وثائقي إليزابيث هولمز يفاجئ شباك التذاكر الأمريكي
وثائقي عن إليزابيث هولمز يقتنص الأضواء في السينما الأمريكية
في مفاجأة لافتة داخل سوق السينما بأمريكا الشمالية، دخل الفيلم الوثائقي You Can See Everything سباق الإيرادات بقوة خلال عطلة افتتاحه، محققًا نحو 15 مليون دولار، ليحجز المركز الثاني في شباك التذاكر الأمريكي خلف Street Fighter الذي تصدّر الترتيب بإيرادات بلغت 31 مليون دولار. ورغم أن الفارق بين الفيلمين واضح على الورق، فإن الحدث الأبرز هذا الأسبوع لم يكن فقط من فاز بالمركز الأول، بل كيف استطاع فيلم وثائقي طويل عن شخصية مثيرة للجدل أن يتحول إلى ظاهرة مشاهدة جماهيرية.
العمل من إخراج ناثان فيلدر (@nathanfielder على إنستغرام) ولانس أوبنهايم، وتقوم بتوزيعه شركة A24 (@a24 على إنستغرام). وبحسب البيانات المعلنة، جمع الفيلم هذا الرقم الكبير من 855 شاشة فقط، وهو معدل قوي للغاية مقارنة بعدد دور العرض، كما أشارت تقارير أمريكية إلى أن أكثر من 2000 عرض شهدت نفاد التذاكر خلال عطلة نهاية الأسبوع. هذا الأداء يضع الفيلم بين أبرز الانطلاقات التجارية النادرة لأفلام الوثائقيات في السنوات الأخيرة.
ما قصة الفيلم؟
يركز You Can See Everything على إليزابيث هولمز، مؤسسة شركة Theranos السابقة، وهي واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في عالم الأعمال والتكنولوجيا خلال العقد الأخير. وتقوم بنية الفيلم على متابعة الأيام الـ34 التي سبقت دخول هولمز السجن، قبل أن يتحول المشروع، وفق الوصف الرسمي، إلى رحلة تصوير امتدت ثلاث سنوات وتغوص في علاقتها بالصورة العامة، والحقيقة، والأداء الشخصي أمام الكاميرا.
شركة A24 تطرح الفيلم في دور العرض منذ 16 أكتوبر 2026، فيما تبلغ مدته ساعتين و55 دقيقة، وهو زمن طويل نسبيًا لفيلم وثائقي تجاري. ومع ذلك، لم يمنع هذا الطول الجمهور من الإقبال عليه، بل يبدو أن عنصر الفضول لعب دورًا أساسيًا، خصوصًا مع الطبيعة السرية التي أحيط بها الإنتاج في مراحله الأولى، قبل أن يظهر لأول مرة ضمن عرض مفاجئ في مهرجان تيلورايد السينمائي يوم 6 سبتمبر 2026، ثم ينتقل لاحقًا إلى مهرجان نيويورك السينمائي.
لماذا يهم هذا الرقم في شباك التذاكر؟
عادةً ما تواجه الأفلام الوثائقية صعوبة في منافسة الأعمال التجارية الضخمة، خصوصًا تلك المبنية على ألعاب فيديو أو سلاسل شعبية مثل Street Fighter. لكن ما حدث هنا يكشف أن الجمهور لا يزال مستعدًا للذهاب إلى قاعة السينما عندما يكون الموضوع مثيرًا للجدل، والشخصية المحورية معروفة، والضجة النقدية والإعلامية كبيرة.
الأهم أن الفيلم لم يحقق هذه الإيرادات عبر انتشار واسع جدًا، بل عبر طرح محدود نسبيًا، ما يعني أن متوسط الإيراد لكل شاشة كان مرتفعًا بصورة لافتة. وهذه نقطة تهم أيضًا قرّاء صناعة السينما في المنطقة العربية وإفريقيا، لأن نجاح هذا النموذج يؤكد أن الوثائقي لم يعد مجرد مادة للمهرجانات أو المنصات، بل يمكن أن يتحول إلى منتج جماهيري إذا امتلك قصة قوية وشخصية تثير النقاش العام.
من هي إليزابيث هولمز ولماذا لا يزال اسمها جاذبًا؟
اسم إليزابيث هولمز ارتبط لسنوات بصعود مذهل ثم سقوط مدوٍ. فقد قدمت نفسها باعتبارها رائدة تكنولوجيا صحية ستغير طريقة تحليل الدم، قبل أن تنهار شركة Theranos وسط اتهامات بالتضليل والاحتيال. القضية تحولت إلى واحدة من أشهر قصص عالم الشركات في الولايات المتحدة، ليس فقط بسبب حجم الوعود التي رُوّجت، بل أيضًا بسبب حضور هولمز الإعلامي وصورتها التي بدت لسنوات كأنها تجسد أسطورة “العبقرية الشابة” في وادي السيليكون.
هذا الإرث هو ما يمنح الفيلم زخمه؛ فالجمهور لا يدخل لمشاهدة سيرة شخصية مجهولة، بل لمتابعة فصل جديد من قصة يعرفها مسبقًا من الأخبار، والكتب، والبودكاست، والأعمال الدرامية. لذلك يمكن فهم النجاح الافتتاحي للفيلم باعتباره امتدادًا لاهتمام ثقافي أوسع بقصص الشركات، والسلطة، وصناعة الصورة العامة، وهي موضوعات تهم المشاهد العربي أيضًا في ظل ازدهار أفلام السيرة والوثائقيات التحقيقية على المنصات.
كيف استُقبل الفيلم نقديًا وإعلاميًا؟
منذ عرضه الأول، ارتبط اسم الفيلم بحالة من الفضول النقدي بسبب طبيعة المعالجة وأسلوب ناثان فيلدر المعروف بالمزج بين المراقبة الساخرة والواقع المربك. تقارير صحفية أمريكية وصفت العمل بأنه من أكثر أفلام الموسم إثارة للنقاش، لا لأنه يعيد فقط سرد فضيحة Theranos، بل لأنه يحاول تفكيك الطريقة التي ترى بها هولمز نفسها، والطريقة التي تريد من الآخرين أن يروها بها.
هذا البعد يجعل الفيلم أقرب إلى دراسة في الشخصية والصورة الذهنية، وليس مجرد إعادة تمثيل لوقائع محاكمة معروفة. ومن هنا جاء عنصر المفاجأة التجاري: الفيلم لا يبيع “معلومة جديدة” فقط، بل يبيع أيضًا “تجربة مشاهدة” تقوم على التوتر النفسي والفضول الأخلاقي، وهي عناصر عادة ما تخلق حديثًا واسعًا على مواقع التواصل وفي دوائر السينما.
ماذا يعني ذلك لسوق الأفلام الوثائقية؟
نجاح You Can See Everything يفتح بابًا مهمًا للنقاش حول مستقبل الأفلام الوثائقية المعروضة في السينما، خاصة حين تتعامل مع شخصيات عامة عابرة للقطاعات، بين الاقتصاد والإعلام والثقافة الشعبية. بالنسبة لصنّاع الأفلام في مصر والمنطقة، يحمل هذا النموذج درسًا واضحًا: الجمهور قد يمنح الوثائقي فرصة حقيقية إذا توفرت ثلاثة عناصر أساسية:
- شخصية معروفة تشغل الرأي العام.
- زاوية سرد مختلفة تتجاوز التوثيق التقليدي.
- حملة توزيع ذكية تبني إحساسًا بالحدث السينمائي.
كما أن طرح الفيلم عبر A24 يمنحه أفضلية إضافية، لأن الشركة أصبحت خلال السنوات الأخيرة علامة تجارية لها جمهور يتابع اختياراتها بوصفها تجربة سينمائية متمايزة، سواء في الدراما أو الرعب أو الوثائقي.
زاوية تهم القارئ المصري
بالنسبة للمتابع في مصر، قد يبدو خبر افتتاحية فيلم عن سيدة أعمال أمريكية بعيدًا جغرافيًا، لكنه في الحقيقة يمس اتجاهًا عالميًا ينعكس تدريجيًا على ذوق المشاهدة محليًا: الاهتمام بالأعمال التي تمزج بين الحقيقة والدراما، وبين السيرة الشخصية وكشف ما وراء السلطة والمال. لهذا السبب لا يمكن التعامل مع You Can See Everything باعتباره خبر شباك تذاكر أمريكي فقط، بل بوصفه مؤشرًا على أن الفيلم الوثائقي، عندما يُقدَّم كحدث ثقافي لا كمادة أرشيفية، يستطيع أن ينافس بقوة حتى وسط زحام الأعمال التجارية الكبيرة.
وفي المحصلة، فإن انطلاقة الفيلم بـ15 مليون دولار لا تمثل مجرد رقم جيد، بل ترسخ فكرة أن القصص الواقعية الصادمة لا تزال تملك قدرة نادرة على اجتذاب الجمهور إلى الشاشة الكبيرة. وبينما احتفظ Street Fighter بالقمة من حيث الإيرادات، خطف You Can See Everything الجزء الأكبر من النقاش، وهو أحيانًا ما يكون الأهم في صناعة السينما الحديثة: أن تصبح فيلمًا لا يريد الناس فقط مشاهدته، بل الحديث عنه أيضًا.