هل ينقذ اتحاد مهرجانات السينما المصرية موسم 2026؟
اتحاد جديد وامتحان قديم
جاء إطلاق «اتحاد مهرجانات السينما المصرية» في توقيت شديد الحساسية، بعدما تحولت أزمة مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط من خلافات إدارية وتنظيمية إلى واقع صريح انتهى بعدم إقامة الدورة 42 خلال عام 2026. هذا التعثر لم يخص مهرجانًا واحدًا فقط، بل فتح بابًا أوسع للسؤال عن قدرة منظومة المهرجانات المحلية كلها على الصمود، خصوصًا تلك التي تُدار عبر مؤسسات مجتمع مدني وتعتمد على توازن معقد بين الشرعية الثقافية، والانضباط المالي، والعلاقة مع الدولة، والقدرة على مخاطبة الجمهور المصري.
في هذا السياق، يبدو الكيان الجديد محاولة لإعادة تنظيم البيت من الداخل، لا سيما أنه أُعلن من داخل نقابة المهن السينمائية برئاسة المخرج مسعد فودة، وبمشاركة ممثلين عن مهرجانات مصرية قائمة بالفعل، بينها الأقصر للسينما الإفريقية، وأسوان الدولي لأفلام المرأة، والإسكندرية للفيلم القصير، والقاهرة للفيلم القصير، والغردقة، والفيوم، وبورسعيد. ووفق ما أُعلن، فإن الاتحاد يستهدف توحيد الرؤى، وتبادل الخبرات، وتنسيق العمل بين المهرجانات تحت مظلة النقابة.
ماذا حدث بالضبط في مهرجان الإسكندرية 2026؟
الأزمة بدأت رسميًا مع قرار اللجنة العليا للمهرجانات بوزارة الثقافة عدم منح التصريح اللازم لإقامة الدورة الثانية والأربعين من مهرجان الإسكندرية السينمائي، التي كان مقررًا انطلاقها في سبتمبر 2026. تقارير صحفية مصرية ربطت القرار بوجود ملاحظات إدارية ومالية تتعلق بالمهرجان والجمعية المنظمة له، وهي الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما.
لاحقًا جرت محاولات لاحتواء الأزمة؛ إذ تدخل نقيب السينمائيين مسعد فودة، كما طُرح اسم الدكتورة غادة جبارة لتولي مسؤولية رئاسة المهرجان مع إعداد ملف جديد للدورة 42. لكن هذه المحاولة واجهت اعتراضًا من أعضاء داخل الجمعية، على أساس أن تقديم ملف جديد لا بد أن يمر عبر القنوات اللائحية المعتمدة. ومع تصاعد الخلاف، انتهى الأمر إلى إغلاق ملف إقامة الدورة 42 نهائيًا خلال 2026 بسبب ضيق الوقت واستحالة استكمال الإجراءات قبل الموعد المفترض للمهرجان.
الأزمة لم تتوقف عند حدود الإلغاء العملي للدورة؛ فقد ظهرت أيضًا لجنة طارئة لإنقاذ مهرجان الإسكندرية السينمائي، وأعلنت في يونيو 2026 تأييدها لفكرة تأجيل الدورة 42 إلى عام 2027، مؤكدة أن الأولوية يجب أن تكون لاستعادة الثقة وإجراء إصلاحات حقيقية بدل تنظيم دورة سريعة لا تليق بتاريخ المهرجان ولا باسم مدينة الإسكندرية.
لماذا يُعد تعثر الإسكندرية جرس إنذار؟
لأن مهرجان الإسكندرية ليس فعالية هامشية. هو واحد من أقدم المهرجانات السينمائية في مصر، وتصفه تغطيات محلية بأنه ثاني أقدم مهرجان سينمائي في مصر بعد مهرجان القاهرة السينمائي الدولي. وعندما يصل هذا المهرجان إلى نقطة لا يحصل فيها على التصريح لإقامة دورته الجديدة، فالمشكلة هنا لا تبدو حدثًا عابرًا، بل مؤشرًا إلى هشاشة بعض البنى التنظيمية التي تقوم عليها المهرجانات المحلية.
كما أن تعثر مهرجان بهذا الحجم يضر بصورة الموسم السينمائي المصري كله. فالمهرجانات لا تعمل فقط كمنصات عروض وتكريمات، لكنها أيضًا أدوات لخلق حركة نقدية، وجذب ضيوف، وتنشيط السياحة الثقافية، وفتح مساحات للفيلم المصري المستقل والقصير والوثائقي. ولهذا فإن غياب دورة كاملة من مهرجان الإسكندرية في 2026 ترك فراغًا رمزيًا وعمليًا معًا.
ما الذي يقدمه اتحاد مهرجانات السينما المصرية فعلًا؟
حتى الآن، ما أُعلن عن الاتحاد يضعه في إطار تنسيقي ومهني أكثر منه إطارًا تنفيذيًا مباشرًا. الاجتماع الذي استضافته نقابة المهن السينمائية في 28 يوليو 2026 أكد أن الهدف هو خدمة المهرجانات السينمائية المصرية، والمساعدة في تنظيم المناسبات السينمائية ورفع مستوى التنسيق بين الجهات المنظمة، مع تبادل الخبرات، وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن دور المهرجانات، والعمل تحت مظلة النقابة.
هذه النقطة مهمة؛ لأن المشكلة في مصر ليست دائمًا نقص عدد المهرجانات فقط، بل تفاوت الخبرة المؤسسية بين مهرجان وآخر. هناك مهرجانات استطاعت خلال السنوات الأخيرة بناء سمعة مستقرة نسبيًا، مثل مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية ومهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، بينما عانت مهرجانات أخرى من أزمات تخص الإدارة أو التمويل أو التواصل مع الجمهور. وجود مظلة واحدة قد يساعد على نقل الخبرات العملية في الملفات الحساسة: إعداد اللوائح، إدارة الميزانيات، صياغة الملفات المقدمة للجهات الرسمية، بناء العلاقات مع الرعاة، وتطوير البرمجة بما يخدم الجمهور المحلي فعلًا.
نقاط القوة المحتملة
- التشبيك بين المهرجانات: بدلاً من عمل كل مهرجان بمعزل عن الآخر، يمكن للاتحاد توحيد بعض المعايير وتبادل الخبرات التنظيمية.
- الاستفادة من مظلة نقابية: وجود الاتحاد تحت نقابة المهن السينمائية يمنحه غطاءً مهنيًا قد يساعد في حل بعض الأزمات مبكرًا.
- تجميع الصوت التفاوضي: المهرجانات الصغيرة والمتوسطة قد تصبح أكثر قدرة على عرض احتياجاتها أمام الجهات الرسمية والرعاة.
- ترسيخ الشفافية: وهو بند تكرر في التصريحات المصاحبة للإطلاق، ويعد مفتاحًا أساسيًا لاستعادة الثقة.
لكن هل يملك الاتحاد أدوات الإنقاذ الحقيقية؟
الإجابة الواقعية: ليس بعد. فالاتحاد في صورته المعلنة حتى الآن لا يبدو بديلًا عن الإدارات القائمة، ولا جهة ترخيص، ولا لجنة رقابية، ولا ممولًا مباشرًا للمهرجانات. لذلك فإن الحديث عن «إنقاذ» موسم المهرجانات المحلية يجب أن يكون محسوبًا. الاتحاد يستطيع أن يخفف من احتمالات تكرار الأزمات، وأن يصنع بيئة أكثر مهنية، لكنه لا يستطيع وحده حل أزمة مهرجان تعثرت دورته بالفعل ما لم تتوافر ثلاث طبقات أخرى من العلاج.
1) إصلاح مؤسسي داخل الكيانات المنظمة
أزمة الإسكندرية كشفت أن أي مهرجان، مهما كان تاريخه، لن ينجو إذا ضعفت مؤسسته المنظمة أو تراكمت عليها الملاحظات. لذلك فإن نجاح الاتحاد مرتبط بقدرته على الدفع نحو حوكمة حقيقية داخل الجمعيات والمؤسسات التي تدير المهرجانات.
2) علاقة أكثر وضوحًا مع اللجنة العليا للمهرجانات
السنوات المقبلة ستحتاج إلى قنوات أكثر انتظامًا بين المنظمين والجهات الرسمية، بحيث لا تصل الأزمات إلى لحظة الرفض النهائي قبل أسابيع من الموعد المفترض للدورات الجديدة. وإذا نجح الاتحاد في أن يكون منصة إنذار مبكر وتنسيق قانوني وإداري، فستكون هذه قيمة حقيقية.
3) استعادة الجمهور المحلي
من الملاحظات اللافتة التي ظهرت في تغطية أزمة الإسكندرية الحديث عن ابتعاد المهرجان عن أهالي الإسكندرية. وهذه ملاحظة جوهرية؛ لأن المهرجان الذي يفقد علاقته بمدينته يفقد أحد أهم مبررات بقائه. النجاح في مصر اليوم لم يعد يقاس فقط بعدد الضيوف الأجانب أو الندوات، بل بمدى حضور الفعالية في المدينة نفسها، ومدى شعور الجمهور أنها تخصه.
هل ينقذ الكيان الجديد موسم المهرجانات المحلية؟
الأقرب أنه لن ينقذ موسم 2026 بأثر رجعي، لأن تعثر مهرجان الإسكندرية وقع بالفعل، والدورة 42 خرجت من الحسابات هذا العام. لكن الاتحاد قد يصبح أداة وقاية مهمة لمواسم 2027 وما بعدها، إذا انتقل سريعًا من إعلان النوايا إلى خطة عمل واضحة تتضمن التدريب، وتبادل النماذج الإدارية الناجحة، وتقديم دعم فني للمهرجانات المتعثرة، وفتح حوار مؤسسي مع الدولة والقطاع الخاص.
بمعنى آخر، الاتحاد ليس عصا سحرية، لكنه قد يكون الاختبار الأكثر جدية لفكرة العمل الجماعي داخل قطاع المهرجانات السينمائية في مصر. وإذا استوعب درس الإسكندرية جيدًا، فقد يتحول من مظلة رمزية إلى آلية حقيقية لحماية الموسم المحلي من التعثر، خصوصًا في بلد تملك سينماه وتاريخه الثقافي ما يستحق بنية مهرجانية أكثر صلابة واستقرارًا.
الخلاصة
إطلاق اتحاد مهرجانات السينما المصرية خطوة مهمة، لكنها ليست كافية وحدها. أزمة مهرجان الإسكندرية السينمائي في 2026 أثبتت أن المشكلة أعمق من غياب التنسيق، وتمتد إلى الإدارة والشرعية المؤسسية والثقة الجماهيرية. لذلك، فإن نجاح الاتحاد سيتوقف على قدرته على تحويل الشعارات الكبيرة مثل الشفافية وتبادل الخبرات إلى إجراءات عملية قابلة للقياس. عندها فقط يمكن القول إن الكيان الجديد لم يولد لمجرد إدارة الأزمة إعلاميًا، بل لعدم تكرارها على الأرض.