Egypt Box Office

«ولنا في الخيال حب» يعود في الإسماعيلية: هل تبدأ حياة ثانية؟

عودة «ولنا في الخيال حب» إلى شاشة الإسماعيلية ليست تفصيلًا عابرًا

إعلان عرض فيلم «ولنا في الخيال حب» يوم الأربعاء 23 سبتمبر 2026 في تمام الساعة السادسة مساءً ضمن فعاليات نادي سينما الإسماعيلية، بمقر مكتبة مصر العامة بالإسماعيلية، يضع الفيلم المصري من جديد داخل دائرة النقاش الثقافي، لا التجاري فقط. الفعالية ينظمها المركز القومي للسينما برئاسة الدكتور أحمد صالح، ويديرها فنيًا الناقدة شاهندة محمد علي، بالتعاون مع المكتبة تحت إدارة أمل رحب، على أن يعقب العرض ندوة مفتوحة مع الجمهور حول الجوانب الفنية والفكرية للعمل.

في الظاهر، نحن أمام عرض جديد لفيلم سبق أن مرّ بدور العرض والمنصات. لكن في العمق، تبدو هذه العودة المؤسسية اختبارًا حقيقيًا لفكرة قديمة تتجدد الآن: هل تستطيع مؤسسات الثقافة أن تمنح الفيلم المصري عمرًا أطول من عمره التقليدي في شباك التذاكر؟

من الجونة إلى الإسماعيلية: مسار فيلم بحث عن جمهوره

الفيلم هو التجربة الروائية الطويلة الأولى للمخرجة سارة رزيق، ويدور حول يوسف، الأستاذ الجامعي الانطوائي، الذي تتقاطع حياته مع الطالبة وردة وعلاقتها بحبيبها نوح، ليجد نفسه داخل مثلث عاطفي يتماس فيه الحب مع الخيال والواقع. بطولة الفيلم تضم أحمد السعدني (@ahmedlsaadany على إنستغرام)، ومايان السيد، وعمر رزيق، إلى جانب فريدة رجب وسيف حميدة وبسنت أبو باشا.

قبل محطة الإسماعيلية، مرّ الفيلم بعدة نقاط مهمة في رحلته. فقد شهدت الدورة الثامنة من مهرجان الجونة السينمائي عرضه الأول، وهو ما وضعه منذ البداية داخل مساحة استقبال نقدي ومهرجاني تختلف عن منطق السوق اليومي. كما حمل العمل منذ تقديمه وصفًا واضحًا: فيلم رومانسي/درامي مصري، بمدة ساعة و48 دقيقة و17 ثانية. وبعد ذلك، وصل إلى منصة شاهد، حيث أصبح متاحًا للمشاهدة الرقمية، وهو تطور مهم في تمديد عمره بعد العرض السينمائي.

هل يحتاج الفيلم فعلًا إلى «حياة جديدة»؟

الإجابة ليست بسيطة، لأن الحديث عن «حياة جديدة خارج شباك التذاكر» لا يعني بالضرورة أن الفيلم أخفق تجاريًا. على العكس، البيانات المنشورة عن إيراداته تشير إلى أن إجمالي شباك التذاكر في مصر بلغ 52,003,380 جنيهًا، إضافة إلى 2,284,300 ريال سعودي في السوق السعودية. بل إن الفيلم تصدّر شباك التذاكر في مصر في إحدى محطاته خلال 9 ديسمبر 2025 بعدما حقق في يوم واحد نحو 1.052 مليون جنيه عبر ما يقارب 9.8 ألف تذكرة.

إذًا، الفيلم لم يخرج من السينمات كعنوان مهزوم تجاريًا. لكن السؤال الأهم هنا هو: هل كل فيلم يحقق إيرادًا جيدًا يحصل تلقائيًا على رسوخ ثقافي؟ غالبًا لا. فالعرض التجاري يمنح الفيلم انتشارًا سريعًا، لكنه لا يضمن دائمًا أن يتحول إلى مادة للنقاش أو الاكتشاف المتجدد، خصوصًا إذا كان ينتمي إلى منطقة وسطى بين الرومانسية والخيال والدراما النفسية، وهي منطقة تحتاج أحيانًا إلى جمهور يشاهد ببطء ويناقش بعد المشاهدة.

لماذا تبدو العودة المؤسسية مهمة في حالة هذا الفيلم؟

ما يميز عرض الإسماعيلية أنه ليس مجرد «إعادة تشغيل» للفيلم، بل إعادة وضعه داخل سياق ثقافي منظم. هذا النوع من العروض يختلف عن الحضور السريع في المولات أو الاعتماد على خوارزميات المنصات. هنا يوجد جمهور يأتي خصيصًا للمشاهدة، ثم يدخل في ندوة، ويسمع قراءة نقدية، وربما يراجع انطباعه الأول عن العمل.

في حالة «ولنا في الخيال حب»، هذا مهم جدًا لأن الفيلم نفسه قُدِّم منذ البداية باعتباره محاولة لإحياء مساحة أقل شيوعًا في السوق المصرية المعاصرة: الفيلم الرومانسي الاستعراضي/الحالم. سارة رزيق تحدثت في حوار منشور على هامش الجونة عن أن تنفيذ الفيلم تعثر لسنوات بسبب النظرة المسبقة لدى المنتجين والجمهور تجاه هذا النوع، وأنها كانت حريصة على تقديم «حدوتة خفيفة وشخصيات واقعية» تنتمي إلى عالم الفن الذي نشأت داخله. هذه الخلفية تشرح لماذا قد يكون الفيلم أكثر قابلية للحياة الطويلة في الأندية السينمائية والفعاليات الثقافية من بعض الأفلام التي تستهلك زخمها كله في أول أسابيع العرض.

ما الذي يضيفه نادي سينما الإسماعيلية؟

  • إعادة الاكتشاف: جمهور المحافظات لا يحصل دائمًا على فرص متساوية لمشاهدة كل الأفلام المصرية داخل سياق نقاشي منظم.
  • الندوة اللاحقة: وجود نقاش تديره شاهندة محمد علي يحول الفيلم من منتج للمشاهدة إلى موضوع للتفكير.
  • الشرعية المؤسسية: حين يختار المركز القومي للسينما فيلمًا لعرضه ضمن نشاطه، فهو يمنحه إشارة ضمنية بأنه يستحق التوقف عنده.
  • الوصول إلى جمهور جديد: الفعالية موجهة أيضًا للشباب وطلبة الجامعات، وهي الشريحة الأقرب لعالم الفيلم وشخصياته.

خارج الإيراد: كيف يعيش الفيلم بعد السوق؟

الحياة الثانية لأي فيلم مصري اليوم تمر عادة عبر ثلاث دوائر: المهرجانات، ثم المنصات، ثم العروض الثقافية والمؤسسية. و«ولنا في الخيال حب» مرّ فعليًا بهذه الدوائر الثلاث. بدأ من الجونة، ثم دخل العرض التجاري، ثم أصبح متاحًا على شاهد، والآن يعود عبر نادي سينما الإسماعيلية. هذا المسار يمنحه أفضلية لا تتاح لكثير من الأفلام التي تختفي بعد أسابيع من خروجها من القاعات.

الأهم أن الفيلم، بحكم موضوعه وأسلوبه، يبدو مناسبًا لفكرة المشاهدة الثانية. حبكته المبنية على التداخل بين التعلق والخيال والوهم تسمح بقراءات إضافية بعد انكشاف القصة، كما أن اختياره بطلاً أستاذًا جامعيًا منعزلًا يورّط نفسه في علاقة معقّدة يجعله أقرب إلى أفلام الشخصيات، لا إلى الأفلام الحدثية التي تعتمد على المفاجأة فقط.

هل تكفي المؤسسات وحدها لصنع «كلاسيكية جديدة»؟

بالطبع لا. العرض المؤسسي ليس عصا سحرية. لكنه يملك وظيفة شديدة الأهمية: إبطاء الاستهلاك. في زمن يُقاس فيه نجاح الفيلم غالبًا بأرقام أول نهاية أسبوع، تمنح نوادي السينما فرصة نادرة لإعادة ترتيب الأولويات: ماذا يقول الفيلم؟ كيف صُممت شخصياته؟ لماذا اختارت سارة رزيق هذا المزاج الحالم؟ وهل كان استقبال الجمهور له تجاريًا متوافقًا مع قيمته الفنية، أم أقل، أم أكثر؟

من هذه الزاوية، لا تبدو عودة الفيلم إلى الإسماعيلية مجرد مناسبة محلية، بل جزءًا من سؤال أوسع يخص السينما المصرية نفسها: كيف نحافظ على الأفلام التي تخرج قليلًا عن القوالب المعتادة، فلا تذوب تمامًا بعد دورة العرض الأولى؟ وإذا كان الشباك قد منح «ولنا في الخيال حب» رقمًا قويًا، فإن المؤسسات الثقافية قد تمنحه الآن شيئًا مختلفًا: الذاكرة.

الخلاصة: نعم، وهذه هي الفرصة الحقيقية

عرض 23 سبتمبر ضمن نادي سينما الإسماعيلية قد لا يغيّر تاريخ الفيلم التجاري، لكنه قد يغيّر موقعه في الوعي الثقافي للجمهور. «ولنا في الخيال حب» ليس فيلمًا مجهولًا يبحث عن نجاة أخيرة، بل فيلم حقق حضورًا في الشباك، ومرّ على مهرجان مهم، ووصل إلى منصة مشاهدة واسعة. ما ينقصه الآن ليس الانتشار فقط، بل إعادة التثبيت كعمل يمكن الرجوع إليه ومناقشته.

لهذا يمكن القول إن العودة المؤسسية تمنح الفيلم فعلًا حياة جديدة خارج شباك التذاكر، لا لأنها تنقذه من الفشل، بل لأنها تنقله من خانة «فيلم عُرض وحقق وانتهى» إلى خانة «فيلم ما زال يُشاهد ويُناقش ويُعاد اكتشافه». وفي سياق السينما المصرية، هذه ربما تكون الحياة الأطول عمرًا والأكثر قيمة.