هل ينعش «القصص» شباكه المصري بعد زخم تورونتو العربي؟
فيلم مصري يملك ما لا تملكه معظم عروض الصيف
حين يُطرح سؤال: هل يستطيع «القصص» للمخرج المصري النمساوي أبو بكر شوقي تحويل زخمه الدولي إلى إقبال محلي جديد في مصر، فالإجابة لا تبدأ من الأمنيات، بل من الوقائع المتاحة حول الفيلم ومساره حتى الآن. الفيلم ليس عنوانًا جديدًا ظهر فجأة، بل مشروع اشتغل عليه شوقي منذ 2019، واستلهم جزءًا منه من قصة تعارف والده المصري ووالدته النمساوية عبر الرسائل في السبعينيات، قبل أن يتوسع إلى حكاية أسرة مصرية وتحولات مجتمع كامل عبر حقب زمنية متعددة. هذه الخلفية تمنحه قيمة سردية وشخصية واضحة، وتمنح حملته التسويقية مادة أقوى من مجرد شعار «فيلم مهرجانات».
عمليًا، يملك الفيلم عناصر جذب محلية مهمة: بطولة نيللي كريم وأمير المصري، مع حضور كريم قاسم وأحمد كمال وصبري فواز وشريف دسوقي وعمرو عابد، وإنتاج فيلم كلينيك، إلى جانب تصوير بين القاهرة وفيينا. كما أن مدته 111 دقيقة، وتصنيفه الرقابي في مصر +12، ما يجعله أقرب إلى دائرة مشاهدة عائلية وشبابية أوسع من أفلام أكثر صرامة في التصنيف.
ما الذي صنع الزخم الدولي أصلًا؟
قوة «القصص» في الخارج لا تعود فقط إلى اسم أبو بكر شوقي، المعروف منذ «يوم الدين»، بل إلى مسار مهرجاني متراكم. الفيلم عُرض أولًا في مهرجان تالين بلاك نايتس يوم 16 نوفمبر 2025، ثم واصل جولته في مهرجانات عربية ودولية، وحقق جائزة التانيت الذهبي لأفضل فيلم روائي طويل في مهرجان قرطاج السينمائي الدولي، ثم الصقر الفضي في مهرجان الفيلم العربي بروتردام، إضافة إلى جائزة أفضل إسهام فني في التصوير لمدير التصوير وولفجانج ثالر في مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية. هذا النوع من التتويج المتنوع مهم لأنه لا يعكس إعجاب لجنة واحدة فقط، بل قبولًا متكررًا للفيلم عبر دوائر برمجة وتحكيم مختلفة.
هذا الرصيد يفسر لماذا يمكن لأي دفعة جديدة من الخارج، مثل افتتاح مهرجان عربي في تورونتو إذا تأكدت رسميًا ضمن المواد الترويجية اللاحقة، أن تضيف للفيلم أكثر مما تضيفه لفيلم جماهيري صِرف: لأنه أصلًا مبني على سمعة نقدية ومهرجانية. لكن حتى دون المبالغة في أثر أي محطة منفردة، الثابت أن الفيلم دخل السوق المصري وهو محمّل بسجل جوائز واضح وقصة إنتاج طويلة وشخصية فنية مميزة.
دفعة العرض المصري: ما الذي حدث داخل السوق المحلي؟
الفيلم بدأ عرضه التجاري في مصر يوم 17 يونيو 2026، بعد عرض خاص يوم 10 يونيو 2026. كما انطلق في عدد من الأسواق العربية بدءًا من 18 يونيو، بينها الإمارات وقطر والكويت والعراق وعُمان والبحرين، قبل أن يصل إلى لبنان والأردن في 25 يونيو. هذا الانتشار الإقليمي السريع يعني أن الموزع والمنتجين لم يتعاملوا معه كعنوان نخبوي محدود، بل كفيلم يمكن أن يعيش عربيًا إذا حصل على الدفعة التسويقية الصحيحة.
الأهم محليًا أن الفيلم حقق، وفق بيانات elCinema، إيرادات بلغت 6,023,714 جنيهًا. الرقم لا يضعه تلقائيًا في خانة الأفلام الكاسحة، لكنه أيضًا ليس رقم حضور عابر لفيلم معتمد على التقييم النقدي وحده. المعنى هنا أن «القصص» أثبت بالفعل قدرة أولية على الوصول إلى جمهور دفع ثمن التذكرة، وهي نقطة جوهرية عند التفكير في أي إعادة تنشيط للاهتمام به داخل مصر، سواء عبر تمديد عروض، أو موجة مشاهدة ثانية مدفوعة بالسمعة، أو لاحقًا عبر المنصات.
لماذا يمكن أن يتحول الزخم الدولي إلى إقبال محلي جديد؟
1) لأن الفيلم «مصري» في موضوعه لا في جواز سفره فقط
رغم امتداد الحكاية إلى فيينا ووجود شخصية نمساوية، فإن قلب الفيلم مصري جدًا: عائلة، مراسلات، أحلام سفر، موسيقى، وتقلبات اجتماعية وسياسية بين 1967 و1984. حتى ملخص القصة الرسمي يضع أحمد، عازف البيانو المصري، في مركز الرحلة بين الحلم الشخصي والتحولات العامة. هذه محلية قابلة للتسويق، خصوصًا لجمهور يبحث عن فيلم يستدعي الذاكرة المصرية لا مجرد ديكور تاريخي.
2) لأن فريق التمثيل يمنح الفيلم جسرًا بين الذائقة الفنية والجمهور الأوسع
نيللي كريم، التي فازت عن الفيلم بجائزة أفضل ممثلة مناصفة في روتردام، ليست اسمًا مهرجانيًا فقط، بل وجه معروف جماهيريًا في مصر. كذلك أمير المصري يملك رصيدًا من التقدير النقدي والاهتمام الشبابي، ما يجعل الفيلم قابلًا لإعادة التقديم على أساس الأداءات التمثيلية، لا على أساس الجوائز فقط. ووجود صبري فواز وأحمد كمال وشريف دسوقي وكريم قاسم يضيف عمقًا تمثيليًا يساعد على تسويق الفيلم كـ«تجربة تمثيل» أيضًا.
3) لأن وراءه حكاية إنتاج قابلة للبيع إعلاميًا
أبو بكر شوقي، من دون حاجة إلى افتعال خطاب بطولي، قدّم بنفسه قصة واضحة عن سنوات التأجيل وصعوبات التمويل والعمل عبر خمس حقب زمنية. هذه ليست تفصيلة كواليس هامشية، بل عنصر يفسر لماذا يبدو الفيلم مصقولًا ولماذا يمكن أن يتلقى دعمًا نقديًا وشعبيًا إذا أُعيد طرحه إعلاميًا على أنه مشروع «استحق الوصول» بعد رحلة طويلة.
لكن ما الذي قد يمنع هذا التحول؟
العقبة الأولى أن الجمهور المصري الصيفي كثيرًا ما يختار الأفلام الأسرع إيقاعًا والأوضح تصنيفًا من حيث الكوميديا أو الأكشن أو النجومية المباشرة. أما «القصص» فهو فيلم درامي بطيء النسق نسبيًا، يعتمد على الحنين والتفاصيل وتداخل الشخصيات أكثر من اعتماده على «الحدث الكبير». هذا قد يجعله فيلم سمعة ممتازة، لكن ليس بالضرورة فيلم اندفاعة جماهيرية لحظية. هذه قراءة تحليلية مبنية على طبيعة الفيلم المعلنة ومساره، لا على تصريح مباشر من جهة التوزيع.
العقبة الثانية أن الزخم المهرجاني لا يترجم تلقائيًا في مصر. الجمهور المحلي يحتاج سببًا قريبًا منه: مشهد مؤثر متداول، أداء ممثل يلقى صدى، أو خطاب تسويقي يشرح لماذا هذا الفيلم يعنيه هو. هنا يصبح الرهان الحقيقي على كيفية إعادة تقديم الفيلم في الإعلام ومنصات الفيديو القصير، لا على تكرار قائمة الجوائز فقط. فالجائزة قد تفتح باب الفضول، لكنها لا تضمن شراء التذكرة وحدها. هذا استنتاج تحليلي مدعوم بمسار الفيلم بين الجوائز والإيراد المحقق حتى الآن.
كيف يمكن أن يكسب «القصص» جولة مصرية جديدة؟
- إبراز الجانب الشخصي: تقديم الفيلم بوصفه عملًا خرج من ذاكرة عائلية مصرية-نمساوية، لا بوصفه فيلم مهرجان فقط.
- تسويق الأداءات: التركيز على نيللي كريم وأمير المصري، خصوصًا بعد جائزة نيللي كريم، يمنح الفيلم مدخلًا جماهيريًا مباشرًا.
- الاستفادة من صورته المصرية: الفترة الزمنية الممتدة من 1967 إلى 1984، وما فيها من موسيقى ورسائل وحنين، يمكن أن تُحوَّل إلى مادة ترويجية تمس الذاكرة الثقافية لجمهور مصر.
- التذكير بأنه وصل بالفعل إلى شباك التذاكر: رقم الإيرادات الحالي يمنح صُنّاعه حجة عملية بأن الفيلم ليس نخبويًا معزولًا.
الخلاصة: الفرصة موجودة، لكن بشرط
نعم، يستطيع «القصص» أن يحوّل الزخم الدولي إلى إقبال محلي جديد في مصر، لكن ليس بصورة آلية. قوته الحقيقية أنه يجمع بين ثلاثة عناصر نادرًا ما تجتمع بهذا التوازن: قصة مصرية واضحة، رصيد مهرجاني وجوائز حقيقية، وطاقم تمثيل معروف وقادر. وإذا أُعيد تقديمه للمشاهد المصري باعتباره فيلمًا عن الذاكرة والأسرة والحلم والسفر، لا مجرد «فيلم حصد جوائز»، ففرصته في كسب دورة اهتمام جديدة تبدو واقعية. في النهاية، أهم ما يملكه الفيلم الآن ليس فقط ما حققه خارج مصر، بل أنه دخل أصلًا إلى السوق المحلي وترك رقمًا وأثرًا وسمعة يمكن البناء عليها.
وعند الحديث عن أبو بكر شوقي، ونيللي كريم، وأمير المصري، لم أُدرج حسابات إنستغرام لهم لأنني لم أتحقق عبر مصادر موثوقة من الحسابات الرسمية المطلوبة على نحو يطابق شرط النشر دون تخمين.