هل ينعش ترشيح «القصص» للأوسكار 2027 مشاهدة الفيلم في مصر؟
اختيار رسمي أعاد «القصص» إلى صدارة الحديث
عاد فيلم «القصص» إلى واجهة المشهد السينمائي المصري بقوة بعد إعلان اختياره رسميًا لتمثيل مصر في منافسات الأوسكار 2027 ضمن فئة أفضل فيلم دولي. القرار صدر عبر اللجنة المشكلة لاختيار الفيلم المصري المرشح، تحت مظلة نقابة المهن السينمائية، بعد جولات تصويت شهدت منافسة متقاربة بين أكثر من عنوان مطروح هذا العام.
وبحسب التفاصيل المنشورة في الصحافة المصرية، حصل الفيلم في الجولة الأولى على 22 صوتًا، متقدمًا بفارق محدود على أفلام أخرى بينها «دخل الربيع يضحك» و«المستعمرة»، ثم واصل التقدم في القائمة القصيرة بحصوله على 14 صوتًا في المرحلة النهائية، ليصبح الممثل الرسمي للسينما المصرية في السباق العالمي.
هذه النتيجة لا تعني فقط ورقة ترشيح إلى الأكاديمية، لكنها تمنح الفيلم ما هو أهم داخل السوق المحلية: دفعة اهتمام جديدة، خصوصًا أن كثيرًا من الجمهور في مصر يعيد اكتشاف الأفلام عندما ترتبط بعنوان كبير مثل الأوسكار، حتى لو كانت قد عُرضت بالفعل في دور السينما أو على منصة رقمية.
لماذا يمكن أن يستفيد الفيلم جماهيريًا داخل مصر؟
من الناحية العملية، يمتلك «القصص» أكثر من عنصر يساعده على الحصول على موجة مشاهدة جديدة. أول هذه العناصر هو الزخم الإخباري نفسه؛ فالأفلام المرشحة باسم مصر للأوسكار تخرج عادة من الدائرة النقدية الضيقة إلى دائرة الجمهور الأوسع، لأن المتلقي العادي يبدأ في طرح السؤال البسيط: ما الفيلم الذي سيمثلنا هذه المرة؟
العنصر الثاني هو توقيت التوفر الرقمي. فالفيلم، الذي عُرض في مصر سينمائيًا يوم 10 يونيو 2026، أصبح متاحًا على منصة شاهد ابتداءً من 17 سبتمبر 2026. هذا التزامن مهم جدًا؛ لأن خبر الترشيح جاء بينما الفيلم بات سهل الوصول لجمهور المنازل، وليس حبيس قاعات العرض فقط. في سوق مثل مصر، هذه النقطة قد تكون حاسمة أكثر من أي دعاية تقليدية.
العنصر الثالث يتعلق بالأسماء نفسها. الفيلم من تأليف وإخراج أبو بكر شوقي، أحد أبرز المخرجين المصريين الذين صنعوا حضورًا دوليًا منذ «يوم الدين»، ويقوده تمثيليًا أمير المصري، إلى جانب نيللي كريم. هذه تركيبة تجمع بين ثقة النقاد وفضول الجمهور، خاصة مع بروز أمير المصري في السنوات الأخيرة كممثل يتحرك بين الإنتاجات المصرية والدولية.
أمير المصري في قلب المعادلة
حين يُطرح سؤال المشاهدة الجديدة، يصعب فصل الإجابة عن حضور أمير المصري. فالممثل المصري البريطاني أمير المصري، الذي برز لدى قطاعات من الجمهور عبر أعمال متنوعة داخل مصر وخارجها، يقدم في «القصص» دور أحمد، عازف البيانو الشاب الذي تقود مراسلاته إلى فيينا مسار الحكاية. ومع إعلان عرض الفيلم على شاهد، كان اسمه حاضرًا بوضوح في الترويج المتجدد للعمل.
الأهمية هنا أن أمير المصري لا يدخل الفيلم كوجه دعائي فقط، بل كعنصر جذب حقيقي لجيل أصغر من المشاهدين الذين يتابعون مسيرته ويبحثون عن أدواره الأثقل تمثيلًا. هذا النوع من الزخم الشخصي قد يحول خبر الترشيح من مناسبة صحفية إلى حافز مشاهدة فعلي.
ما الذي يقدمه «القصص» أصلًا للمشاهد المصري؟
بعيدًا عن الضجيج المرتبط بالأوسكار، هناك أسباب موضوعية قد تجعل الفيلم قابلًا لاكتساب جمهور جديد. القصة تدور حول عازف بيانو مصري شاب يخطط للسفر إلى فيينا بعد مراسلات مع صديقة نمساوية، بينما تتحرك الأحداث على خلفية التحولات السياسية والاجتماعية التي عاشتها مصر بين 1967 و1984. هذا الامتداد الزمني يمنح العمل مساحة تتجاوز الرومانسية المباشرة إلى قراءة أوسع لفكرة الحلم والانتظار والتنقل بين مصر وأوروبا.
الفيلم يضم أيضًا فريق تمثيل لافتًا: نيللي كريم في دور فيروز، وأمير المصري في دور أحمد، إلى جانب أحمد كمال وصبري فواز وشريف الدسوقي وعمرو عابد وخالد مختار وأحمد الأزعر، مع الممثلة النمساوية فاليري باشنر. هذا التنوع في الأسماء يعطي الفيلم أفضلية إضافية لدى المشاهد المصري الذي ينجذب عادة إلى الأعمال ذات الطاقم القوي حتى لو كانت نبرتها فنية أكثر من السائد التجاري.
الأرقام لا تقول إنه فيلم جماهيري كاسح.. لكنها لا تنفي فرصة الانتعاش
في شباك التذاكر المصري، سجل «القصص» إيرادات بلغت 6,183,809 جنيهات وفق البيانات المنشورة على قاعدة بيانات السينما العربية المتخصصة. هذا الرقم لا يضعه بين أضخم أفلام السوق، لكنه أيضًا لا يجعله فيلمًا هامشيًا أو مجهولًا تمامًا. بعبارة أخرى، الفيلم بدأ من قاعدة معرفة موجودة بالفعل، لكنه يحتاج إلى موجة ثانية من الانتباه حتى يوسع جمهوره.
وهنا تأتي قيمة ترشيح الأوسكار. الأفلام لا تستفيد محليًا من الأوسكار فقط إذا وصلت إلى القائمة القصيرة العالمية أو نالت ترشيحًا نهائيًا، بل تستفيد أحيانًا من مجرد حمل صفة «ممثل مصر الرسمي». هذه الصفة كافية لإعادة تداول البوستر، والمشاهد، والمقابلات، وربط الفيلم بفكرة «الفيلم الذي اختارته مصر»، وهي عبارة لها وزن دعائي واضح في الداخل.
لكن هل تتحول الضجة إلى مشاهدة واسعة فعلًا؟
الإجابة الأقرب هي: نعم، ولكن بدرجة محسوبة. من غير المتوقع أن يتحول «القصص» فجأة إلى ظاهرة جماهيرية شعبية على طريقة أفلام العيد، لأن طبيعته الدرامية وموضوعه الممتد زمنيًا يجعلان جمهوره الأساسي مختلفًا. لكن المرجح جدًا أن يحقق قفزة ملحوظة في المشاهدة المنزلية داخل مصر، خصوصًا عبر شاهد، وأن يجذب فئات كانت تؤجل مشاهدته إلى أن يأتيه «ختم» الاهتمام الرسمي.
كما أن وجود الفيلم على منصة معروفة ومتاحة في مصر يسهل هذا التحول. كثير من الأعمال المصرية التي نالت اهتمامًا نقديًا لم تستفد جماهيريًا لأنها لم تتوفر بسرعة على منصة واسعة الانتشار. أما هنا، فالعنصران اجتمعا معًا: ترشيح رسمي + إتاحة رقمية قريبة.
أبو بكر شوقي أمام فرصة جديدة لتوسيع جمهور اسمه
بالنسبة إلى المخرج أبو بكر شوقي، يمنح هذا الاختيار الفيلم وزنًا مضاعفًا داخل مسيرته. شوقي ليس اسمًا جديدًا على الدوائر الدولية، لكن التحدي الدائم لأي مخرج مصري صاحب حضور مهرجاني هو تحويل الاعتراف الخارجي إلى مشاهدة محلية أوسع. وإذا نجح «القصص» في حصد اهتمام متجدد داخل مصر خلال الأسابيع المقبلة، فسيكون ذلك مكسبًا يتجاوز الفيلم نفسه إلى موقع شوقي داخل خريطة السينما المصرية المعاصرة.
الأمر نفسه ينطبق على شركة فيلم كلينك المنتجة، التي تقف خلف العمل، لأن أي نجاح إضافي في المشاهدة بعد الترشيح سيرسخ فكرة أن السينما المصرية ذات النفس الفني تستطيع أيضًا أن تصنع حضورًا جماهيريًا عندما تتوفر لها لحظة ترويج صحيحة.
الخلاصة: دفعة جديدة مرجحة.. خاصة على المنصات
في المحصلة، يبدو أن اختيار «القصص» رسميًا لتمثيل مصر في الأوسكار 2027 يمنحه بالفعل دفعة مشاهدة جديدة داخل مصر، ليس فقط لأن اسم الأوسكار جذاب بطبيعته، بل لأن الفيلم متاح الآن في توقيت مناسب، ويستند إلى أسماء معروفة مثل أبو بكر شوقي وأمير المصري ونيللي كريم.
قد لا يغير الترشيح وحده قواعد السوق، لكنه بالتأكيد يرفع مستوى الفضول حول الفيلم، ويمنح جمهورًا أوسع سببًا مباشرًا لمشاهدته الآن بدلًا من تأجيله. وفي سياق السينما المصرية، هذا النوع من الدفعات مهم للغاية: لأنه لا يعيد فقط تقديم فيلم بعينه، بل ينعش النقاش كله حول الأفلام التي تمثل مصر خارجًا، وكيف يمكن أن تجد جمهورها الحقيقي داخل مصر أيضًا.