هل يمنح «سيني جونة» دفعة حقيقية للأفلام المصرية؟
انطلاقة اليوم: لماذا تبدو دورة 2026 مختلفة؟
تنطلق اليوم الخميس 15 أكتوبر 2026 الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي وتستمر حتى 23 أكتوبر، فيما تُقام فعاليات سيني جونة المخصصة للصناعة بين 16 و22 أكتوبر. هذا الإطار الزمني مهم، لأن السؤال هذا العام لا يتعلق فقط بالأفلام المعروضة على السجادة الحمراء، بل بما إذا كانت المنصة الصناعية للمهرجان قادرة على تحويل الحضور المهني والضجيج الإعلامي إلى مكسب ملموس للمشروعات المصرية التي لا تزال في طور التشكل.
المؤشرات الأولية تمنح هذا السؤال وزنًا حقيقيًا. فالمهرجان أعلن أن سيني جونة استقبل أكثر من 310 مشروعات من أنحاء العالم العربي، ثم اختار 23 مشروعًا للمشاركة، بينها 13 مشروعًا في مرحلة التطوير و6 أفلام في مرحلة ما بعد الإنتاج، إضافة إلى 4 مشروعات ضمن البرنامج المستحدث «أصوات مصرية». كما أن البرنامج، بحسب ما أعلنه المهرجان، لا يكتفي بعرض المشروعات، بل يربط أصحابها بمنتجين وممولين وموزعين ووكلاء مبيعات ومبرمجي مهرجانات، مع جلسات إرشاد وملاحظات تفصيلية لكل مشروع.
بالنسبة للقارئ المصري، تكمن الأهمية هنا في أن المبادرة الجديدة ليست عامة أو عابرة؛ بل صُممت خصيصًا لدعم المشروعات المصرية في المراحل الأولى من التطوير. ووفق ما نُشر عند إطلاق البرنامج، جاء «أصوات مصرية» بعد سنوات من مراجعة المشروعات المصرية المتقدمة سنويًا إلى سيني جونة، ومع ملاحظة ارتفاع عدد هذه المشروعات إلى نحو 100 مشروع تطوير سنويًا من صناع أفلام مصريين. المعنى العملي لذلك أن المهرجان يحاول التدخل في الحلقة الأصعب: ما قبل التمويل، وما قبل اكتمال ملف الفيلم.
ما الذي يقدمه «أصوات مصرية» فعليًا؟
الأهمية الحقيقية لبرنامج «أصوات مصرية» أنه غير تنافسي في هذه المرحلة، ويركز على أدوات أساسية غالبًا ما تحسم مصير الفيلم لاحقًا: تطوير ملف المشروع، إعداد العرض التقديمي، وصياغة خطط الإنتاج. هذا النوع من الدعم قد يبدو تقنيًا، لكنه في الواقع هو الفارق بين فكرة جيدة تظل على الورق، ومشروع يصبح قابلًا للاقتراب من جهات التمويل وشركاء الإنتاج.
كما أن إدارة المهرجان ربطت البرنامج بفلسفة أوسع داخل سيني جونة. أحمد شوقي، رئيس سيني جونة لدعم إنتاج الأفلام، قال إن المبادرة جاءت استجابة لمشروعات تمتلك مقومات النجاح لكنها تحتاج إلى تدريب وتوجيه كي تُقدَّم بشكل أكثر احترافية. وفي الاتجاه نفسه، أكد أندرو محسن أن توسعة البرامج هذا العام، ومنها «أصوات مصرية»، تنطلق من إدراك للتحديات التي يواجهها صناع الأفلام الشباب في الوصول إلى الدعم المالي والإرشاد.
هنا تحديدًا يمكن فهم الرهان: إذا استطاع سيني جونة خلال أيامه القليلة أن يمنح هذه المشروعات المصرية لغة إنتاجية أقوى، وشبكة علاقات أكثر فاعلية، فإن الافتتاح اليوم قد يتحول بالفعل إلى دفعة جديدة لا مجرد مناسبة احتفالية.
الأفلام المصرية الأربعة المختارة ضمن «أصوات مصرية»
القائمة التي أعلنها المهرجان تضم أربعة عناوين فقط، وهو عدد محدود يوحي بانتقائية واضحة. وهذه المشروعات هي:
- «الطريق إلى الجنة» — إخراج مي القمحاوي، وإنتاج بسام مرتضى.
- «دينا: آخر امرأة ترقص» — إخراج محمود رشاد، وإنتاج أمير الشناوي.
- «طريق إلى الأزرق» — إخراج أبانوب يوسف، وإنتاج محمد رشاد، وهو إنتاج مشترك بين مصر وفرنسا وبلجيكا وتونس.
- «لا عزاء للأطفال» — إخراج ريم مرسي، وإنتاج ميرال الفخراني، وهو إنتاج مشترك بين مصر وكندا والولايات المتحدة.
وجود فيلمين مصريين خالصين إلى جانب مشروعين بصيغة إنتاج مشترك ليس تفصيلًا صغيرًا. بالعكس، هو يكشف طبيعة اللحظة التي تعيشها السينما المصرية المستقلة وشبه المستقلة: هناك مشاريع تنطلق من الداخل المصري تمامًا، وأخرى تُبنى منذ البداية على شراكات عابرة للحدود بهدف تسهيل التطوير والتمويل والوصول إلى أسواق ومهرجانات أوسع.
«الطريق إلى الجنة»: عنوان يختبر قوة الفكرة قبل السوق
من بين العناوين الأربعة، يلفت «الطريق إلى الجنة» الانتباه سريعًا، ليس فقط لأنه من إخراج مي القمحاوي وإنتاج بسام مرتضى، بل لأنه يدخل البرنامج في لحظة مبكرة من عمره التطويري. وفي مثل هذه المرحلة، يصبح وجوده داخل «أصوات مصرية» مهمًا بقدر أهمية الفيلم نفسه؛ لأن المشروع سيخضع لصياغة ملفه وإعادة تقديمه أمام دوائر التمويل باحتراف أكبر.
هذا النوع من الأفلام يحتاج غالبًا إلى دقة عالية في تعريف هويته: هل هو مشروع جماهيري محتمل؟ أم فيلم مهرجانات؟ أم عمل قادر على الجمع بين الحسّين؟ وهنا تأتي قيمة الإرشاد الفردي الذي تحدث عنه عمرو منسي، الشريك المؤسس والمدير التنفيذي لمهرجان الجونة السينمائي، حين وصف الدعم الفردي بأنه أحد أسرار نجاح البرنامج.
«دينا: آخر امرأة ترقص»: مشروع يحمل قابلية بصرية وجماهيرية
أما «دينا: آخر امرأة ترقص» للمخرج محمود رشاد والمنتج أمير الشناوي، فهو من العناوين التي تبدو، حتى من اسمها وحده، ذات طاقة بصرية وثقافية واضحة. وفي سياق الصناعة، مثل هذه المشروعات قد تستفيد بقوة من جلسات بناء العرض التقديمي، لأن الفكرة التي تحمل عنصرًا بصريًا أو شخصية محورية واضحة تحتاج إلى تقديم ذكي يوضح كيف ستُترجم دراميًا على الشاشة، وكيف يمكن تسويقها عربيًا ودوليًا.
ولأن «أصوات مصرية» يستهدف تحديدًا المراحل الأولى من التطوير، فإن المكسب هنا لا يقاس فقط بإمكانية الحصول على تمويل مباشر، بل بإعادة ترتيب المشروع نفسه: من نبرة الفيلم، إلى جمهوره المحتمل، إلى خارطة الشركاء الأنسب له.
«طريق إلى الأزرق» و«لا عزاء للأطفال»: مصر في صيغة الشراكة
«طريق إلى الأزرق» و«لا عزاء للأطفال» يقدمان وجهًا آخر مهمًا للسينما المصرية الآن: الشراكة الدولية من نقطة البداية. المشروع الأول يأتي بإنتاج مشترك بين مصر وفرنسا وبلجيكا وتونس، والثاني بين مصر وكندا والولايات المتحدة. هذه الصيغة لا تعني بالضرورة أن الفيلم أقل مصرية؛ بل قد تعني أن صُنّاعه يفكرون مبكرًا في آليات الاستدامة المالية ومسارات العرض الدولية.
من هنا، تبدو منصة مثل سيني جونة مناسبة جدًا لهذين المشروعين، لأنها لا تكتفي بعرض الأفلام المحتملة، بل تضعها أمام شبكة إقليمية ودولية من الفاعلين في الصناعة. وإذا نجحت هذه اللقاءات في منح المشروعين شركاء إضافيين أو وضوحًا أكبر في بنية الإنتاج، فقد يتحول وجودهما في البرنامج إلى خطوة تأسيسية حقيقية.
هل يملك «سيني جونة» فعلًا القدرة على صنع الفارق؟
الإجابة الواقعية: نعم، لكن بشروط. البيانات المعلنة تمنح البرنامج ثقلًا واضحًا؛ فسيني جونة موجود منذ تسع سنوات، وقدّم الدعم لأكثر من 150 مشروع فيلم عربي، كما يوفر سنويًا أكثر من 300 ألف دولار في صورة جوائز نقدية وخدمات عينية ودعم مهني. هذا رقم مهم داخل اقتصاد السينما المستقلة عربيًا، خصوصًا عندما يقترن بالوصول إلى خبراء وممولين وموزعين.
لكن التأثير الحقيقي على المشروعات المصرية الأربعة لن يُقاس بعدد الندوات أو الصور، بل بما إذا كانت أيام 16 إلى 22 أكتوبر ستقود إلى نتائج قابلة للمتابعة بعد المهرجان: تطوير أقوى للملفات، اجتماعات منتجة، شراكات جديدة، أو انتقال بعض هذه الأعمال إلى مراحل أكثر تقدمًا خلال الشهور المقبلة.
ومع أن الجزم المبكر صعب، فإن إطلاق «أصوات مصرية» داخل دورة تبدأ اليوم يحمل رسالة واضحة: مهرجان الجونة لا يريد الاكتفاء بالاحتفاء بالسينما المصرية، بل يسعى إلى التدخل في بنيتها الإنتاجية من المنبع. وإذا نجح هذا التصور، فقد تكون دفعة 2026 أهم من مجرد دورة عادية؛ لأنها قد تفتح مسارًا أكثر انتظامًا أمام أفلام مصرية تبدأ صغيرة على الورق، ثم تجد طريقها لاحقًا إلى الشاشة.
الخلاصة
انطلاقة مهرجان الجونة السينمائي اليوم 15 أكتوبر 2026 تمنح «سيني جونة» اختبارًا مهمًا أمام الوسط السينمائي المصري. والرهان يتركز على ما إذا كانت مبادرة «أصوات مصرية» ستتحول من فكرة جيدة إلى أداة فعالة لدفع أربعة مشروعات مصرية واعدة: «الطريق إلى الجنة»، «دينا: آخر امرأة ترقص»، «طريق إلى الأزرق»، و«لا عزاء للأطفال». حتى الآن، المعطيات المنشورة تقول إن الأرضية موجودة. وما سيحسم الصورة هو ما إذا كانت الاجتماعات والإرشاد وشبكات الصناعة داخل الجونة ستترجم إلى خطوات إنتاجية حقيقية بعد إسدال الستار في 23 أكتوبر.