هل يكسر «القصص» غياب مصر عن القائمة القصيرة للأوسكار؟
اختيار رسمي يعيد السؤال القديم
أعاد اختيار فيلم «القصص» للمخرج أبو بكر شوقي لتمثيل مصر في سباق أوسكار 2027، ضمن فئة أفضل فيلم دولي، فتح ملف قديم يشغل المتابعين كل عام: لماذا تغيب السينما المصرية عن القائمة القصيرة للأكاديمية، رغم تاريخها الأقدم عربيًا والأغزر إنتاجًا؟ الجديد هذه المرة أن الفيلم الفائز ببطاقة مصر لم يصل بالصدفة أو بالتوافق الشكلي، بل بعد تصويت تنافسي داخل اللجنة المشكلة من نقابة المهن السينمائية، إذ حصد 22 صوتًا في الجولة الأولى، ثم حسم الجولة النهائية بـ14 صوتًا، متفوقًا على «دخل الربيع يضحك» و«كولونيا» و«المستعمرة».
وبحسب ما نُشر عن عملية الاختيار، ناقشت اللجنة 36 فيلمًا أُنتجت بين سبتمبر 2025 وسبتمبر 2026، فيما ضم التشكيل 53 عضوًا واعتذر 11 عن الحضور. هذه الأرقام لا تقول فقط إن «القصص» خرج من منافسة حقيقية، بل تعني أيضًا أنه أصبح صاحب الرهان المصري الرسمي في دورة ستُعلن قائمتها القصيرة يوم 15 ديسمبر 2026، قبل الترشيحات النهائية في 21 يناير 2027، على أن يُقام حفل الأوسكار يوم 14 مارس 2027.
ما الذي يملكه «القصص» فنيًا؟
في الجوهر، لا يبدو «القصص» فيلمًا مصريًا محليًا ضيق الأفق، بل مشروعًا مصممًا منذ البداية ليخاطب جمهورًا أوسع دون أن يتخلى عن بيئته المصرية. الفيلم، الذي كتبه وأخرجه أبو بكر شوقي، يتتبع رحلة أحمد، عازف البيانو المصري الشاب، من صيف 1967 حتى 1984، على خلفية مراسلاته مع فتاة نمساوية تقوده لاحقًا إلى حلم فيينا. هذه الفكرة تمنح العمل عنصرين مهمين عادة ما تبحث عنهما الأكاديمية: حكاية شخصية إنسانية واضحة، وخلفية تاريخية وسياسية تتجاوز الخصوصية المحلية إلى أسئلة الهوية والطموح والتحولات الاجتماعية.
ميزة الفيلم هنا أنه لا يكتفي بقصة حب أو رحلة صعود فردية، بل يبني عالمه على مصر المتغيرة عبر نحو عقدين؛ من آثار 1967 إلى تبدلات المجتمع والسياسة والطبقة والذوق العام. هذا الاتساع الزمني يمنحه وزنًا دراميًا، ويجعل من بطله مرآة لمرحلة كاملة، وهي نوعية سردية كثيرًا ما تحضر بقوة في سباقات أفضل فيلم دولي.
طاقم تمثيل وخبرة أداء عابرة للحدود
يعتمد «القصص» على بطولة تضم أمير المصري ونيللي كريم إلى جانب فاليري باشنر وكريم قاسم وأحمد كمال وصبري فواز وشريف الدسوقي وخالد مختار وأحمد الأزعر وعمرو عابد. وحسب تصريحات منشورة مع انطلاق عرضه التجاري في مصر، خضع أمير المصري لتدريبات على البيانو استمرت قرابة 3 أشهر استعدادًا للدور، وهو ما يعكس حجم التحضير للشخصية المحورية.
وجود أمير المصري في قلب الفيلم يمنح العمل أيضًا أفضلية غير مباشرة؛ فهو ممثل يعرفه جمهور المهرجانات والإنتاجات الدولية، فيما تمثل نيللي كريم ثقلاً تمثيليًا محليًا لافتًا داخل السوق المصرية. ورغم أن الأوسكار لا يصوّت على شعبية النجوم بقدر ما يصوّت على الفيلم نفسه، فإن جودة الأداء وسهولة عبور الممثلين إلى جمهور غير مصري تبقى عاملًا مهمًا في استقبال العمل.
سجل مهرجاني وجوائز تصنع فارقًا
إذا كان ثمة عنصر يرفع أسهم «القصص» فعليًا، فهو رحلته المهرجانية. الفيلم عُرض أولًا في مهرجان تالين بلاك نايتس، ثم شارك في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، وحقق لاحقًا جائزة التانيت الذهبي لأفضل فيلم روائي طويل في مهرجان أيام قرطاج السينمائية 2025. كما نال جائزة الصقر الفضي من مهرجان الفيلم العربي في روتردام، وفاز مدير تصويره وولفجانج ثالر بجائزة أفضل إسهام فني في التصوير السينمائي في الدورة الخامسة عشرة من مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية.
هذه الجوائز لا تضمن مكانًا في القائمة القصيرة، لكنها تمنح الفيلم شيئًا بالغ الأهمية: سيرة عرض دولية قابلة للتسويق. فالأكاديمية، في مرحلة القائمة القصيرة، لا تنظر فقط إلى القيمة الفنية النظرية، بل إلى قدرة الفيلم على البروز داخل زحام عشرات المشاركات الوطنية. وكلما جاء الفيلم مزودًا بجوائز كبرى ومراجعات جيدة وحضور ممتد عبر أكثر من منصة، زادت فرص أن يلفت الانتباه مبكرًا.
خبرة أبو بكر شوقي.. الورقة الأهم؟
يصعب الحديث عن فرص «القصص» من دون التوقف عند اسم أبو بكر شوقي. المخرج سبق أن ارتبط اسمه بمشهد دولي مهم منذ «يوم الدين»، وهو ما منحه موقعًا مختلفًا عن كثير من مخرجي جيله حين يتعلق الأمر بالتعامل مع مناخ المهرجانات والذائقة العابرة للحدود. وفي «القصص» يبدو أنه يراهن على مشروع أكثر نضجًا إنتاجيًا، وأكثر اتساعًا في السرد، مع تصوير جرى بين القاهرة وفيينا، وإنتاج شاركت فيه فيلم كلينك للمنتج محمد حفظي وشاهيناز العقاد، ضمن إنتاج مشترك يضم مصر وفرنسا والنمسا وبلجيكا والسويد.
هذا النوع من الإنتاج لا يُحسب ضد الفيلم بالضرورة، بل قد يكون في صالحه إذا ظل التحكم الإبداعي في يد صُنّاعه المرتبطين بمصر، وهو ما تشدد عليه قواعد الأكاديمية. كما أن الخبرة الإنتاجية في التعامل مع المواد الدعائية والملف الترويجي والعروض الخاصة للأعضاء تصبح حاسمة في سباقٍ لا يكفي فيه أن يكون الفيلم جيدًا؛ بل يجب أن يصل جيدًا أيضًا.
لكن أين تكمن العقبات الحقيقية؟
أكبر عقبة أمام «القصص» ليست داخل الفيلم نفسه، بل في طبيعة سباق أفضل فيلم دولي. قواعد الأكاديمية تنص على أن المرحلة الأولى تنتهي باختيار 15 فيلمًا فقط للقائمة القصيرة من بين المشاركات الرسمية للدول، قبل أن تنتقل المنافسة إلى خمسة ترشيحات نهائية. هذا يعني أن الفيلم المصري لا ينافس الآن أفلام الموسم المحلي، بل يدخل مباشرة إلى معركة كثيفة مع أعمال مدعومة بحملات دولية قوية وشبكات توزيع وعرض أوسع.
هناك أيضًا مسألة الذائقة. فبعض الأفلام المصرية التي تمثل البلد رسميًا تميل أحيانًا إلى الخطاب المحلي الخالص أو إلى الحساسية الفنية المغلقة على جمهور المهرجان. ميزة «القصص» أنه يبدو، وفق ما توافر عن قصته واستقباله، واقعًا في منطقة وسط: فيلم مؤلف لكن بسرد مفهوم، وحكاية مصرية لكن بمفاتيح إنسانية عالمية. ومع ذلك، تظل المعضلة في الإيقاع ومدى قدرة الفيلم على التماسك أمام أعضاء أكاديمية يشاهدون عددًا كبيرًا من الأعمال خلال فترة قصيرة.
هل تكفي المحلية المصرية وحدها؟
الجمهور المصري يميل بطبيعة الحال إلى الاحتفاء بأي فيلم يحمل اسم البلد إلى الأوسكار، لكن الأكاديمية لا تكافئ مجرد الهوية الوطنية. ما تكافئه غالبًا هو الفيلم القادر على تحويل الخصوصية إلى تجربة إنسانية قابلة للفهم عالميًا. هنا تبدو عناصر مثل الموسيقى، والحب، والطموح الفردي، والتحولات الاجتماعية، أدوات فعالة في «القصص» لتجاوز حدود التلقي المحلي.
- نقطة قوة: قصة ممتدة زمنيًا ترتبط بتاريخ مصر وتحولات مجتمعها.
- نقطة قوة: سجل جوائز ومشاركات مهرجانية محترم قبل دخول السباق.
- نقطة قوة: اسم مخرج له حضور دولي سابق وخبرة في مخاطبة جمهور المهرجانات.
- تحدٍ أساسي: المنافسة الشرسة على 15 مقعدًا فقط في القائمة القصيرة.
- تحدٍ أساسي: الحاجة إلى حملة ترويج ذكية داخل موسم الأوسكار، لا الاكتفاء بصفة «ممثل مصر».
الخلاصة: فرصة حقيقية.. لكن ليست مضمونة
الإجابة المختصرة هي: نعم، «القصص» يملك مقومات حقيقية لمحاولة كسر الغياب المصري عن القائمة القصيرة، وربما أكثر من كثير من الترشيحات المصرية في سنوات سابقة. السبب لا يتعلق بالحماس الوطني فقط، بل بجملة عناصر ملموسة: فوز محلي في لجنة الاختيار، سرد إنساني قابل للتداول عالميًا، رحلة مهرجانية معتبرة، جوائز مؤثرة، وصانع يعرف جيدًا كيف يتحدث بلغة سينمائية مفهومة خارج الحدود.
لكن في المقابل، لا ينبغي المبالغة. الوصول إلى القائمة القصيرة في الأوسكار لا تحسمه الجودة الفنية وحدها، بل شبكة معقدة من التوقيت، والظهور، والدعاية، واستجابة أعضاء الأكاديمية. لذلك، يبدو «القصص» اليوم واحدًا من أكثر الترشيحات المصرية جاهزية على الورق، لكنه سيحتاج خلال الأسابيع المقبلة إلى إدارة ذكية لرحلته الدولية إذا أراد تحويل هذا الاستحقاق النظري إلى اختراق فعلي.
وبالنسبة للسينما المصرية، ربما تكون قيمة الرهان هذه المرة أكبر من مجرد النتيجة النهائية: أن يكون ممثل مصر فيلمًا يمتلك خطابًا فنيًا واضحًا، ومسارًا دوليًا مثبتًا، وطموحًا يتجاوز المشاركة الرمزية. وإذا نجح «القصص» في بلوغ قائمة 15 فيلمًا يوم 15 ديسمبر 2026، فسيكون ذلك إنجازًا نوعيًا يعيد وضع السينما المصرية في قلب الخريطة، لا على هامشها.