وثائقي جديد عن إدوارد سعيد يخطف الأنظار في تورونتو
فيلم يعيد تقديم إدوارد سعيد لجيل جديد
يحضر اسم المفكر والناقد الفلسطيني الأميركي إدوارد سعيد بقوة هذا الشهر في المشهد السينمائي الدولي، مع العرض العالمي الأول للفيلم الوثائقي Edward Said: Between Worlds ضمن برنامج TIFF Docs في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي 2026. العمل من إخراج الدنماركية-الأميركية مايكن بيرد، ويقدّم بورتريهاً سينمائياً لشخصية ما زالت حاضرة في النقاشات العربية والعالمية حول فلسطين والتمثيل الثقافي والمنفى.
وبحسب البيانات المنشورة عن الفيلم، فإن الوثائقي يعتمد بالكامل تقريباً على اللقطات الأرشيفية والتسجيلات الصوتية، ليعيد بناء سيرة سعيد بأقرب ما يكون إلى صوته هو، لا إلى شهادات خارجية فقط. هذه المقاربة تمنح الفيلم وزناً خاصاً، لأن صاحب Orientalism لم يكن مجرد أكاديمي بارز، بل أحد أهم الأصوات التي اشتبكت مع سؤال: من يملك حق رواية الحكاية الفلسطينية؟
ما الذي نعرفه عن الفيلم حتى الآن؟
المعلومات المؤكدة من جهات العرض تشير إلى أن الفيلم أخرجه Maiken Baird، ومدته 107 دقائق، وهو إنتاج أميركي باللغة الإنجليزية والعربية مع ترجمة إنجليزية. كما تؤكد المواد التعريفية أن الفيلم يتتبع حياة سعيد من طفولته وحتى سنواته الأخيرة، عبر أرشيف عائلي وظهوراته التلفزيونية ومحاضراته ومواده المحفوظة في جامعة كولومبيا.
كما أُعلن أن الفيلم بدأ رحلته من مهرجان تورونتو السينمائي الدولي بعروض في 12 سبتمبر 2026 و13 سبتمبر 2026 و20 سبتمبر 2026، قبل انتقاله إلى مهرجان نيويورك السينمائي في دورته الرابعة والستين، حيث حُددت له عروض بين 30 سبتمبر و2 أكتوبر 2026، مع جلسات أسئلة وأجوبة بحضور المخرجة.
لماذا يلفت الفيلم الاهتمام عربياً؟
لأن موضوعه لا يتعلق بسيرة شخصية فحسب، بل بمثقف فلسطيني شكّل مرجعاً أساسياً في قراءة علاقة الغرب بالشرق. ومن هذه الزاوية، يبدو الفيلم مهماً لقارئ ومشاهد عربي في مصر والمنطقة، خصوصاً مع استمرار الاهتمام بالأعمال الوثائقية التي تستعيد رموز الثقافة الفلسطينية خارج القوالب التقليدية للسير الذاتية التلفزيونية.
إدوارد سعيد: سيرة تتجاوز الأكاديمية
تؤكد مصادر جامعة كولومبيا أن إدوارد سعيد وُلد في القدس عام 1935، وتوفي في نيويورك عام 2003. وكان University Professor of English and Comparative Literature في الجامعة، وواحداً من أبرز نقاد الأدب والثقافة في القرن العشرين. كما تشير الجامعة إلى أنه ألّف أكثر من عشرين كتاباً، وكان من أكثر المدافعين بلاغة وتأثيراً عن القضية الفلسطينية.
بالنسبة للجمهور العربي، يبقى سعيد اسماً مؤسساً في النقاش الثقافي الحديث، سواء عبر كتاب Orientalism الصادر عام 1978، أو Culture and Imperialism عام 1993. هذان العملان، إلى جانب كتاباته السياسية عن فلسطين، جعلاه مرجعاً حاسماً في فهم كيف صاغت المؤسسات الثقافية الغربية صوراً نمطية عن العرب والشرق، وكيف يمكن تفكيك تلك الصور نقدياً.
لكن الفيلم الجديد لا يكتفي بسعيد المفكر فقط. فالمواد المنشورة عنه تبرز أيضاً جانباً شخصياً: علاقته بزوجته مريم سعيد، وصراعه مع اللوكيميا، وتمسكه بالفكر الإنساني حتى سنواته الأخيرة. هذه الزاوية تبدو أساسية في بناء صورة أكثر إنسانية وأقل تجريداً لشخصية غالباً ما تُختزل في كتبها ومواقفها السياسية.
المنفى والهوية وحق السرد
من أكثر العناصر اللافتة في توصيف الفيلم أنه يضع المنفى والهوية وحق السرد في قلب الحكاية. وهي ثلاثية لا تنفصل عن مسار سعيد نفسه: من القدس إلى المنفى، ومن قاعات الجامعة الأميركية إلى المجال العام العالمي، ومن النقد الأدبي إلى الدفاع عن حق الفلسطيني في أن يروي قصته بنفسه.
هذا البعد يمنح الفيلم أهمية تتجاوز حدود المهرجانات. ففي لحظة إقليمية ودولية تتكثف فيها المعارك على الصورة والرواية والذاكرة، يعود اسم إدوارد سعيد بوصفه مرجعاً لا يخص الماضي فقط. لذلك يمكن قراءة الوثائقي أيضاً كجزء من موجة أوسع في السينما الوثائقية تعيد مساءلة الأرشيف، لا باعتباره مخزناً للصور، بل كساحة صراع على المعنى.
اعتماد كامل على الأرشيف
تصف الجهات المعلنة للفيلم العمل بأنه وثائقي مصنوع من مواد أرشيفية بالكامل. وهذا اختيار فني مهم، لأنه يقرّب المشاهد من حضور سعيد المباشر: صوته، نبرته، إيقاع حديثه، وطريقته في بناء الفكرة. بالنسبة لفيلم عن مفكر اشتهر ببلاغته وقدرته على المحاججة، تبدو هذه الصيغة أكثر ملاءمة من الاكتفاء برواية الآخرين عنه.
مايكن بيرد وخلفيتها السينمائية
المخرجة مايكن بيرد ليست اسماً بعيداً عن الفيلم الوثائقي الأميركي. المعلومات المنشورة عن المشروع تشير إلى أنها سبق أن أخرجت Venus and Serena، كما عملت على إنتاجات وثائقية معروفة. دخولها إلى عالم إدوارد سعيد عبر فيلم طويل يبدو امتداداً لاهتمامها بالبورتريه الوثائقي القائم على الشخصيات المؤثرة وصدامها مع الفضاء العام.
ومن المهم الإشارة إلى أن المشروع وُصف أيضاً بأنه أول فيلم وثائقي يُنجز مع إتاحة كاملة من عائلة سعيد وتراثه. هذه النقطة تضيف قيمة بحثية وأرشيفية، لأنها تفتح الباب أمام مواد لم تكن متاحة على نطاق واسع من قبل، بما في ذلك أفلام منزلية ومواد أسرية ووثائق مرتبطة بمسيرته.
لماذا يهم هذا الخبر جمهور مصر؟
في مصر، لا يزال اسم إدوارد سعيد حاضراً في دوائر الثقافة والجامعة والترجمة والصحافة الفكرية، كما أن الجدل حول تمثيل فلسطين في الإعلام العالمي حاضر بقوة في المجال العام. من هنا، فإن وصول فيلم وثائقي جديد عنه إلى أبرز مهرجانات أميركا الشمالية لا يبدو خبراً نخبوياً معزولاً، بل مادة ثقافية وسياسية في آن واحد.
كما أن هذا النوع من الأفلام يهم متابعي السينما العربية بمعناها الأوسع: أي السينما التي تنشغل بقضايا المنطقة، حتى لو أُنتجت خارج العالم العربي. فالفيلم هنا أميركي الإنتاج، لكنه يتمحور حول شخصية فلسطينية مركزية، ويشتغل على أسئلة عربية بامتياز: الذاكرة، الاقتلاع، والعدالة السردية.
محطات مؤكدة للفيلم
- العنوان: Edward Said: Between Worlds
- الإخراج: مايكن بيرد
- المدة: 107 دقائق
- اللغة: الإنجليزية والعربية مع ترجمة إنجليزية
- العرض العالمي الأول: ضمن TIFF Docs في مهرجان تورونتو 2026
- عروض تورونتو المعلنة: 12 و13 و20 سبتمبر 2026
- العرض الأميركي التالي: مهرجان نيويورك السينمائي 64 بين 30 سبتمبر و2 أكتوبر 2026
بين التكريم وإعادة الاكتشاف
في النهاية، لا يبدو Edward Said: Between Worlds مجرد فيلم تكريمي عن اسم كبير رحل قبل أكثر من عقدين. الأرجح أنه محاولة لإعادة تقديم إدوارد سعيد بوصفه شخصية لا تزال أسئلتها مفتوحة حتى اليوم. وبينما تتسابق المهرجانات على عرض الأعمال الوثائقية ذات الصلة بالقضايا الكبرى، يفرض هذا الفيلم نفسه كأحد أبرز العناوين المرتبطة بفلسطين في موسم الخريف السينمائي.
وبالنسبة للمشاهد العربي، قد تكون القيمة الأهم هنا أن الفيلم لا يستعيد إدوارد سعيد كأيقونة جامدة، بل كصوت حيّ يعود عبر الأرشيف ليذكّر بأن معركة السرد لم تنتهِ بعد.