«وايلد هورس ناين».. صدام تجسسي بطعم الكوميديا السوداء
عودة مارتن مكدونا بعد نجاح The Banshees of Inisherin
يعود الكاتب والمخرج البريطاني-الأيرلندي مارتن مكدونا إلى السينما بفيلم Wild Horse Nine، وهو عمل جديد من إنتاج وتوزيع Searchlight Pictures (@searchlightpics على إنستغرام) يميل إلى الكوميديا السوداء لكن داخل إطار تجسسي أكثر قتامة واتساعًا. أهمية المشروع لا تأتي فقط من فكرته، بل أيضًا لأنه يمثل أول أفلام مكدونا منذ The Banshees of Inisherin، الفيلم الذي حصد حضورًا قويًا في موسم الجوائز عام 2023، مع ترشيحه للأوسكار وفوزه بعدة جوائز بارزة من BAFTA والغولدن غلوب. بالنسبة لمتابعي السينما في مصر، فاسم مكدونا بات مرتبطًا بأعمال تمزج السخرية بالألم النفسي، وتمنح العلاقات الإنسانية الهشة مركز الثقل الحقيقي داخل الحكاية.
الفيلم الجديد لا يبتعد عن هذه البصمة، لكنه ينقلها هذه المرة من جزيرة أيرلندية معزولة إلى مهمة استخباراتية تدور قبل انقلاب تشيلي عام 1973 بقليل، ما يضيف خلفية سياسية وتاريخية تمنح الحكاية توترًا إضافيًا. ووفق الصفحة الرسمية للفيلم لدى Searchlight Pictures، يبدأ الحدث حين يُرسل العميلان كريس ولي من سانتياغو إلى جزيرة الفصح بتكليف من رئيسهما إم جي، قبل أن تتعقد المهمة مع ظهور ماضٍ ثقيل ومؤامرات حاضرة وعلاقات جديدة تهدد بإخراج الجميع عن المسار.
ثنائي متنافر في قلب الحكاية
الرهان الأساسي في Wild Horse Nine يبدو واضحًا منذ الإعلان الدعائي والمواد الرسمية: العلاقة بين جون مالكوفيتش وسام روكويل. مالكوفيتش يؤدي دور العميل كريس، بينما يجسد روكويل شخصية لي، وهما شريكان قديمان داخل جهاز الاستخبارات الأمريكية. الفكرة التي جرى تداولها عن بناء العلاقة بينهما على إيقاع يشبه «زوجين قديمين» تتشاجران باستمرار، تفسر سريعًا طبيعة الفيلم: لسنا أمام مطاردة تقليدية أو فيلم أكشن صريح، بل أمام مواجهة نفسية وساخرة بين رجلين استهلكتهما المهنة وترك الزمن أثره على صداقتهما المهنية.
هذا الاختيار ليس عابرًا. سام روكويل يملك تاريخًا طويلًا مع مكدونا منذ Seven Psychopaths، كما أن المخرج نفسه اعتاد كتابة شخصيات ذكورية محاصرة بالعجز أو العناد أو الوحدة. الجديد هنا أن تلك الثيمة تنتقل إلى عالم الاستخبارات، حيث تتحول الخلافات الصغيرة والحوارات اللاذعة إلى جزء من التوتر الدرامي، لا مجرد زينة كوميدية.
لماذا يثير الثنائي الفضول؟
- جون مالكوفيتش يحمل حضورًا باردًا ومقلقًا يناسب الشخصيات الرمادية.
- سام روكويل يمتلك خفة أداء تسمح بتحويل العصبية والارتباك إلى مادة ساخرة.
- الجمع بينهما يخلق توازنًا بين العبث والتهديد، وهو ما يناسب أسلوب مكدونا المعروف.
قصة الفيلم: تجسس، عزلة، وعلاقات مأزومة
بحسب المعلومات الرسمية المنشورة من Searchlight Pictures، تدور أحداث Wild Horse Nine قبيل الانقلاب التشيلي عام 1973، حين يُكلَّف العميلان كريس ولي بالسفر من سانتياغو إلى جزيرة الفصح. وسط تماثيل الجزيرة الشهيرة وعزلتها الجغرافية، يجد الشريكان نفسيهما أمام ماضٍ معقد ومؤامرات راهنة، فيما تؤدي علاقة جديدة تنشأ بين كريس وطالبتين متمردتين إلى تهديد المهمة بأكملها. هذه الحبكة توضح أن الفيلم لا يراهن فقط على التجسس، بل على اختناق الشخصيات داخل مكان ناءٍ يضاعف كل توتر صغير.
جزيرة الفصح، أو رابا نوي، ليست مجرد خلفية بصرية جذابة، بل تبدو عنصرًا دراميًا مقصودًا. المكان معزول، غامض، ومشبع بإيحاءات تاريخية، وهو ما يتلاءم مع سينما مكدونا التي تميل إلى عزل شخصياتها في أماكن ضيقة أو نائية حتى تشتبك مع نفسها ومع الآخرين. بالنسبة للمشاهد المصري، قد يذكّر هذا الأسلوب بأفلام تنجح حين تجعل المكان شريكًا في صناعة التوتر لا مجرد ديكور.
طاقم التمثيل يعزز ثقل المشروع
بعيدًا عن الثنائي الرئيسي، يضم الفيلم أسماء لافتة تمنحه وزنًا إضافيًا. الصفحة الرسمية للعمل تؤكد مشاركة ستيف بوشيمي في دور رئيس المكتب إم جي، إلى جانب ماريانا دي جيرولامو وأيلين سالاس، مع ظهور كل من توم ويتس وباركر بوزي. هذا التنوع في الاختيارات يوحي بفيلم يعتمد على الشخصيات بقدر اعتماده على الحدث، وهي سمة أساسية في أعمال مكدونا.
وجود بوشيمي تحديدًا ينسجم مع النبرة المتوقعة؛ فهو ممثل بارع في تقديم شخصيات تبدو ساخرة ومقلقة في اللحظة نفسها. أما ماريانا دي جيرولامو وأيلين سالاس، فحضورهما داخل حبكة مرتبطة بتشيلي وجزيرة الفصح يمنح السرد بعدًا محليًا داخل عالم تهيمن عليه أجهزة الاستخبارات الأمريكية، بدلًا من الاكتفاء بزاوية غربية مغلقة.
موعد العرض وما الذي نعرفه رسميًا حتى الآن؟
وفقًا للموقع الصحفي الرسمي لـSearchlight Pictures، من المقرر طرح Wild Horse Nine في دور العرض يوم 6 نوفمبر 2026. كما أطلقت الشركة الإعلان الرسمي للفيلم في مارس 2026، وهو ما أكد النبرة العامة للعمل باعتباره مزيجًا من التشويق السياسي والكوميديا السوداء. كذلك أدرجت Searchlight الفيلم ضمن قائمة إصداراتها لعام 2026، ما يضعه بين أبرز عناوين الموسم بالنسبة للشركة.
وفي سياق المهرجانات، أشارت تغطيات صحفية دولية حديثة إلى أن الفيلم دخل دائرة الأفلام المرشحة بقوة للحضور في موسم الخريف السينمائي لعام 2026، مع تداول اسمه ضمن عناوين بارزة في مهرجان فينيسيا. هذه النقطة مهمة لأن آخر فيلمين روائيين لمكدونا، Three Billboards Outside Ebbing, Missouri وThe Banshees of Inisherin، حظيا بزخم نقدي وجماهيري كبير، ما يجعل التوقعات مرتفعة جدًا حول عمله الجديد.
لماذا يبدو الفيلم مهمًا في قسم «مراجعات الأفلام»؟
رغم أن الفيلم لم يصل بعد إلى صالات العرض المصرية، فإن ملامحه الحالية تكفي لجعله من أكثر الأعمال المنتظرة لعشاق السينما المؤلفّة. السبب الأول هو اسم مارتن مكدونا نفسه، المخرج الذي يكتب شخصياته بعناية ويجعل الحوار سلاحًا دراميًا لا يقل أهمية عن الحبكة. السبب الثاني هو اختيار ممثلين قادرين على تحويل المشاحنات إلى جوهر شعوري، وهو ما يناسب الوصف المتداول لعلاقة بطلي الفيلم. أما السبب الثالث فهو الإطار السياسي المرتبط بتشيلي في لحظة تاريخية حساسة، ما يمنح الفيلم خلفية أوسع من مجرد لعبة جواسيس.
ومن زاوية نقدية، يبدو Wild Horse Nine امتدادًا طبيعيًا لاهتمام مكدونا بعلاقات الرجال المأزومة، لكن في مساحة مختلفة. في The Banshees of Inisherin كانت الأزمة تنبع من صدع الصداقة والعزلة الوجودية؛ هنا تنتقل الأزمة إلى بيئة عمل قاسية، حيث يصبح الزمالة الطويلة عبئًا نفسيًا، وتتحول المهمة المشتركة إلى اختبار للاستمرار أو الانهيار.
أبرز الحقائق المؤكدة عن الفيلم
- الاسم: Wild Horse Nine.
- الكاتب والمخرج: مارتن مكدونا.
- البطولة: جون مالكوفيتش، سام روكويل، ستيف بوشيمي، ماريانا دي جيرولامو، أيلين سالاس، مع توم ويتس وباركر بوزي.
- الشركة الموزعة: Searchlight Pictures.
- موعد الطرح المعلن: 6 نوفمبر 2026.
- الخلفية الزمنية للأحداث: قبيل انقلاب تشيلي عام 1973.
- المكان المحوري: سانتياغو ثم جزيرة الفصح.
هل يكرر مكدونا نجاحه السابق؟
الإجابة النهائية ستظل مرهونة بعرض الفيلم واستقبال النقاد والجمهور، لكن المؤشرات الحالية مشجعة. The Banshees of Inisherin نال 9 ترشيحات للأوسكار، وفاز بجائزة BAFTA لأفضل سيناريو أصلي، كما حصد 4 جوائز BAFTA بينها أفضل فيلم بريطاني، وفاز أيضًا بـ3 جوائز غولدن غلوب. هذا السجل يرفع سقف المقارنة تلقائيًا، لكنه يمنح Wild Horse Nine أيضًا أفضلية الانطلاق من ثقة نقدية كبيرة في اسم مخرجه.
بالنسبة للقارئ المصري المتابع لأخبار الأفلام العالمية، فإن Wild Horse Nine يبدو حتى الآن مشروعًا يستحق الانتظار: فيلم تجسس غير تقليدي، مكتوب بروح سوداء، ومدفوع بثنائي تمثيلي قادر على تحويل الشجار إلى متعة سينمائية. وإذا حافظ مكدونا على توازنه المعتاد بين القسوة والفكاهة، فقد نجد أنفسنا أمام واحد من أبرز أفلام خريف 2026.