«هيروشيما» يختبر عودة أحمد السقا لسينما البطولة الجماهيرية
مع انطلاق أول يوم تصوير لفيلم «هيروشيما» في مدينة الإنتاج الإعلامي، دخل المشروع أخيرًا مرحلة التنفيذ بعد فترة من التحضيرات والتأجيلات، ليعود السؤال بقوة: هل ينجح أحمد السقا في استعادة موقعه التاريخي كأحد أهم نجوم البطولة الجماهيرية في السينما المصرية، وهل تمثل مشاركة مي عمر إلى جواره عنصرًا إضافيًا في هذا الرهان؟
الوقائع المعلنة حتى الآن تؤكد أن الفيلم ليس مجرد عنوان جديد في قائمة إنتاجات الموسم، بل مشروع يتحرك من البداية بمنطق الفيلم التجاري الكبير. تقارير صحفية مصرية متطابقة أكدت بدء التصوير خلال اليومين الماضيين، ووجود عدد كبير من أبطال العمل في أول يوم، بينهم مي عمر، باسم سمرة، بيومي فؤاد، محمد ثروت، حنان مطاوع، وليلى عز العرب، مع إنتاج آلاء لاشين، وتأليف أيمن بهجت قمر، وإخراج أحمد نادر جلال.
لماذا يبدو «هيروشيما» مشروعًا محسوبًا بدقة؟
أهمية «هيروشيما» لا تتوقف عند اسم بطله فقط، بل في طريقة تكوينه. الفيلم يجمع بين أحمد السقا، وهو الاسم الأكثر التصاقًا تاريخيًا بأفلام الحركة والبطولة الفردية في مصر، وبين مخرج يعرف جيدًا إيقاع السوق مثل أحمد نادر جلال، وكاتب جماهيري مثل أيمن بهجت قمر. هذا الثلاثي وحده يكشف أن المشروع موجّه بوضوح إلى جمهور الشباك، لا إلى دوائر المهرجانات أو التجارب النخبوية.
المعلومات المنشورة عن الفيلم ما زالت محدودة على مستوى القصة الكاملة، لكن ما جرى تداوله في الصحافة الفنية المصرية يشير إلى أنه يتحرك في مساحة التشويق والإثارة، مع شخصيات متعددة ومفاجآت على مستوى السرد وأماكن التصوير. هذه النوعية تحديدًا هي البيئة الطبيعية التي صنع فيها السقا جزءًا كبيرًا من شعبيته، منذ أفلام مثل «تيتو» و«حرب أطاليا» و«الجزيرة» وصولًا إلى أعماله ذات الطابع الحركي الأوسع.
أحمد السقا ورغبة استعادة موقع «نجم الشباك»
أحمد السقا، الذي يُشار إلى حسابه الرسمي عبر مواقع الفن باسم (@ahmedelsaka) على إنستغرام، لا يدخل «هيروشيما» من فراغ. السوق نفسه تغيّر خلال السنوات الأخيرة؛ ففكرة النجم الأوحد القادر على قيادة فيلم جماهيري لم تعد تعمل تلقائيًا كما كانت في العقدين الماضيين، بعدما أصبحت المنافسة أكثر اعتمادًا على التركيبة الإنتاجية، والحملات الدعائية، والمواسم، والثنائيات، وحتى الامتداد الإقليمي في التوزيع.
لكن السقا لا يزال يملك ورقة مهمة: اسمه مرتبط ذهنيًا لدى قطاع واسع من الجمهور المصري والعربي بفكرة الفيلم الحدث. ويكفي النظر إلى حضوره الأخير في السينما لفهم ذلك. فيلم «السرب» الذي عُرض في 2024 حقق، بحسب بيانات السينما.كوم، إجمالي إيرادات في مصر بلغ 41,181,756 جنيهًا، بينما سجل في السعودية 1,547,400 ريال سعودي. صحيح أن الرقم لا يضعه في صدارة أعلى أفلام الموسم، لكنه يثبت أن السقا ما زال قادرًا على جذب جمهور معتبر عندما يدخل منطقة الأكشن الواسع.
الأهم أن سوق 2024 نفسه قدّم درسًا واضحًا: الأفلام الجماهيرية الكبيرة ما زالت قادرة على تحقيق أرقام استثنائية. بحسب بيانات السينما.كوم، وصل فيلم «ولاد رزق 3: القاضية» إلى 260,226,986 جنيهًا في مصر، بينما ذكرت تغطيات صحفية مصرية أن إجمالي إيرادات السينما المصرية خلال 2024 تجاوز مليار جنيه. معنى ذلك أن الجمهور لم يهجر القاعة، بل صار أكثر انتقائية، ويبحث عن الفيلم الذي يشعر أنه يستحق الخروج من أجله.
مي عمر.. من الحضور التلفزيوني إلى معادلة السينما
هنا تظهر أهمية مي عمر، التي يُنسب إليها في نتائج البحث حساب (@maiomar) على إنستغرام. حضورها في «هيروشيما» ليس مجرد إضافة نسائية تقليدية إلى فيلم بطولة رجل، بل جزء من معادلة أوسع تتعلق بجذب شرائح متنوعة من الجمهور. مي عمر راكمت خلال السنوات الأخيرة حضورًا جماهيريًا واضحًا عبر الدراما التلفزيونية، كما ارتبط اسمها بأعمال تجارية معروفة، وهي تدخل الآن فيلمًا يقف في منطقة أكثر صراحة من حيث الرهان على الشباك.
اللافت أن تقارير سابقة عن الفيلم أشارت إلى أن شخصيتها في إحدى الصيغ المتداولة كانت تحمل ملامح غير تقليدية، كما تحدثت تقارير أخرى عن مشاركة مجموعة كبيرة من الأسماء حول الثنائي الرئيسي، من بينهم شيرين رضا، محمد لطفي، هدى الإتربي، وعماد صفوت، إلى جانب الأسماء التي حضرت انطلاق التصوير. هذه الكثافة في الكاست تدعم فكرة أن «هيروشيما» لا يراهن على بطل واحد فحسب، بل على فيلم نجوم تقوده بطولة مركزية.
عودة أفلام البطولة الجماهيرية.. ولكن بشروط جديدة
الحديث عن «عودة» أفلام البطولة الجماهيرية يحتاج إلى دقة. هذه الأفلام لم تختفِ تمامًا من السينما المصرية، لكنها أعادت تشكيل نفسها. في التسعينيات وبدايات الألفية، كان يكفي اسم النجم. اليوم، الرهان صار أعقد: نجم له تاريخ، مخرج صاحب إيقاع سريع، كاتب يفهم الذائقة الشعبية، إنتاج قادر على الإنفاق، وفكرة قابلة للتسويق في مصر وخارجها.
من هذه الزاوية، يبدو «هيروشيما» محاولة واعية لاستعادة النموذج القديم بصيغة محدثة. أحمد نادر جلال، الذي تُدرجه قواعد بيانات السينما ضمن أصحاب الصفحات الرسمية على إنستغرام، ينتمي إلى نوعية المخرجين الذين يعرفون كيف يصنعون صورة كبيرة وإيقاعًا مناسبًا لأفلام الحركة. أما أيمن بهجت قمر، فخبرته الطويلة في الكتابة الجماهيرية تمنح الفيلم احتمال الوصول إلى شريحة أوسع من مجرد جمهور الأكشن التقليدي.
ما الذي يحتاجه الفيلم كي ينجح فعلًا؟
- سيناريو واضح الرهان: الجمهور يتسامح أقل من السابق مع الأفلام التي تعتمد على الاسم فقط.
- مشاهد حركة مقنعة بصريًا: خصوصًا أن السقا يظل مرتبطًا بصورة النجم الذي يقدّم الجسد والحركة، لا الحوار فقط.
- استثمار كيمياء الثنائي: وجود مي عمر يجب أن يكون دراميًا مؤثرًا، لا دعائيًا فقط.
- توقيت عرض ذكي: لأن المنافسة الموسمية في السوق المصري صارت عنصرًا حاسمًا في صناعة الإيراد.
بين الحنين إلى نجم الأكشن وحسابات السوق
الرهان الحقيقي في «هيروشيما» ليس فقط على نجاح فيلم جديد، بل على فكرة أكبر تخص السينما المصرية نفسها: هل ما زال ممكنًا إنتاج فيلم بطولة جماهيرية يقوده نجم بحجم أحمد السقا، ويخاطب جمهورًا واسعًا من دون أن يفقد حسّ العصر؟ المؤشرات الأولى تقول إن صناع الفيلم يدركون حجم التحدي. اختيار عنوان لافت، وكاست واسع، وبداية تصوير احتفالية، كلها إشارات إلى مشروع يريد أن يُقدَّم بوصفه عنوانًا مهمًا في السوق لا عملًا عابرًا.
في النهاية، لا يمكن الحكم على «هيروشيما» قبل ظهور مادته الدعائية ثم عرضه في دور السينما. لكن المؤكد أن انطلاق التصوير وضع الفيلم مبكرًا في قلب النقاش حول مستقبل أفلام البطولة الجماهيرية في مصر. وإذا كان شباك التذاكر قد أثبت في 2024 أن الجمهور لا يزال يمنح ثقته للأفلام الكبيرة عندما تتوافر لها العناصر الصحيحة، فإن أحمد السقا ومي عمر يبدوان اليوم أمام فرصة حقيقية لتحويل هذا المشروع إلى اختبار مهم: ليس فقط لنجوميتهما، بل لقدرة السينما المصرية على إعادة إنتاج فيلم جماهيري محلي واسع التأثير، بطابع مصري واضح، وبأدوات تناسب مزاج الجمهور الحالي.