Egypt Box Office

هل يوسع الطرح الرقمي لـ«القصص» فرص اكتشافه في مصر؟

«القصص» بين الأوسكار والمنصة: ماذا تغيّر؟

دخل فيلم «القصص» مرحلة جديدة في مسيرته بعد اختيار لجنة ترشيح الفيلم المصري للأوسكار له ممثلًا لمصر في سباق أفضل فيلم دولي في أوسكار 2027. وبحسب ما نشرته بوابة الأهرام، حصد الفيلم أعلى الأصوات في مرحلتَي التصويت داخل اللجنة، إذ نال 22 صوتًا في المرحلة الأولى، ثم 14 صوتًا في القائمة القصيرة النهائية، ليحسم بطاقة التمثيل المصري رسميًا. هذا التطور لا يخص فقط حظوظه الخارجية، بل يفتح أيضًا سؤالًا محليًا مهمًا: هل يمنح الطرح الرقمي فرصة أوسع لاكتشاف الفيلم داخل مصر؟

السؤال مشروع لأن فيلمًا مثل «القصص» لا ينتمي إلى أفلام السوق الجماهيرية التقليدية بقدر ما يراهن على السرد الهادئ، والبعد الإنساني، والامتداد الزمني والتاريخي. ومع انتقاله إلى المشاهدة المنزلية، يصبح في متناول شريحة أكبر من الجمهور المصري، خصوصًا من لم يلحق بعروضه السينمائية أو سمع عنه في سياق المهرجانات والجوائز فقط.

ما الذي نعرفه عن «القصص»؟

الفيلم من تأليف وإخراج أبو بكر شوقي، ويشارك في بطولته نيللي كريم وأمير المصري وأحمد كمال وصبري فواز وشريف الدسوقي وعمرو عابد وفاليري باخنر. ووفق الصفحة الرسمية للفيلم على منصة شاهد، تدور الأحداث حول عازف البيانو المصري أحمد، الذي تبدأ حياته في التغير مع مراسلاته مع فتاة نمساوية اسمها ليز، على خلفية زمنية تبدأ من عام 1967 وتمتد عبر عقود لاحقة.

هذا الخط الدرامي يتقاطع مع ما أوردته تغطيات مصرية عدة عن طبيعة الفيلم، باعتباره عملًا يمتد على أكثر من حقبة زمنية، بين عامي 1967 و1984، وهو ما يمنحه مساحة أوسع لقراءة التحولات الاجتماعية والسياسية من داخل قصة شخصية وعاطفية في الأساس. تلك التركيبة تحديدًا هي ما يجعل «القصص» فيلمًا قابلًا لإعادة الاكتشاف، لأن التلقي هنا لا يعتمد فقط على عنصر التشويق السريع، بل على التراكم، والتفاصيل، والحنين، والموسيقى، وبناء الشخصيات.

لماذا قد يكون العرض الرقمي نقطة تحول داخل مصر؟

1) الوصول أسهل من شاشة السينما

أعلنت منصة شاهد طرح الفيلم حصريًا بدءًا من 17 سبتمبر 2026، وهو توقيت جاء بعد فترة من تداوله نقديًا وإعلاميًا، ثم بعد تصاعد الاهتمام به مع قرار ترشيحه للأوسكار. عمليًا، هذا يعني أن الجمهور المصري لم يعد مرتبطًا بمواعيد عروض محدودة أو قاعات بعينها، بل أصبح قادرًا على مشاهدة الفيلم في أي وقت ومن أي مدينة.

وهنا تظهر أفضلية المنصة في حالة الأفلام التي تعتمد على السمعة النقدية أكثر من الضخ التسويقي التقليدي. فعندما يسمع المشاهد عن فيلم اختير لتمثيل مصر في الأوسكار، ثم يجده متاحًا فورًا على منصة واسعة الانتشار، تقل المسافة بين الفضول والمشاهدة الفعلية.

2) ترشيح الأوسكار يصنع فضولًا جديدًا

الترشيح المصري لا يضمن بالطبع الوصول إلى القائمة القصيرة للأكاديمية، لكنه يمنح الفيلم عنوانًا تسويقيًا قويًا داخل السوق المحلية. ووفق ما نشرته المصري اليوم، فإن «القصص» ينافس ضمن دورة الأوسكار التي يقام حفلها في 14 مارس 2027. وبين إعلان الاختيار وموعد الحفل، توجد نافذة زمنية طويلة نسبيًا تسمح بإعادة تقديم الفيلم للجمهور المصري بوصفه أحد أهم العناوين السينمائية المحلية في الموسم.

في هذه النقطة بالذات، يستفيد الطرح الرقمي من حدث خارجي كبير، لكنه يعيد توجيه الاهتمام إلى الداخل. فبدل أن يبقى الفيلم خبرًا ثقافيًا متداولًا بين النقاد وصناع السينما فقط، يصبح مادة مشاهدة متاحة لجمهور أوسع يريد أن يعرف: لماذا اختير هذا العمل تحديدًا؟

3) طبيعة فيلم أبو بكر شوقي تناسب المشاهدة الهادئة

أبو بكر شوقي، الذي يُعرف جماهيريًا أكثر بعد «يوم الدين»، يقدم هنا فيلمًا يقوم على النَفَس الطويل والعلاقات الإنسانية المعقدة، لا على الإيقاع السريع وحده. لذلك قد يكون التلقي المنزلي مفيدًا لفيلم مثل هذا، لأن المشاهد يدخله بتوقعات مختلفة عن أفلام الشباك المباشر. كما أن المنصات عادة تمنح الأفلام عمرًا أطول من دورة العرض التقليدية، وهو أمر جوهري لأعمال تتشكل قيمتها تدريجيًا عبر التوصية والمناقشة.

هل كانت هناك مؤشرات على قدرة الفيلم على جذب الانتباه؟

نعم، فالفيلم لم يصل إلى هذه اللحظة من فراغ. بحسب تغطية الشروق في يونيو 2026، بدأ «القصص» رحلته مع الجمهور بعد جولة مهرجانية شملت مهرجان تالين بلاك نايتس ومهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، كما حصد التانيت الذهبي لأفضل فيلم روائي طويل في مهرجان قرطاج السينمائي الدولي، والصقر الفضي من مهرجان الفيلم العربي بمدينة روتردام، إلى جانب جائزة أفضل إسهام فني في التصوير السينمائي لمدير التصوير وولفجانج ثالر في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية.

هذه الجوائز لا تعني بالضرورة نجاحًا جماهيريًا واسعًا وحدها، لكنها تمنح الفيلم رصيدًا من الثقة والفضول. وعندما يتزامن هذا الرصيد مع توفره رقميًا، فإن فرص انتشاره محليًا تصبح أكبر مما كانت عليه في قاعة السينما فقط.

من هم الوجوه القادرة على سحب جمهور جديد للفيلم؟

وجود نيللي كريم في مقدمة العمل يمنح «القصص» عنصر جذب واضحًا، خاصة لدى جمهور يتابع اختياراتها خارج القوالب التجارية المباشرة. كما أن أمير المصري يحمل في السنوات الأخيرة حضورًا متصاعدًا لدى جمهور الشباب والمتابعين للأعمال المصرية ذات الطابع الدولي. أما أبو بكر شوقي نفسه، فرغم أنه ليس اسمًا جماهيريًا بالمعنى التقليدي، فإنه بات علامة موثوقة لدى المهتمين بالسينما الفنية المصرية.

وفي سياق الحضور العام حول الفيلم، نشرت الشروق تصريحات لنيللي كريم قالت فيها إن ترشيح «القصص» للمنافسة على أوسكار أفضل فيلم دولي يمثل «شرفًا كبيرًا»، معربة عن اعتزازها بالتعاون مع أبو بكر شوقي. كما ارتبط الإعلان عن موعد العرض الرقمي بتداول البوستر عبر حسابات الترويج الخاصة بالفيلم ونجومه، ما منح لحظة الطرح على «شاهد» دفعة إضافية.

لكن هل يكفي الطرح الرقمي وحده؟

الإجابة الأقرب: لا، لكنه يضاعف الاحتمالات. فالاكتشاف الحقيقي لأي فيلم داخل مصر لا يحدث فقط بسبب توافره على منصة، بل يحتاج أيضًا إلى خطاب نقدي وإعلامي واضح يشرح لماذا يستحق المشاهدة. «القصص» ليس فيلمًا يعتمد على ضجة فورية، بل على تراكم الانطباعات، والمراجعات، وتوصيات المشاهدين لبعضهم البعض.

ومع ذلك، يبقى الطرح الرقمي عاملًا حاسمًا في إزالة أكبر عقبة أمام هذا النوع من الأفلام: إتاحة الوصول. فمن دون الإتاحة، يظل الفيلم محصورًا في دائرة المهرجانات، أو في ذاكرة من شاهدوه مبكرًا. أما مع الإتاحة، فإن إمكانية تحوله إلى موضوع نقاش أوسع داخل مصر تصبح أكثر واقعية، خصوصًا مع لافتة «ممثل مصر في الأوسكار» التي تمنحه وزنًا إضافيًا في عيون جمهور لم يكن قد وضعه على قائمته أصلًا.

الخلاصة: فرصة حقيقية لإعادة الاكتشاف

اختيار «القصص» لتمثيل مصر في أوسكار 2027 منح الفيلم شرعية ثقافية وإعلامية جديدة، لكن عرضه الرقمي على شاهد منذ 17 سبتمبر 2026 هو ما قد يحول هذه الشرعية إلى مشاهدة فعلية داخل البيوت المصرية. الفيلم يملك عناصر تساعده على ذلك: اسم مخرج له مكانته، ممثلون معروفون، رحلة مهرجانية وجوائز معتبرة، وحكاية مصرية تمتد عبر لحظة تاريخية حساسة.

لذلك، نعم: طرح «القصص» رقميًا يمنحه فرصة أوسع بالفعل لاكتشافه داخل مصر، ليس لأنه يضمن النجاح الجماهيري التلقائي، بل لأنه يضع الفيلم أخيرًا في المكان الذي يحتاجه هذا النوع من الأعمال: أمام جمهور واسع، وبإمكانية مشاهدة مفتوحة، وفي توقيت مثالي يتزامن مع أكبر دفعة دعائية نالها منذ بداية رحلته.