Egypt Box Office

هل يغيّر نزاع «الست» القضائي نظرة المصريين لفيلم أم كلثوم؟

بعد تأجيل الدعوى.. لماذا عاد فيلم «الست» إلى صدارة النقاش؟

عاد فيلم «الست» إلى دائرة الجدل في مصر بعد قرار محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة تأجيل الدعوى المقامة من ورثة أم كلثوم لوقف عرض الفيلم وسحب ترخيصه إلى جلسة 6 أغسطس 2026. وبحسب ما نُشر، فإن الدعوى أقامها ورثة خالد إبراهيم البلتاجي، شقيق أم كلثوم، بدعوى أن العمل يتضمن ما اعتبروه إساءة وتشويهًا لسمعة كوكب الشرق والأسرة، بينما استمرت المحكمة في نظر الدعوى الموضوعية بعد انتهاء عرضه السينمائي، مع بقاء الفيلم متاحًا عبر المنصات والفضائيات والإنترنت.

القرار القضائي لا يخص مجرد فيلم جديد، بل يخص واحدة من أعمق الشخصيات حضورًا في الذاكرة المصرية: أم كلثوم. لذلك فالسؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا سيحدث قانونيًا؟ بل أيضًا: هل يمكن لهذا الجدل أن يؤثر فعلًا على استقبال الجمهور المصري لسيرة كوكب الشرق في السينما؟

ما الذي نعرفه يقينًا عن الفيلم نفسه؟

الفيلم من إخراج مروان حامد، وسيناريو أحمد مراد، وبطولة منى زكي، التي قدمت شخصية أم كلثوم بعد فترة تحضير طويلة. وقد طُرح الفيلم تجاريًا في دور العرض المصرية في 10 ديسمبر 2025، بعدما قُدم في عرضه العالمي الأول ضمن فعاليات المهرجان الدولي للفيلم بمراكش. وتذكر الصفحة الرسمية للمهرجان أن مدة الفيلم 160 دقيقة، وأنه إنتاج مشترك بين Oscar Studios وLuxor Films وFilm Clinic وFilm Square وSynergy Films.

أما على مستوى الحكاية، فالفيلم يقدم سيرة أم كلثوم من نشأتها في قرية صغيرة في دلتا مصر، مرورًا ببداياتها الفنية وانتقالها إلى القاهرة، وصولًا إلى تحولها إلى رمز غنائي عربي. هذه المعالجة نفسها كانت في قلب الجدل، لأن أي اقتراب من السيرة الخاصة لشخصية بحجم أم كلثوم يفتح بابًا واسعًا للمقارنة، والمراجعة، والرفض أحيانًا.

الاستقبال الجماهيري: الأرقام تقول إن الفضول سبق التحفظ

إذا نظرنا إلى الشق الجماهيري، فالأرقام الأولى للفيلم مهمة جدًا. في أول يوم عرض، تصدر «الست» شباك التذاكر في مصر بإيراد بلغ نحو 2.068 مليون جنيه مع بيع 14 ألف تذكرة. وبعد خمسة أيام فقط، وصل إجمالي إيراداته إلى 10.749 مليون جنيه مع نحو 71.6 ألف تذكرة. وبعد ثلاثة أسابيع عرض، سجل نحو 25.339 مليون جنيه بما يعادل بيع قرابة 171 ألف تذكرة.

هذه الأرقام لا تعني أن الجدل اختفى، لكنها تشير بوضوح إلى أن الجدل لم يمنع الجمهور من الذهاب. بالعكس، في السينما المصرية كثيرًا ما يتحول السجال حول فيلم سيري أو تاريخي إلى عامل جذب أولي، خاصة حين يتعلق بشخصية بحجم أم كلثوم، وبنجمة جماهيرية مثل منى زكي.

هل الدعوى الحالية متأخرة عن لحظة التأثير الأكبر؟

في التوقيت، تبدو هذه نقطة حاسمة. الفيلم عُرض بالفعل في السينمات، ثم أصبح متاحًا على شاهد، حيث تقدمه المنصة بوصفه فيلمًا يتتبع رحلة سبعة عقود صنعت «كوكب الشرق» و«صوت الأمة العربية». هذا يعني أن لحظة الاختبار الجماهيري الأهم وقعت بالفعل بين ديسمبر 2025 وبدايات 2026، أي قبل جلسة 6 أغسطس 2026.

ومن هنا يمكن القول إن التأثير المحتمل للدعوى الآن ليس بالضرورة على قرار المشاهدة الأول بقدر ما هو على إعادة تقييم الفيلم، أو على شكل النقاش العام حوله. فالجمهور الذي شاهد العمل كوّن بالفعل انطباعًا، بينما الجمهور الذي لم يشاهده قد يقترب منه الآن من زاوية الفضول: ما المشاهد التي أثارت اعتراض الأسرة؟ وهل العمل قدّم سيرة أم كلثوم بوصفها أيقونة عامة أم إنسانة لها تناقضاتها الخاصة؟

بين قداسة الرمز وحرية المعالجة الدرامية

أحد أسباب حساسية الملف أن أم كلثوم في مصر ليست مجرد مطربة عظيمة، بل رمز وطني وثقافي. لذلك فإن أي عمل عنها يواجه معضلة معروفة في أفلام السيرة: هل يقدم الشخصية كما يحبها الجمهور، أم كما يتخيلها الكاتب والمخرج داخل بناء درامي؟

أحمد مراد قال إن التحضير للمشروع بدأ منذ 2020 أو مطلع 2021، وإن الكتابة الفعلية انطلقت في 2022 بعد بحث موسع استمر نحو ستة أشهر للتعامل مع ما يحيط بالسيرة من شائعات والتباسات. كما أوضح مروان حامد أن الفيلم ركز على البعد النفسي والإنساني للشخصية. هذه التصريحات تكشف نية صناع العمل: لم يكن الهدف إعادة إنتاج صورة تمجيدية جاهزة فقط، بل البحث عن الداخل الإنساني لأم كلثوم.

لكن هنا تحديدًا يبدأ الاعتراض عند بعض الورثة أو المتلقين؛ لأن الاقتراب من «الداخل الإنساني» لشخصية أسطورية قد يُقرأ عند جمهور واسع بوصفه كشفًا جريئًا، بينما يراه آخرون مساسًا بصورة راسخة.

هل يتأثر الجمهور المصري فعلًا بهذه المعارك؟

في الحالة المصرية، التجربة تقول إن الجمهور يميز غالبًا بين المسار القضائي وقيمة المشاهدة. القضايا قد ترفع منسوب الضوضاء حول الفيلم، لكنها لا تحسم وحدها ما إذا كان العمل سيُحب أو يُرفض. الحاسم في النهاية هو: الأداء، الإخراج، صدق العالم البصري، ومدى إقناع المتفرج بأن الشخصية المعروضة على الشاشة تستحق ساعتين ونصف تقريبًا من الانتباه.

ولهذا، فالأرجح أن الجدل القضائي حول «الست» لن يضعف اهتمام المصريين بسيرة أم كلثوم في السينما بقدر ما سيزيد التدقيق في أي معالجة مقبلة لها. بمعنى آخر، القضية قد تؤثر على سقف التوقعات أكثر من تأثيرها على أصل الرغبة في المشاهدة. أم كلثوم أكبر من أن يطويها فيلم واحد، وأكبر أيضًا من أن يوقفها خلاف قضائي واحد.

منى زكي في قلب الرهان

يبقى عنصر مهم في استقبال الفيلم هو اختيار منى زكي لتجسيد أم كلثوم. وجود ممثلة صاحبة جماهيرية كبيرة مثل منى زكي منح المشروع زخمًا مبكرًا، سواء من باب الحماس أو من باب الشك في ملاءمة الاختيار. ومع أن المقالات النقدية انقسمت حول النتيجة، فإن الثابت أن الفيلم لم يمر مرورًا عابرًا، بل تحول إلى حدث سينمائي ونقاش ثقافي، وهذا في حد ذاته مؤشر على أن الرهان كان كبيرًا منذ البداية.

الخلاصة: الجدل لن يقتل السيرة.. لكنه سيعيد تشكيل قراءتها

تأجيل دعوى ورثة أم كلثوم إلى 6 أغسطس 2026 يضمن بقاء فيلم «الست» حاضرًا في التداول العام فترة أطول، لكنه لا يقدم دليلًا على أن الجمهور المصري سينصرف عن سيرة كوكب الشرق في السينما. العكس ربما يكون أقرب: كلما تصاعد الجدل، تجددت الرغبة في المشاهدة والمقارنة وإعادة النقاش.

الأهم أن أم كلثوم، بحجمها الفني والرمزي، ستظل مادة سينمائية مفتوحة. أما فيلم «الست» فقد حسم بالفعل جزءًا مهمًا من معركته عند الشباك وعبر المنصات، فيما تبقى المعركة الأخرى: كيف تروي السينما المصرية سيرة رموزها الكبرى من دون أن تفقدهم هيبتهم، ومن دون أن تحولهم أيضًا إلى تماثيل صامتة؟