«100 كلمة حب».. كيف تحوّل مئوية يوسف شاهين إلى فيلم جديد؟
فيلم جديد بدل الاكتفاء بالحنين
مع بدء تصوير الفيلم التسجيلي «100 كلمة حب.. على إيقاع شاهين» في 8 مايو 2026، ثم إطلاق بوستره الرسمي في 10 يونيو 2026، بدا واضحًا أن احتفاء المركز القومي للسينما بمئوية يوسف شاهين لا يكتفي بصيغة العروض الاستعادية المعتادة، بل يحاول تحويل المناسبة إلى إنتاج سينمائي جديد يضيف مادة توثيقية وفكرية إلى الذاكرة المصرية، بدل الاقتصار على إعادة عرض الأفلام القديمة فقط.
هذه النقلة مهمة داخل ملف السينما المصرية تحديدًا، لأن مئوية مخرج بحجم يوسف شاهين ليست مجرد مناسبة احتفالية. شاهين، المولود في الإسكندرية يوم 25 يناير 1926، والراحل في 27 يوليو 2008، يبقى أحد أكثر الأسماء تأثيرًا في تاريخ الإخراج المصري والعربي، وقد أشار أكثر من مصدر رسمي وثقافي إلى مكانته الاستثنائية، سواء عبر الجوائز الدولية أو عبر حضور أفلامه المتكرر في قوائم الأفضل وفي برامج الترميم والعروض الخاصة.
ما الذي نعرفه مؤكدًا عن «100 كلمة حب.. على إيقاع شاهين»؟
بحسب ما أعلنه المركز القومي للسينما في الأخبار المنشورة عن بدء التصوير وإطلاق البوستر، فإن الفيلم يتناول التجربة السينمائية والإنسانية الفريدة ليوسف شاهين، مع التركيز على أثره الممتد في السينما المصرية والعربية، عبر رؤية تستعرض محطات مشروعه الفني وأفكاره الإنسانية والإبداعية.
والتفاصيل الإنتاجية المعلنة مهمة هنا، لأنها تكشف أن المشروع ليس مجرد مادة دعائية سريعة، بل عمل توثيقي منظم. فالفيلم من فكرة وسيناريو وإخراج محمد حسين حسن رمضان، وشارك في تنفيذه فريق يضم مدير التصوير نادر جلال، ومهندس الصوت بسام فرحات، والمونتير مينا حبيب، والمخرج المنفذ محمد العربي، مع تصميم البوستر بواسطة هيثم الباجوري، وإدارة إنتاج محمد حمدي، وتحت إشراف هبة عبد المعبود. كما أعلن المركز، برئاسة الدكتور أحمد صالح، أن العمل يعتمد على شهادات ورؤى نقدية وفنية لعدد من السينمائيين والنقاد.
أسماء الشهادات ليست تفصيلًا ثانويًا
من بين الأسماء التي كُشف عنها في مرحلة التصوير: أمير رمسيس، والناقدة صفاء الليثي، والناقد والسيناريست وليد سيف، والمنتج هشام سليمان. وجود هذه الأسماء يمنح الفيلم زاوية أبعد من السرد التقليدي للسيرة، لأن كل اسم منها مرتبط بموقع مختلف داخل الصناعة: الإخراج، النقد، الكتابة، والإنتاج. بهذا المعنى، يتحول شاهين من «مخرج كبير» إلى مدرسة تأثير يمكن قياسها داخل المهن السينمائية نفسها.
لماذا يتجاوز الفيلم منطق العروض الاستعادية؟
العروض الاستعادية تظل ضرورية، لكنها غالبًا تخاطب جمهورًا يعرف شاهين مسبقًا أو يسعى لمشاهدته في سياق احتفالي. أما إنتاج فيلم جديد عنه، فيعني أن المؤسسة الرسمية لا تكتفي بإعادة استهلاك التراث، بل تعيد تفسيره. هذا الفارق جوهري: فالتوثيق السمعي البصري الجديد يمكن أن يعيش لاحقًا في المهرجانات، والندوات، وأرشيفات المؤسسات، والمنصات التعليمية، وربما في عروض خاصة للأجيال الأصغر سنًا التي لم تعاصر زمن يوسف شاهين.
واللافت أن الرسالة المعلنة للفيلم تقوم على سؤال مركزي: «هل رحل شاهين؟»، وهو سؤال يكشف نية العمل في تجاوز السيرة الزمنية إلى فكرة الأثر المستمر. هنا لا يصبح الهدف تعداد أفلام شاهين فقط، بل اختبار حضوره داخل خيال السينمائيين المصريين المعاصرين، وكيف ما تزال لغته البصرية وجرأته الفكرية قابلة للاستدعاء اليوم.
المئوية في مصر لم تُختزل في فيلم واحد
الفيلم الجديد يأتي ضمن سياق أوسع من الاحتفاء المصري بمئوية شاهين. ففي يناير 2026 نظم مركز الثقافة السينمائية التابع للمركز القومي للسينما أمسية عرض فيها فيلم «عيد الميرون» إلى جانب «وداعًا أيها الأمير»، بمناسبة مئوية ميلاده. كما أشارت المادة المنشورة عن تلك الفعالية إلى أرقام دالة على مكانة شاهين، منها مشارَكة 6 من أفلامه في مهرجانات دولية كبرى، واختيار 12 فيلمًا من أعماله ضمن قائمة أفضل 100 فيلم مصري في استفتاء مهرجان القاهرة السينمائي عام 1996، إضافة إلى أن رصيده الإخراجي بلغ 39 فيلمًا.
وفي مارس 2026 حملت الدورة الخامسة عشرة من مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية شعار «يوسف شاهين.. حدوتة مصرية»، مع برنامج خاص شمل كتابًا توثيقيًا، ومعرضًا لأفيشات وصور نادرة، وعرض أربعة من أفلامه المرممة ضمن مشروع إعادة إحياء التراث الذي تتولاه أفلام مصر العالمية. هذه المعطيات توضح أن السوق الثقافي المصري يتعامل مع المئوية على أكثر من مستوى: العرض، الترميم، الندوة، المعرض، والآن الفيلم الجديد.
ما الذي تكسبه السينما المصرية من هذا المسار؟
1) تحويل المناسبة إلى أصل إنتاجي
حين تنتج مؤسسة رسمية فيلمًا جديدًا عن يوسف شاهين، فهي تحوّل الذكرى من حدث زمني عابر إلى أصل ثقافي قابل للتداول. أي أن المئوية تخرج من حدود «أسبوع احتفالي» إلى مادة تبقى بعد انتهاء المناسبة.
2) إعادة تعريف التوثيق كجزء من الصناعة
السينما المصرية تحتاج باستمرار إلى أفلام توثيقية جيدة عن صناعها الكبار، لا سيما حين يتعلق الأمر باسم بحجم شاهين. هذا النوع من الأعمال يسد فجوة بين الأرشيف الأكاديمي والجمهور العام، ويمنح الصناعة مادة مرجعية جديدة قابلة للمشاهدة والتدريس والنقاش.
3) توسيع جمهور يوسف شاهين
الجيل الذي يعرف شاهين من «باب الحديد» أو «إسكندرية ليه» أو «المصير» ليس بالضرورة هو نفسه الجيل الذي يتابع اليوم المحتوى الثقافي القصير والسريع. فيلم مثل «100 كلمة حب.. على إيقاع شاهين» يستطيع أن يعمل كبوابة معاصرة للدخول إلى عالمه، خصوصًا إذا نجح في المزج بين الشهادة الحية والمادة الأرشيفية والتحليل البصري.
هل هذه الصيغة قابلة للتكرار مع أسماء مصرية أخرى؟
الأهمية الحقيقية للمشروع لا تتوقف عند يوسف شاهين وحده، رغم فرادته. إذا نجح الفيلم في تقديم نموذج فني مقنع، فسيصبح مثالًا عمليًا على كيف يمكن للمؤسسات السينمائية في مصر أن تستثمر مناسبات المئويات والذكريات الكبرى عبر الإنتاج الجديد لا عبر البرمجة الاحتفالية فقط. وهذا مهم في بلد يملك أرشيفًا هائلًا من الأسماء والأفلام والتيارات التي تحتاج إلى إعادة تقديم مدروسة.
بمعنى آخر، فإن الرهان ليس على «تكريم» شاهين فحسب، بل على استعادة وظيفة الذاكرة داخل الصناعة. فبدل أن تبقى الذاكرة حبيسة المقالات والندوات، يجري تحويلها إلى فيلم له فريق عمل، وصورة، وملصق، وشهادات، وإمكانات عرض لاحقة.
الخلاصة
ما يفعله المركز القومي للسينما في «100 كلمة حب.. على إيقاع شاهين» هو أن يجعل مئوية يوسف شاهين مناسبة لإنتاج معنى جديد، لا فقط لإحياء معنى قديم. صحيح أن العروض الاستعادية والمعارض والندوات كانت حاضرة بقوة في 2026، من مركز الثقافة السينمائية إلى مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، لكن الفيلم التسجيلي الجديد يضيف طبقة أكثر رسوخًا: طبقة التوثيق الخلاق.
ولهذا يبدو السؤال الأهم ليس إن كانت السينما المصرية تحتفي بيوسف شاهين كما يجب، بل إن كانت قادرة على تحويل هذا الاحتفاء إلى سياسة ثقافية مستمرة. حتى الآن، يقدم «100 كلمة حب.. على إيقاع شاهين» إشارة مشجعة: الاحتفال الحقيقي بتراث شاهين لا يكون فقط بمشاهدة أفلامه من جديد، بل بصناعة فيلم جديد يثبت أن أثره ما زال يعمل داخل السينما المصرية نفسها.