الأكبر بعد العرض لم يكن فقط عن موضوع الفيلم، بل عن مدة التصفيق التي تلت النهاية. تقارير صحافية متطابقة من فينيسيا أشارت إلى أن «NAZA» نال تصفيقاً وقوفاً امتد إلى نحو 25 دقيقة، وهو رقم جرى تداوله على نطاق واسع بوصفه من الأطول في تاريخ المهرجان، بل واعتبرته بعض التغطيات رقماً قياسياً جديداً في الحدث الإيطالي. بالنسبة لمتابعي المهرجانات في المنطقة العربية، فإن هذا النوع من الاستقبال لا يضمن الجوائز تلقائياً، لكنه يرفع منسوب الاهتمام النقدي والإعلامي ويمنح الفيلم زخماً إضافياً في الأيام الحاسمة قبل إعلان النتائج.
ومن المقرر أن تُعلن جوائز الدورة الحالية يوم 12 سبتمبر 2026، ما يعني أن الفيلم دخل مباشرة قائمة الأعمال التي تُراقَب بوصفها منافسة جدية على الجائزة الكبرى. وفي سياق يهم القارئ المصري والعربي، فإن صعود فيلم يتناول غزة إلى قلب المشهد الأوروبي يعكس استمرار حضور القضية الفلسطينية داخل أهم المنصات السينمائية الدولية، لا بوصفها موضوعاً إخبارياً فقط، بل أيضاً مادة للمعالجة الوثائقية ذات الأثر الفني والسياسي.
ما الذي يتناوله «NAZA»؟
وفق الملخص الرسمي المنشور على موقع مهرجان فينيسيا، صُوِّر الفيلم ليلاً فوق أسطح مبانٍ في تل أبيب، ويعرض ما يصفه صنّاعه بأنه تفصيل للأنظمة والآليات التي تقف وراء قتل المدنيين الفلسطينيين في غزة. وتوضح المواد التعريفية أن الفيلم يستند إلى شهادات من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، مع إخفاء هويات المشاركين رقمياً وتغيير أصواتهم وملامحهم حفاظاً على سريتهم.
وكشفت وكالة أسوشيتد برس أن الفيلم يتضمن شهادات من 24 شخصاً من داخل الجيش الإسرائيلي، بينهم عناصر وضباط استخبارات وجنود، يتحدثون عن أساليب المراقبة وتحديد الأهداف والضربات الجوية عن بُعد. ويشرح العمل كذلك معنى عنوانه؛ إذ يشير NAZA إلى اختصار عسكري يُستخدم للإشارة إلى الخسائر المدنية المتوقعة في الضربات الجوية.
امتداد لمسار بدأ مع «No Other Land»
أهمية يوفال أبراهام ورايتشل تسور هنا لا تأتي فقط من اسم الفيلم الجديد، بل من السياق الذي يسبق عرضه. فالثنائي كان جزءاً من الفريق الإخراجي لفيلم «No Other Land»، وهو العمل الذي حصد أوسكار أفضل فيلم وثائقي في نسخة 2025، بعد مسار مهرجاني ونقدي طويل. لذلك ينظر قطاع واسع من الصحافة السينمائية إلى «NAZA» باعتباره امتداداً لمشروع توثيقي وسياسي يركز على فلسطين من زاوية التحقيق البصري والشهادة المباشرة.
وبحسب التصريحات المنقولة من المؤتمر الصحافي للفيلم في فينيسيا، فإن صنّاع العمل أرادوا نقل ما كُتب سابقاً في التحقيقات الصحافية إلى صيغة سينمائية تُظهر ليس فقط المعلومات، بل طريقة روايتها على الشاشة، وما يصاحبها من صمت وتردد وتفاصيل بصرية. ولهذا السبب جاء إدراج الفيلم متأخراً نسبياً في البرنامج، إذ أوضح المنتج جيمس ويلسون أن الفريق احتاج وقتاً إضافياً لاستكمال عمليات إخفاء هوية الشهود.
لماذا يهم هذا الفيلم جمهور المنطقة العربية؟
بالنسبة إلى القراء في مصر، لا يُقرأ صعود «NAZA» باعتباره خبراً سينمائياً أوروبياً معزولاً، بل باعتباره تطوراً في كيفية تمثيل الحرب على غزة داخل الفضاء الثقافي العالمي. فمنذ سنوات، تحاول أفلام عربية ودولية متعددة إيجاد لغة بصرية قادرة على الاقتراب من المأساة الفلسطينية من دون السقوط في المباشرة أو التبسيط. الجديد هنا أن الفيلم يأتي من داخل بيئة إسرائيلية، ويعتمد على شهادات من أشخاص شاركوا في المنظومة نفسها التي ينتقدها.
هذا البعد يفسر جزئياً حجم الفضول النقدي حوله، خصوصاً أن مسابقة فينيسيا هذا العام سبق أن شهدت اهتماماً بأعمال تتقاطع مع القضية الفلسطينية. كما أن التجربة تطرح سؤالاً مهماً على السينما الوثائقية العربية: كيف يمكن للأفلام أن تجمع بين التحقيق الصحافي واللغة السينمائية من دون أن تفقد قوة السرد أو دقة التوثيق؟
موقعه في سباق الأسد الذهبي
حتى قبل إعلان الجوائز، تبدو حظوظ «NAZA» قوية على مستوى الحضور العام والوزن النقدي، لا سيما أنه الوثائقي الوحيد في المنافسة الرسمية. في العادة، تمنح هذه الوضعية الفيلم تميزاً مضاعفاً: فهو لا ينافس فقط بموضوعه الشائك، بل أيضاً بقدرته على اختراق مساحة يهيمن عليها الفيلم الروائي الطويل. وإذا أضيف إلى ذلك الاستقبال الحار في العرض الأول والسمعة السابقة لمخرجيه، يصبح منطقياً أن يُطرح اسمه كأحد المرشحين البارزين للجائزة الكبرى.
لكن تاريخ المهرجانات يقول أيضاً إن التصفيق الطويل لا يحسم كل شيء. لجان التحكيم كثيراً ما تفاجئ المتابعين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأفلام وثائقية ذات حساسية سياسية مرتفعة. مع ذلك، فإن وجود «NAZA» في صدارة النقاش حتى الساعات الأخيرة من المهرجان يكفي للتأكيد أنه أصبح واحداً من أهم عناوين موسم المهرجانات العالمي.
حقائق أساسية عن الفيلم
- العنوان: NAZA
- الإخراج: يوفال أبراهام ورايتشل تسور
- المدة: 80 دقيقة
- العرض العالمي الأول: 10 سبتمبر 2026 في مهرجان فينيسيا
- المسابقة: Venezia 83
- نوع الفيلم: وثائقي
- محور الفيلم: شهادات من داخل الجيش الإسرائيلي حول آليات الاستهداف في غزة
في المحصلة، يبدو «NAZA» أكثر من مجرد فيلم أثار الجدل في فينيسيا؛ إنه عمل يختبر حدود السينما الوثائقية حين تقترب من ملف بالغ الحساسية مثل غزة، ويؤكد في الوقت نفسه أن القضية الفلسطينية ما زالت قادرة على فرض حضورها في أكبر المهرجانات العالمية. وبين التفاعل الجماهيري القوي، والوزن السياسي للموضوع، والسجل السابق لصنّاعه، يبقى السؤال المفتوح حتى إعلان الجوائز: هل يترجم هذا الزخم إلى أسد ذهبي فعلاً، أم يكتفي الفيلم بإنجاز وضعه في قلب النقاش السينمائي الدولي؟