هل يمنح الجونة 2026 «الست» دفعة جديدة في ذاكرة الجمهور؟
لحظة الجونة أعادت «الست» إلى الواجهة
في توقيت حساس بالنسبة لمسار أي فيلم يعيش طويلًا في الذاكرة العامة، عادت منى زكي إلى مركز المشهد السينمائي المصري من بوابة مهرجان الجونة السينمائي 2026. المهرجان كرّمها بجائزة الإنجاز الإبداعي في حفل افتتاح دورته التاسعة مساء 15 أكتوبر 2026، وهي لحظة احتفائية لم تتوقف عند استعادة مشوارها، بل امتدت سريعًا إلى واحد من أكثر عناوينها إثارة للنقاش في الفترة الأخيرة: فيلم «الست». وبعد أقل من 24 ساعة، تحولت الندوة التي أدارها المخرج محمد ياسين ضمن برنامج تكريمها إلى مساحة مباشرة لمواجهة أثر الجدل الذي صاحب الفيلم، لا سيما مع حديث منى زكي المؤثر عن أن أكثر ما أوجعها لم يكن النقد الشخصي، بل شعورها بأن زملاءها في العمل تعرضوا للأذى بسبب الهجوم على الفيلم.
هذه العودة المكثفة لاسم الفيلم في تغطيات الجونة تفتح سؤالًا مشروعًا داخل المشهد المصري: هل يمكن أن تتحول لحظة التكريم والندوة إلى دفعة جديدة لفيلم عُرض بالفعل، وأثار انقسامًا واضحًا، ثم انتقل إلى المنصات؟ الإجابة ليست بسيطة، لكنها تستحق قراءة تتجاوز الانفعال السريع نحو ما تفعله المهرجانات فعلًا في دورة حياة الفيلم وسمعته.
ما الذي حدث في الجونة بالضبط؟
بحسب تغطيات مصرية متقاطعة، افتتح مهرجان الجونة دورته التاسعة يوم 15 أكتوبر 2026 في مركز الجونة للمؤتمرات، وشهد الحفل تكريم منى زكي بجائزة الإنجاز الإبداعي، بينما قُدمت الجائزة لها على المسرح وسط حضور واسع من نجوم وصناع السينما. وفي اليوم التالي، 16 أكتوبر، أقام المهرجان جلسة حوارية خاصة بها أدارها محمد ياسين، وحضرها عدد كبير من الفنانين من بينهم يسرا، حسين فهمي، ليلى علوي، كندة علوش، أمينة خليل، أحمد داود، وأحمد حاتم.
الأكثر لفتًا للانتباه أن الندوة لم تُختزل في كلمات تكريمية أو حنين لمسيرة فنية فقط، بل لامست مباشرة الأعمال التي أثارت جدلًا حول منى زكي، وعلى رأسها «الست». وخلال الحديث، بدت منى زكي متأثرة إلى حد البكاء وهي تتحدث عن أثر الانتقادات على فريق الفيلم، مؤكدة أنها شعرت بأن الهجوم لم يصبها وحدها. هذا النوع من الاعتراف العلني يختلف عن الدعاية التقليدية؛ لأنه يضع الفيلم داخل إطار إنساني وشخصي، لا مجرد إطار تسويقي.
لماذا ظل «الست» حاضرًا في النقاش؟
فيلم «الست» عُرض في مصر في ديسمبر 2025، وهو فيلم سيرة ذاتية عن أم كلثوم، أخرجه مروان حامد وكتبه أحمد مراد، وقامت فيه منى زكي بتجسيد شخصية كوكب الشرق. وضم العمل أسماء لافتة بينها أحمد خالد صالح في دور الشيخ خالد البلتاجي، وسيد رجب في دور الشيخ إبراهيم البلتاجي، وعمرو سعد في دور الرئيس جمال عبد الناصر، إلى جانب تامر نبيل، نيللي كريم، أمينة خليل، ومحمد فراج. هذا الحجم من الأسماء، مع ثقل شخصية أم كلثوم نفسها في الوجدان المصري، كان كافيًا ليجعل الفيلم مشروعًا حساسًا منذ الإعلان عنه، قبل أن يتحول النقاش إلى جدل واسع حول الاختيار التمثيلي والشكل البصري وطريقة تناول السيرة.
كما أن الفيلم لم يتوقف عند عرضه السينمائي، بل انتقل لاحقًا إلى منصة شاهد يوم 27 مايو 2026، بعد أن ذكرت تقارير صحفية مصرية أنه حقق إيرادات تجاوزت 25 مليون جنيه. هذا يعني أن «الست» لم يعد مجرد تجربة مرت وانتهت، بل صار عملًا متاحًا لجمهور أوسع، وقابلًا لإعادة المشاهدة والنقاش في أي لحظة يعود فيها اسم بطلته أو صناعه إلى الواجهة.
هل يصنع التكريم دعاية مؤجلة للفيلم؟
في الحالة التقليدية، تأتي الحملات الترويجية قبل الطرح أو بالتزامن معه. لكن في حالة «الست»، تبدو المسألة أقرب إلى دعاية مؤجلة تصنعها المكانة الرمزية للحدث، لا الإعلانات المباشرة. عندما تُكرَّم ممثلة بحجم منى زكي في مهرجان مصري بارز مثل الجونة، ثم يُستدعى الحديث في الندوة عن فيلم ظل محل أخذ ورد، فإن النتيجة الطبيعية هي إعادة تدوير الاهتمام الجماهيري والإعلامي بالفيلم نفسه.
هذا النوع من الزخم لا يضيف إيرادات شباك جديدة بالمعنى المباشر، لأن الفيلم خرج بالفعل من مرحلة الإطلاق الأول، لكنه قد يحقق ثلاثة مكاسب مختلفة:
- إعادة الفضول الجماهيري: فئة من الجمهور التي سمعت عن الجدل ولم تشاهد الفيلم قد تقرر أخيرًا أن تشاهده لتكوين رأيها.
- إعادة تقييم نقدي: بعض الأفلام تستفيد من مرور الوقت، خصوصًا حين يُعاد نقاشها خارج لحظة الاستقطاب الأولى.
- تعزيز حضور الفيلم في أرشيف منى زكي: الحديث عنه داخل مناسبة تكريمية يجعل اسمه جزءًا من رواية مسيرتها، لا مجرد عنوان مثير للجدل.
لكن هل تكفي لحظة الجونة وحدها؟
رغم ذلك، من المهم التمييز بين عودة الاهتمام وتغيير الحكم العام. تكريم منى زكي في الجونة لا يمحو تلقائيًا الانقسام الذي صاحب «الست»، ولا يحول النقد إلى إجماع إيجابي. ما يفعله الحدث، على الأرجح، هو نقل النقاش من سؤال سطحي مثل: «هل كانت منى زكي مناسبة للدور؟» إلى سؤال أوسع: «كيف نحاكم أفلام السيرة الذاتية حين تتعامل مع رمز بحجم أم كلثوم؟».
وهنا تكمن القيمة الفعلية. فالجمهور المصري لا يتعامل مع أم كلثوم كشخصية تاريخية فقط، بل كجزء من هوية ثقافية ووجدانية. لذلك كان طبيعيًا أن يكون تجسيدها على الشاشة اختبارًا شديد الحساسية. وإذا كان الفيلم قد واجه اعتراضات على اختياراته، فإن الندوة الأخيرة أعادت تقديمه داخل سياق مختلف: سياق المخاطرة الفنية، وثمن الاقتراب من الشخصيات المؤسسة للوجدان العام.
منى زكي بين التكريم والجدل
ما يمنح هذه اللحظة وزنًا إضافيًا هو أن منى زكي نفسها ليست اسمًا عابرًا في السينما المصرية، بل واحدة من النجمات اللواتي ارتبطت مسيرتهن بخيارات متنوعة بين التجاري، والجماهيري، والدرامي، والأعمال التي تثير نقاشًا عامًا. ومن ثم، فإن ظهورها في الجونة بصفتها فنانة تُكرَّم على مجمل المسيرة، لا بصفتها بطلة فيلم واحد فقط، يمنح «الست» حماية رمزية جزئية: فالفيلم يصبح جزءًا من تجربة فنانة يُحتفى بها، لا مجرد عنوان يُحاكم في عزلة.
كما أن الطريقة التي تحدثت بها منى زكي عن الهجوم على الفيلم بدت أقرب إلى كشف شخصي صادق منها إلى خطاب دفاعي جاهز. وهذا مهم جدًا في زمن السوشيال ميديا؛ لأن الجمهور يتجاوب عادة مع اللحظات الإنسانية غير المصقولة أكثر مما يتجاوب مع العبارات الترويجية. من هذه الزاوية، يمكن القول إن الجونة لم يمنح «الست» إعلانًا جديدًا بقدر ما منحه سردية جديدة.
دفعة جديدة.. نعم، لكن من نوع مختلف
الإجابة الأقرب للواقع هي: نعم، لحظة الجونة قد تتحول إلى دفعة جديدة لـ«الست»، لكن ليس بالطريقة التقليدية. لا نتحدث هنا عن انطلاقة أولى أو إعادة طرح جماهيري من الصفر، بل عن دفعة في الذاكرة، وفي النقاش، وفي الرغبة بإعادة المشاهدة والحكم. وهذه أحيانًا تكون أكثر دوامًا من ضجيج الدعاية المباشرة.
في النهاية، الجونة 2026 لم يقدّم فقط مشهد تكريم مستحق لمنى زكي، بل خلق أيضًا لحظة مراجعة عامة لفيلم ظل حاضرًا في الوعي الثقافي المصري منذ طرحه. وبين بريق الجائزة، وحرارة الندوة، وصدق الاعتراف بالأذى الذي خلّفه الجدل، وجد «الست» فرصة نادرة للعودة إلى الجمهور من باب مختلف: باب الفضول النقدي لا الصخب وحده. وربما تكون هذه، بالنسبة لأي فيلم سيرة ذاتية عن رمز مصري بحجم أم كلثوم، أفضل دفعة متأخرة يمكن الحصول عليها.