هل يهدد نزاع أسرة أم كلثوم استمرار عرض «الست» بمصر؟
تأجيل جديد يعيد فيلم «الست» إلى دائرة الجدل
عاد فيلم «الست» إلى واجهة النقاش في مصر بعد قرار محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة تأجيل الدعوى المقامة من أسرة أم كلثوم لوقف عرضه وسحب ترخيصه إلى جلسة 6 أغسطس 2026. وبحسب ما نشرته المصري اليوم، جاء التأجيل لورود رد هيئة قضايا الدولة على المستندات المقدمة من الدفاع، بينما تناولت الدعوى طلب وقف عرض الفيلم في دور السينما والقنوات الفضائية وشبكة الإنترنت بدعوى إساءته إلى سيرة كوكب الشرق وتشويه سمعتها وتاريخها.
القضية لا تتعلق فقط بفيلم جماهيري أثار انقسامًا نقديًا، بل تمس سؤالًا أوسع في السينما المصرية: إلى أي مدى تستطيع الأعمال السيرية الاقتراب من الشخصيات العامة من دون الاصطدام بالورثة أو الذاكرة الشعبية أو التأويل القانوني للحقوق الأدبية؟
ما الذي تطالب به أسرة أم كلثوم تحديدًا؟
التغطيات المنشورة عن الدعوى تشير إلى أن ورثة أم كلثوم يطالبون بوقف عرض الفيلم وسحب الترخيص الصادر له، بدعوى أن العمل يتضمن وقائع ومشاهد اعتبروها مسيئة أو غير دقيقة، وأنه تجاوز ــ من وجهة نظرهم ــ حدود المعالجة الفنية إلى تشويه متعمد للسيرة. وذكرت تقارير سابقة أن بعض أفراد الأسرة تقدموا أيضًا ببلاغات قانونية اعتراضًا على ما وصفوه بمغالطات تخص صورة أم كلثوم الشخصية والإنسانية.
هذا الاعتراض لم يبدأ مع جلسة يونيو 2026 فقط، بل سبقه تصاعد في الانتقادات منذ الحملة الدعائية الأولى للفيلم، سواء على مستوى اختيار التجسيد أو بعض التفاصيل الدرامية المتداولة عن حياة أم كلثوم، وهي النقاط التي تحولت لاحقًا من سجال على مواقع التواصل إلى مسار قضائي واضح.
ما وضع الفيلم فعليًا في السوق المصرية الآن؟
حتى مع استمرار الجدل، فإن المعطيات المنشورة تؤكد أن «الست» عُرض تجاريًا في مصر يوم 6 ديسمبر 2025. كما حقق انطلاقة قوية في شباك التذاكر؛ إذ أورد مصراوي أن الفيلم جمع خلال أول 4 أيام عرض نحو 9.256 مليون جنيه. ولاحقًا ذكرت المصري اليوم أن إجمالي إيراداته في السوق المصرية بلغ نحو 26.9 مليون جنيه، قبل أن يُرفع من دور العرض بعد نحو 6 أسابيع، ثم ينتقل لاحقًا إلى العرض الرقمي على منصة شاهد في أول أيام عيد الأضحى 2026.
هذه النقطة مهمة جدًا عند قراءة سؤال «هل يغيّر الجدل القضائي مصير الفيلم في دور العرض المصرية؟»؛ لأن الفيلم، وفق الوقائع المنشورة، عُرض بالفعل وأنهى نافذته السينمائية الأساسية تجاريًا قبل جلسة التأجيل الأخيرة. بمعنى أدق: التأثير العملي الفوري على شاشات السينما يبدو أقل مما يوحي به العنوان، بينما يظل الأثر المحتمل أكبر على إعادة الطرح، أو العرض التلفزيوني، أو التداول الرقمي إذا صدر حكم نهائي لاحقًا ضد الترخيص.
من هم صناع «الست» الذين يدور حولهم الجدل؟
الفيلم من بطولة منى زكي، التي تجسد شخصية أم كلثوم، ومن إخراج مروان حامد وتأليف أحمد مراد. وضم العمل عددًا كبيرًا من الأسماء المعروفة في السينما المصرية، منهم عمرو سعد في دور الرئيس جمال عبد الناصر، وسيد رجب في دور الشيخ إبراهيم البلتاجي، وأحمد خالد صالح في دور الشيخ خالد البلتاجي، ومحمد فراج في دور أحمد رامي، وتامر نبيل في دور محمد القصبجي، إلى جانب نيللي كريم وأمينة خليل وكريم عبدالعزيز وأحمد حلمي ضمن فريق التمثيل.
كما استعان الفيلم، وفق البيانات المنشورة عن العمل، بموسيقى تصويرية من هشام نزيه، بينما أدت نسمة محجوب الجانب الغنائي. وسبق الإعلان عن بدء تصويره في يوليو 2024، مع إنتاج شاركت فيه الشركة المتحدة للإنتاج السينمائي وسينرجي فيلمز وشركات أخرى.
هل يمكن لحكم القضاء أن يوقف الفيلم رغم عرضه السابق؟
من الناحية العملية، يجب التمييز بين الضجيج القضائي والأثر التنفيذي المباشر. حتى الآن، المتاح من الأخبار المنشورة يتحدث عن تأجيل الدعوى، لا عن صدور حكم نهائي بوقف العرض أو سحب الترخيص. وهذا يعني أن الحديث عن «منع مؤكد» سيكون قفزًا على ما هو ثابت حتى الآن.
لكن في المقابل، لا يمكن التقليل من أهمية الدعوى؛ لأن الطلبات الواردة فيها تشمل أيضًا القنوات الفضائية والإنترنت، وليس فقط السينمات. وبالتالي، إن صدر لاحقًا حكم لصالح المدعين، فقد تكون تبعاته الأوضح على مسارات الاستغلال اللاحقة للفيلم أكثر من تأثيره على شباك تذاكر انتهى جزء كبير منه بالفعل.
بعبارة أخرى، الجدل القضائي قد لا يغيّر كثيرًا ما حدث في قاعات العرض منذ ديسمبر 2025، لكنه قد يعيد رسم مستقبل الفيلم في العروض اللاحقة ويفرض ضغوطًا على المنتجين والموزعين والمنصات بشأن النسخ المتاحة أو أسلوب تقديم العمل أو حتى التنويه بطبيعته الدرامية.
لماذا أصبحت أفلام السيرة الذاتية أكثر حساسية في مصر؟
حساسية فيلم أم كلثوم لا ترجع فقط إلى مكانة الشخصية التاريخية، بل إلى أن أم كلثوم جزء من الوجدان المصري والعربي، وأي معالجة درامية لها تُقرأ فورًا بوصفها تعليقًا على رمز وطني، لا مجرد بطولة سينمائية. هنا يتعقد التوازن بين حق المؤلف في الخيال والمعالجة، وحق الجمهور والأسرة في الاعتراض على ما يرونه مساسًا بالحقيقة أو بالسمعة.
كما أن حالة «الست» كشفت فجوة معروفة في استقبال هذا النوع من الأعمال: الجمهور يريد الاقتراب الإنساني من الشخصية، لكنه يرفض غالبًا أي تفصيلة يراها كسرًا للصورة الأسطورية الراسخة. لذلك بدا الفيلم، منذ طرح إعلانه وحتى انتقاله إلى العرض الرقمي، محاصرًا بين تقييمات فنية متباينة واعتراضات اجتماعية وقانونية متصاعدة.
هل تأثر الفيلم جماهيريًا بالجدل؟
الأرقام المتاحة تشير إلى صورة مزدوجة. فمن ناحية، انطلق الفيلم بقوة نسبيًا في شباك التذاكر وتصدر الإيرادات في أيام من عرضه الأول. ومن ناحية أخرى، لم يحقق بقاءً طويلًا في السينمات، إذ أشارت تقارير لاحقة إلى رفعه بعد 6 أسابيع فقط، مع إجمالي محلي بلغ 26.9 مليون جنيه. وبعد انتقاله إلى العرض الرقمي، تحدثت تقارير صحفية عن موجة إشادة جديدة من بعض المشاهدين، ما يعني أن الجدل لم يقتل الاهتمام بالعمل، بل ربما غيّر شكل استقباله من قاعة السينما إلى المشاهدة المنزلية.
الخلاصة: مصير «الست» لم يُحسم قضائيًا بعد
حتى تاريخ تأجيل الجلسة إلى 6 أغسطس 2026، لا توجد معطيات منشورة تفيد بصدور حكم نهائي يوقف فيلم «الست». لذلك، فالقول إن الجدل القضائي غيّر بالفعل مصير الفيلم في دور العرض المصرية سيكون مبالغًا فيه، خصوصًا أن الفيلم عُرض تجاريًا منذ 6 ديسمبر 2025 وأنهى بالفعل مرحلته السينمائية الأساسية.
لكن الأصح أن نقول إن الدعوى غيّرت طريقة النظر إلى الفيلم، وفتحت معركة قانونية وثقافية قد تؤثر لاحقًا في تداوله على الشاشات الأخرى، وفي كيفية تعامل صناع السينما المصرية مع السير الذاتية لرموز بحجم أم كلثوم. وحتى صدور حكم نهائي، يبقى «الست» مثالًا واضحًا على أن النجاح الجماهيري أو الجدل النقدي لا ينهيان دائمًا القصة، بل قد يكونان بدايتها الحقيقية في ساحات القضاء والرأي العام.