Egypt Box Office

«وحيد وأيامه».. وثائقي يعيد قراءة إرث وحيد حامد السينمائي

عودة وحيد حامد إلى الشاشة.. لكن عبر الوثائقي هذه المرة

أعادت قناة الوثائقية فتح ملف الكاتب والسيناريست الراحل وحيد حامد مع الإعلان عن عرض الفيلم الوثائقي «وحيد وأيامه»، الذي قُدِّم عرضه الأول يوم الأربعاء في تمام الساعة العاشرة مساءً، وفق ما أعلنته التغطيات الصحفية المصرية عن القناة. ويستعرض الفيلم رحلة وحيد حامد من قرية في محافظة الشرقية إلى القاهرة في ستينيات القرن الماضي، ثم انتقاله إلى القصة القصيرة والمسرح والإذاعة قبل أن يصبح واحدًا من أهم كتّاب السينما والدراما في مصر والعالم العربي.

أهمية هذا الإعلان لا تتوقف عند استعادة سيرة مبدع راحل، بل تمتد إلى سؤال أكبر: كيف يمكن لفيلم وثائقي جديد أن يعيد فتح إرث وحيد حامد داخل السينما المصرية؟ الإجابة تبدأ من طبيعة الرجل نفسه؛ فهو لم يكن مجرد كاتب جماهيري ناجح، بل صاحب مشروع فكري وفني طويل، امتد لأكثر من خمسة عقود، وترك أكثر من 40 فيلمًا وحوالي 30 عملًا تلفزيونيًا وإذاعيًا بحسب مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.

لماذا يبقى إرث وحيد حامد حيًا؟

وُلد وحيد حامد في 1 يوليو 1944 بمحافظة الشرقية، وتخرج في قسم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة عين شمس، ثم بدأت رحلته المهنية داخل ماسبيرو قبل أن ينطلق إلى السينما في نهاية السبعينيات. وتوفي في 2 يناير 2021 بعد مسيرة صنعت جزءًا أساسيًا من الذاكرة البصرية والفكرية للمشاهد المصري.

ما يجعل إرثه حاضرًا بقوة أن أعماله لم تكتفِ بالحكاية أو التشويق، بل تعاملت مع الشارع المصري بوصفه مصدرًا للأفكار واللغة والصراع. وحين كرّمه مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بجائزة الهرم الذهبي التقديرية لإنجاز العمر في دورته الثانية والأربعين عام 2020، أشار المهرجان إلى أن مشواره تجاوز خمسة عقود، وأن فيلمين من أعماله، «اللعب مع الكبار» و«البريء»، اختيرا ضمن قائمة أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية في القرن العشرين.

«وحيد وأيامه» لا يوثق السيرة فقط.. بل يراجع المشروع

بحسب ما نُشر عن الفيلم، فإن «وحيد وأيامه» لا يكتفي بخط زمني من الميلاد إلى الرحيل، بل يضيء على أدوار وحيد حامد في مواجهة التطرف الديني بالفن والكلمة، وعلى معاركه الفكرية التي خاضها عبر الكتابة. وهذه زاوية مهمة للغاية، لأن إرثه الحقيقي داخل السينما المصرية لا يُقاس بعدد الأفلام وحده، بل بقدرته على تحويل القضايا الساخنة إلى دراما شعبية واسعة التأثير.

في هذا المعنى، يعيد الوثائقي تعريف وحيد حامد للأجيال الجديدة باعتباره كاتبًا للوعي العام أكثر من كونه مجرد مؤلف ناجح. فحين تستدعي الشاشة اليوم سيرته، فهي تستدعي أيضًا أسئلة ما زالت مطروحة: علاقة الفن بالسلطة، وصورة الطبقة الوسطى، والعنف، والفساد، وصعود التيارات الدينية، وتحولات المدينة المصرية.

من «البريء» إلى «طيور الظلام».. كيف كتب مصر على الشاشة؟

فيلموجرافيا وحيد حامد تكشف بوضوح كيف تشكل إرثه السينمائي. في الثمانينيات والتسعينيات كتب أعمالًا أصبحت مراجع في فهم المجتمع المصري، من بينها «البريء» و«التخشيبة» مع المخرج عاطف الطيب، ثم شراكته البارزة مع عادل إمام في أفلام مثل «اللعب مع الكبار» و«المنسي» و«الإرهاب والكباب» و«طيور الظلام» و«النوم في العسل».

هذه الأعمال لم تعش فقط بسبب نجوميتها أو حِرفتها الدرامية، بل لأنها قدمت تشريحًا مباشرًا لما كان يحدث في مصر. «الإرهاب والكباب» مثلًا حوّل البيروقراطية اليومية إلى مأساة ساخرة، بينما قدّم «طيور الظلام» قراءة درامية للصراع على السلطة، وعالج «النوم في العسل» انسداد المجال العام بلغة رمزية جريئة. لذلك فإن الوثائقي، حين يربط بين سيرة وحيد حامد ونصوصه، يعيد التذكير بأن أفلامه كانت دومًا مرتبطة بحاضرها، لكنها امتلكت في الوقت نفسه قدرة نادرة على البقاء.

الإرث لا يخص السينما وحدها

ورغم أن المقال ينتمي إلى قسم السينما المصرية، فإن فهم مكانة وحيد حامد يظل ناقصًا إذا فُصلت السينما عن الدراما التلفزيونية في مسيرته. فالرجل كتب أيضًا «الجماعة» عام 2010 و«الجماعة 2» عام 2017، وكتب «بدون ذكر أسماء» عام 2013، وهي أعمال عززت صورته ككاتب يشتبك مع التاريخ السياسي والاجتماعي لمصر مباشرة.

من هنا تبدو قيمة «وحيد وأيامه» في أنه يأتي من شاشة وثائقية مصرية موجهة إلى جمهور واسع، لا إلى نخبة نقدية فقط. هذا النوع من الأفلام يمكنه أن يعيد وصل الأجيال الجديدة بأسماء صنعت وجدان السينما المصرية، خصوصًا في وقت تتبدل فيه عادات المشاهدة سريعًا، وتتحول فيه الذاكرة الفنية أحيانًا إلى مجرد مقاطع قصيرة على المنصات الرقمية.

ماذا يضيف الوثائقي إلى صورة وحيد حامد اليوم؟

الإضافة الأهم أن الفيلم يضع الإنسان وراء النص في الواجهة: ابن الشرقية الذي جاء إلى القاهرة، ومرّ بمسارات الإذاعة والتلفزيون والقصة القصيرة، ثم تحوّل إلى أحد أكثر الأصوات تأثيرًا في الفن المصري. كما أن ظهور شهادات فنانين ونقاد وكتّاب ممن عملوا معه أو قرأوا مشروعه يفتح الباب أمام قراءة متعددة الزوايا، لا تختزل الرجل في لقب «كاتب الجماهير» فقط.

هنا يظهر أيضًا امتداد الإرث داخل العائلة الفنية نفسها عبر المخرج مروان حامد، الذي قدّمه والده إلى السينما روائيًا عبر «عمارة يعقوبيان» عام 2006. هذا الامتداد لا يعني تطابق المشروعين، لكنه يؤكد أن اسم وحيد حامد ما زال فاعلًا داخل الصناعة، لا مجرد ذكرى من الماضي.

لماذا هذه اللحظة مهمة للسينما المصرية؟

لأن إعادة عرض سيرة وحيد حامد الآن تذكير بأن السينما المصرية كانت، وما زالت، ساحة للنقاش العام. ووحيد حامد من أبرز من منحوا السيناريو مكانته كأداة تفكير ومساءلة، لا مجرد مرحلة تمهيدية قبل التصوير. حين يعود اسمه في فيلم وثائقي جديد، تعود معه قيمة الكاتب داخل المعادلة السينمائية، وهي قيمة شديدة الأهمية في أي حديث عن مستقبل الصناعة.

كما أن الوثائقي يفتح الباب أمام إعادة مشاهدة أفلامه لا بوصفها كلاسيكيات محفوظة فقط، بل كنصوص ما زالت قادرة على تفسير لحظات كثيرة من المجتمع المصري. وهذه ربما هي العلامة الأوضح على الإرث الحقيقي: أن يبقى العمل القديم قادرًا على محاورة الحاضر.

خلاصة المشهد

إعلان عرض «وحيد وأيامه» ليس خبرًا عابرًا في أجندة القنوات، بل مناسبة ثقافية تعيد طرح سؤال كبير عن مكانة وحيد حامد في وجدان السينما المصرية. فالفيلم، كما توحي مادته المعلنة، لا يستدعي سيرة الراحل من باب الحنين فقط، بل من باب المراجعة: كيف كتب هذا الرجل مصر؟ وكيف صاغ بالصورة والحوار أسئلة ما زالت مفتوحة حتى الآن؟

لهذا، فإن الوثائقي يبدو أقرب إلى فتح جديد لملف إرث وحيد حامد، لا إلى إغلاقه. وكلما أُعيدت قراءة أعماله، اتضح أن حضوره داخل السينما المصرية لم يكن استثنائيًا فحسب، بل تأسيسيًا أيضًا.

  • موعد العرض المعلن: الأربعاء الساعة 10 مساءً على شاشة الوثائقية.
  • موضوع الفيلم: الرحلة الإبداعية والفكرية لوحيد حامد من الشرقية إلى قمة الكتابة الدرامية.
  • أبرز ما يعيده الوثائقي إلى الواجهة: علاقة السينما المصرية بأسئلة المجتمع والسلطة والتطرف والعدالة.