وثائقي «NAZA» يختار التوزيع الذاتي في أمريكا بعد ضجة البندقية
«NAZA» من صدمة المهرجانات إلى اختبار شباك التذاكر الأمريكي
في خطوة لافتة داخل سوق الأفلام الوثائقية، قرر صناع الفيلم الوثائقي «NAZA» عدم انتظار موزع أمريكي تقليدي، والاتجاه بدلًا من ذلك إلى خطة توزيع ذاتي داخل دور العرض في الولايات المتحدة. الانطلاقة الأولى محددة يوم 30 سبتمبر 2026 من سينما IFC Center (@ifccenter على إنستغرام) في نيويورك، قبل التوسع إلى لوس أنجلوس وأسواق أخرى في 9 أكتوبر 2026، ثم استكمال طرح أوسع على مستوى الولايات المتحدة عبر نموذج توزيع مستقل بعيد عن الاستوديوهات الكبرى أو شركات الإندي المعتادة.
بالنسبة لمتابعي السينما الوثائقية في مصر، تأتي أهمية هذه الخطوة من كونها لا تتعلق فقط بفيلم مثير للجدل، بل أيضًا بطريقة وصوله إلى الجمهور. فحين يختار عمل حاز ضجة نقدية ومهرجانية أن يشق طريقه بنفسه إلى القاعات، فإن ذلك يعكس رهانًا واضحًا على قوة السمعة والمناقشة العامة أكثر من الرهان على شبكات التوزيع التقليدية.
ماذا نعرف عن الفيلم؟
الفيلم من إخراج يوفال أبراهام (@yuval_abraham على إنستغرام) وراشيل تسور، ويمتد لمدة 80 دقيقة. وتوضح الصفحة الرسمية للفيلم في موقع لا بينالي أن العمل خرج من سياق بحث وتحقيق استمر لسنوات، بينما تشير بيانات الفيلم على IMDb إلى أن مدته الرسمية 80 دقيقة وأن إنتاجه تم بالشراكة بين The Guardian وJW Films، مع تولي mk2 films (@mk2films على إنستغرام) مهمة المبيعات الدولية.
ويتمحور «NAZA» حول شهادات 24 شخصًا من داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، جرى إخفاء هوياتهم بصريًا وصوتيًا، بحسب التغطيات الصحفية وبيانات الفيلم، من أجل حمايتهم. ويعرض الفيلم اتهامات مرتبطة بآليات الاستهداف خلال الحرب على غزة، بما في ذلك استخدام أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي في تحديد أهداف القصف، مع ما يقوله المشاركون عن سقوط أعداد من المدنيين الفلسطينيين نتيجة تلك العمليات.
تتويج في فينيسيا وردود فعل مشتعلة
الزخم حول «NAZA» لم يبدأ مع قرار التوزيع الأمريكي، بل انفجر منذ عرضه العالمي الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي 2026. الفيلم أُضيف إلى المسابقة الرسمية بعد فترة من التكتم، ثم خرج من المهرجان متوجًا بـجائزة لجنة التحكيم الخاصة في الدورة الثالثة والثمانين، التي أقيمت بين 2 و12 سبتمبر 2026. كما وثقت تغطيات متعددة أن العرض شهد تصفيقًا امتد نحو 24.5 دقيقة، وهو رقم جرى تداوله باعتباره الأطول في تاريخ المهرجان.
هذا الاستقبال المهرجاني ترافق مع مراجعات نقدية قوية؛ إذ ظهر الفيلم بنتيجة 96/100 على Metacritic وفق البيانات المتداولة عبر صفحات المراجعات المرتبطة بالفيلم. ومن منظور نقدي، فإن هذه الأرقام تعزز صورة «NAZA» كأحد أكثر الوثائقيات إثارة للنقاش هذا الموسم، لا سيما أنه يجمع بين التحقيق الصحفي وبناء سينمائي مشحون بالتوتر والسرية.
الجدل جزء من استقبال الفيلم
العمل لم يمر بهدوء داخل إسرائيل. وكالة أسوشيتد برس ذكرت أن الفيلم أثار رد فعل سياسيًا وإعلاميًا واسعًا بعد تتويجه في فينيسيا، مع هجوم من مسؤولين كبار عليه، بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الثقافة ميكي زوهار، إضافة إلى دعوات للتحقيق في تسريب معلومات من عسكريين شاركوا في الشهادات. كما نقلت التغطية أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أقرت باستخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحديد أهداف، لكنها شددت على أن القرار النهائي قبل أي ضربة يتخذه عنصر بشري.
في المقابل، يرفض الجيش الإسرائيلي المزاعم الأساسية التي يطرحها الفيلم، معتبرًا أن المصادر المجهلة لا يمكن التحقق منها، وأن بعض الادعاءات المطروحة تتجاوز - بحسب موقفه - ما يمكن أن يعرفه جنود أو عناصر بمراتب أدنى. هذا السجال لا ينفصل عن طبيعة الفيلم نفسه؛ فهو ليس وثائقيًا مريحًا للمشاهدة أو النقاش، بل عمل يعتمد على الشهادة السرية والاتهام المباشر، وهو ما يضاعف حالة الاستقطاب حوله.
بعد «No Other Land».. سباق جوائز جديد؟
الاهتمام بـ«NAZA» تضاعف أيضًا بسبب أسماء صُنّاعه. أبراهام وتسور سبق أن كانا ضمن الفريق الفائز بأوسكار أفضل فيلم وثائقي طويل عن «No Other Land» في حفل الأوسكار السابع والتسعين عام 2025، إلى جانب الفلسطينيين باسل عدرا وحمدان بلال. هذا الإنجاز منح الثنائي رصيدًا إضافيًا في موسم الجوائز، وجعل كل خطوة جديدة لهما محل متابعة من الصحافة السينمائية ومن دوائر التوزيع والمهرجانات معًا.
لذلك، فإن اختيار التوزيع الذاتي لا يبدو مجرد حل اضطراري، بل قد يتحول إلى جزء من هوية الفيلم في السوق الأمريكي: فيلم جدلي، مهرجاني، عالي التقييم، يراهن على المناقشة العامة وعلى جمهور الوثائقيات السياسية أكثر من اعتماده على ماكينة تسويق استوديو كبيرة. ومن المرجح أن يكون هذا المسار حاسمًا إذا سعى الفيلم إلى حضور قوي في موسم الجوائز المقبل، لأن التأهل والظهور في القاعات الأمريكية ما زالا عنصرين أساسيين في بناء الزخم النقدي والمهني. هذا استنتاج تحليلي يستند إلى نمط طرح الفيلم ومكانة مخرجيه بعد أوسكار 2025.
لماذا تهم هذه القصة قارئ «مراجعات الأفلام» في مصر؟
بعيدًا عن السجال السياسي المباشر، يطرح «NAZA» سؤالًا سينمائيًا مهمًا: كيف يمكن للفيلم الوثائقي أن يتحرك بين الصحافة والتحقيق واللغة البصرية، وأن يتحول من مادة خبرية إلى تجربة مشاهدة كاملة؟ من هنا، فإن خبر التوزيع لا يُقرأ فقط كمعلومة صناعية، بل كمؤشر على أن الفيلم يطمح إلى حياة أطول داخل القاعات والنقاشات النقدية، لا إلى الاكتفاء بمحطة مهرجانية عابرة.
وللقارئ المصري، الذي يتابع عادةً مسارات الأفلام العربية والعالمية في المهرجانات الكبرى مثل فينيسيا وكان وبرلين، فإن حالة «NAZA» تقدم نموذجًا واضحًا لكيفية تحوّل الفيلم الوثائقي من عنوان ساخن في الصحافة الثقافية إلى حدث توزيعي قائم بذاته. والأهم أن هذا كله يحدث في لحظة يشهد فيها سوق الوثائقيات السياسية إعادة تعريف لعلاقته بالجمهور، سواء عبر المنصات أو عبر العروض المحدودة التي تعتمد على الجدل والسمعة النقدية.
أبرز الحقائق المؤكدة عن «NAZA»
- موعد الانطلاق الأمريكي: 30 سبتمبر 2026 في نيويورك، مع توسع إضافي في 9 أكتوبر 2026.
- أول دار عرض معلنة: IFC Center في نيويورك.
- المخرجان: يوفال أبراهام وراشيل تسور.
- مدة الفيلم: 80 دقيقة.
- عدد الشهادات داخل الفيلم: 24 شهادة من عسكريين وعناصر استخبارات إسرائيليين، وفق ما أوردته التغطيات الصحفية.
- الجائزة الأبرز: جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان فينيسيا 2026.
- الجهات المرتبطة بالمشروع: The Guardian كمنتج مشارك، وmk2 للمبيعات الدولية.
في النهاية، يبدو «NAZA» مرشحًا ليكون أكثر من مجرد فيلم وثائقي ناجح مهرجانيًا؛ إنه اختبار حقيقي لقدرة السينما غير الروائية على فرض حضورها في الصالات الأمريكية بقوة الجدل والاستقبال النقدي. وإذا نجح هذا المسار، فقد يصبح واحدًا من أهم أمثلة 2026 على أن التوزيع الذاتي ليس خطة بديلة فقط، بل أحيانًا استراتيجية هجومية كاملة لفيلم يعرف جيدًا كيف يصنع نقاشه الخاص.