Egypt Box Office

هل يوسّع حسين فهمي جمهور مهرجان القاهرة داخل العاصمة؟

بعد ضم سينما التحرير وزاوية.. خطوة جديدة لاختبار علاقة المهرجان بالجمهور

أعاد إعلان انضمام سينما التحرير وسينما زاوية إلى قائمة دور العرض المستضيفة لأفلام الدورة السابعة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي فتح سؤال قديم ومتجدد في آن واحد: هل يستطيع المهرجان، برئاسة حسين فهمي، أن يخرج أكثر من صورته النخبوية ويقترب فعليًا من جمهور القاهرة؟ الإعلان جاء خلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد يوم 11 أكتوبر 2026، مع تأكيد إقامة الدورة بين 11 و20 نوفمبر 2026، بالتزامن مع مرور 50 عامًا على انطلاق المهرجان لأول مرة عام 1976.

القرار في ظاهره تنظيمي، لكنه في جوهره يحمل دلالة جماهيرية واضحة. فالمهرجان أعلن صراحة أن إضافة القاعتين تأتي ضمن خطة لـتوسيع نطاق العروض، وإتاحة فرص أكبر أمام الجمهور لمتابعة الأفلام في مسابقاته وأقسامه المختلفة، مع تعزيز الحضور داخل دور العرض والمراكز الثقافية في العاصمة. وهذه صياغة تكشف أن الإدارة الحالية لا ترى النجاح فقط في الضيوف والسجادة الحمراء، بل أيضًا في سهولة الوصول إلى الفيلم داخل المدينة نفسها.

لماذا تبدو زاوية تحديدًا إضافة مهمة؟

أهمية زاوية لا ترتبط باسمها فقط، بل بطبيعة جمهورها. السينما تعمل من سينما كريم، 15 شارع عماد الدين، وسط البلد، القاهرة، وهو موقع يمنحها ميزة القرب من قلب المدينة ومن جمهور اعتاد متابعة السينما البديلة والبرامج الخاصة والاستعادات. الموقع الرسمي لزاوية يوضح العنوان بوضوح، كما يكشف استمرار نشاطها البرامجي على مدار العام، وهو ما يعني أن القاعة لا تبدأ من الصفر في بناء عادة مشاهدة مختلفة، بل تملك بالفعل جمهورًا يعرفها ويتابعها.

لهذا، فإن دخول زاوية إلى خريطة عروض المهرجان قد يمنح الدورة 47 ميزة لا توفّرها القاعات الاحتفالية وحدها: جمهور جاهز نفسيًا لاكتشاف أفلام خارج السائد التجاري. هذا النوع من الجمهور مهم جدًا لمهرجان مثل القاهرة السينمائي، خصوصًا أن جزءًا من أفلامه الدولية والعربية المستقلة يحتاج إلى متفرج لديه فضول مسبق، وليس مجرد حضور مناسبة اجتماعية.

وماذا تضيف سينما التحرير؟

إذا كانت زاوية تمثل قاعدة صلبة للسينما البديلة، فإن سينما التحرير تكتسب أهميتها من رمزيتها وموقعها داخل نطاق وسط القاهرة، بما يعيد المهرجان خطوة إضافية نحو المجال العام اليومي، لا إلى فضائه الرسمي فقط. إعلان المهرجان لم يكتفِ بذكر القاعتين، بل وضعهما ضمن قائمة أوسع من أماكن العرض التي تشمل المسرح الكبير والمسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية ومسرح الهناجر، بما يعكس رغبة في توزيع العروض بين الفضاء الثقافي الرسمي والفضاء السينمائي الأقرب للحركة اليومية في القاهرة.

هذه النقلة مهمة لأن أزمة كثير من المهرجانات ليست في جودة البرمجة فقط، بل في جغرافيا الوصول. حين تتركز العروض داخل الأوبرا، يصبح الحضور أحيانًا مرهونًا بروتين المكان وطبيعته وشعور بعض المتفرجين بأنه فضاء أقل ألفة. أما حين تتسع الخريطة إلى قاعات معروفة داخل وسط البلد، فالمهرجان يقترب أكثر من فكرة “المدينة التي تشاهد أفلامًا” لا “المؤسسة التي تستضيف حدثًا”.

هل هذه سياسة جديدة أم امتداد لمسار قائم؟

المؤشرات تقول إنها امتداد لمسار توسعي أكثر منها قرارًا منفصلًا. في الدورة 46 عام 2025، أظهرت تغطيات برنامج العروض أن المهرجان لم يكتفِ بقاعات دار الأوبرا، بل وسّع عروضه إلى مواقع أخرى داخل القاهرة، بينها قاعة إيوارت بالجامعة الأمريكية وسينما الزمالك 1 و2 وقاعات فوكس في مول مصر وسيتي سنتر ألماظة. معنى ذلك أن إدارة المهرجان كانت تختبر بالفعل فكرة الانتشار داخل العاصمة، والآن تضيف إليها قاعتين جديدتين لهما وزن ثقافي مختلف.

كما أن الموقع الرسمي للمهرجان يشير إلى أن الدورة 46 ضمت 153 فيلمًا، بينما كشفت تفاصيل الدورة 47 التي أُعلنت في 11 أكتوبر 2026 عن 145 فيلمًا من 64 دولة. هذا الحجم من البرمجة يجعل التوسع في القاعات منطقيًا، لأن عدد الأفلام الكبير يحتاج إلى شبكة عرض مرنة وقادرة على استيعاب شرائح مشاهدة متنوعة في توقيتات مختلفة.

حسين فهمي بين الصورة اللامعة ورهان الإدارة

حسين فهمي، رئيس المهرجان، ليس مجرد اسم فني كبير؛ الموقع الرسمي للمهرجان يقدمه باعتباره أحد أبرز وجوه السينما العربية، بينما كرّمه مركز السينما العربية في مايو 2026 بجائزة شخصية العام السينمائية العربية، مع الإشارة إلى مبادرات شهدتها رئاسته، مثل دعم المواهب، والاشتغال على ترميم كلاسيكيات مصرية، واستعادة الحضور المصري في سوق كان من خلال الجناح المصري.

وهنا بالضبط تكمن المفارقة: النجومية تساعد في منح المهرجان حضورًا إعلاميًا، لكن توسيع الجمهور يحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك، أي قرارات تشغيلية وبرمجية تمس تجربة المشاهدة نفسها. من هذه الزاوية، يبدو قرار ضم سينما التحرير وزاوية اختبارًا مباشرًا لقدرة حسين فهمي على تحويل رصيده الرمزي إلى سياسة جماهيرية قابلة للقياس.

اللافت أيضًا أن فهمي شارك في مايو 2026 في جلسة ضمن فعاليات سوق كان تحدث فيها، بحسب الموقع الرسمي للمهرجان، عن نظرة قطاع من الجمهور المصري إلى مهرجان القاهرة باعتباره مخصصًا للنخبة. مجرد طرح هذه الفكرة علنًا يعني أن الإدارة واعية بالمشكلة، وأن توسيع مواقع العرض قد يكون أحد الردود العملية عليها.

ما الذي قد يجعل الخطوة ناجحة فعلاً؟

1) كسر الحاجز النفسي

وجود عروض في زاوية وسينما التحرير قد يقلل شعور بعض المتفرجين بأن المهرجان “حدث مغلق” أو موجه فقط للضيوف والصحافة. وسط البلد، بحركته اليومية، يمنح العروض ملمسًا أكثر شعبية وأقل بروتوكولية.

2) تنويع نوعية الجمهور

دار الأوبرا تجذب جمهورًا محددًا بطبيعة المكان، بينما تجذب زاوية جمهورًا شغوفًا بالسينما الفنية، وقد تستقطب سينما التحرير جمهورًا أوسع من رواد وسط المدينة. هذا التنوع مطلوب لمهرجان يريد توسيع قاعدته داخل القاهرة لا الاكتفاء بجمهوره التقليدي.

3) استثمار زخم الدورة 47

الدورة المقبلة ليست عادية؛ فهي تأتي في عام اليوبيل الخمسيني للمهرجان، ومع برنامج معلن يضم 145 فيلمًا من 64 دولة، فضلًا عن قائمة مكرمين تشمل سعيد شيمي وأنطوان زند وآسر ياسين ومدحت العدل. هذا الزخم يمنح الإدارة فرصة نادرة لتحويل التغطية الإعلامية إلى إقبال حقيقي على التذاكر.

لكن ما التحديات الحقيقية؟

التحدي الأول أن زيادة عدد القاعات لا تعني تلقائيًا زيادة الجمهور. النجاح سيتوقف على نوعية الأفلام التي ستُوزع على هذه القاعات، ومواعيد العروض، وسهولة الحجز، وطبيعة التواصل مع الجمهور قبل انطلاق الدورة. إذا ذهبت الأفلام الأعلى جاذبية كلها إلى القاعات الاحتفالية، وبقيت القاعات الجديدة رهينة البرمجة الصعبة فقط، فقد يتراجع الأثر الجماهيري المتوقع.

التحدي الثاني هو أن مهرجان القاهرة، رغم مكانته الكبيرة بوصفه المهرجان العربي والأفريقي الوحيد المعتمد ضمن الفئة A من الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام، ما زال في نظر قطاع من الجمهور مناسبة موسمية أكثر منه عادة مشاهدة سنوية. لذلك فإن الاختبار الحقيقي ليس فقط في امتلاء بعض العروض، بل في خلق علاقة مستمرة بين اسم المهرجان ومُشاهد القاهرة.

الحكم المبدئي: فرصة حقيقية.. لكن النجاح مرهون بالتنفيذ

المؤكد أن قرار ضم سينما التحرير وزاوية ليس تفصيلًا هامشيًا في الدورة 47، بل خطوة مدروسة تحمل معنى واضحًا: تقريب مهرجان القاهرة السينمائي من المدينة ومن جمهورها. وتبدو الفرصة هذه المرة أكبر لأن المهرجان يتحرك في دورة رمزية تحتفي بمرور خمسين عامًا على تأسيسه، ولأن الإدارة تعلن بوضوح رغبتها في توسيع الوصول داخل العاصمة.

هل ينجح حسين فهمي في توسيع حضور المهرجان جماهيريًا داخل القاهرة؟ نعم، الاحتمال قائم وبقوة، لكن بشرط أن تتحول إضافة القاعات إلى تجربة مشاهدة أسهل وأقرب وأكثر تنوعًا، لا مجرد زيادة عددية في أماكن العرض. إذا حدث ذلك، فقد تكون الدورة 47 واحدة من أهم المحطات التي غيّرت علاقة المهرجان بجمهوره داخل القاهرة، لا فقط شكل خريطته التنظيمية.