هل يعيد مهرجان المنصورة لسينما الأطفال الروح لفيلم الطفل؟
انطلاقة من المنصورة.. ولكن بسؤال أكبر من مجرد مهرجان
بدءًا من 2 نوفمبر 2026 وحتى 7 نوفمبر 2026 تستضيف مدينة المنصورة فعاليات الدورة الأولى من مهرجان المنصورة الدولي لسينما الأطفال، في حدث يقام بين قصر ثقافة المنصورة ومكتبة مصر العامة بالمنصورة ونادي جزيرة الورد. وبرغم أن المهرجان ما يزال في دورته الافتتاحية، فإن مجرد قيامه بهذا الحجم يفتح سؤالًا مشروعًا داخل المشهد المصري: هل يمكن أن تكون المنصورة نقطة بداية فعلية لعودة سينما الطفل المصرية إلى خريطة الشباك والاهتمام الثقافي؟
الوقائع على الأرض تمنح هذا السؤال وزنًا حقيقيًا. فالدورة الأولى تشهد مشاركة 80 فيلمًا من 25 دولة، مع برنامج يضم عروضًا وورشًا ومسابقات متعددة، في محاولة واضحة لصنع بنية ثقافية تتجاوز فكرة “العرض الاحتفالي” إلى تأسيس علاقة مستمرة بين الطفل والسينما. كما أن اختيار المنصورة، لا القاهرة، يلفت الانتباه إلى رغبة معلنة في توسيع الخريطة الثقافية خارج العاصمة، وهو ما أعلنته إدارة المهرجان برئاسة الكاتبة الصحفية أميرة عاطف.
ما الذي يميز الدورة الأولى فعليًا؟
أهمية المهرجان لا تتعلق فقط بموعده أو مكانه، بل أيضًا بطبيعة بنائه. البرنامج يتضمن 3 مسابقات رئيسية: المسابقة الدولية للأفلام الروائية والتسجيلية القصيرة، ومسابقة أفلام الرسوم المتحركة، ومسابقة أفلام أطفال مصر. هذا التقسيم مهم لأنه يجمع بين استقبال أفلام من الخارج، وبين منح مساحة مباشرة لأفلام يصنعها أطفال من مصر، أي أنه لا يكتفي بعرض المنتج الجاهز، بل يحاول إدخال الأطفال أنفسهم إلى قلب عملية الصناعة.
في المسابقة الدولية للأفلام القصيرة، يترأس لجنة التحكيم المخرج مجدي أحمد علي، وتضم الناقد عصام زكريا والفنانة سوزان نجم الدين. أما مسابقة الرسوم المتحركة فتترأسها المخرجة شويكار خليفة، ويشارك فيها الدكتور محمد ربيع والمخرج محمد دندراوي. وفي مسابقة أفلام أطفال مصر تترأس لجنة التحكيم الكاتبة والإعلامية سماح أبو بكر عزت، وتضم الفنانة لقاء الخميسي والمخرج خالد الأتربي، إلى جانب الأطفال كارما شريف زايد وكندة شريف زايد وعمر شريف. هذه التفاصيل ليست شكلية؛ لأنها تكشف أن المهرجان يراهن على إشراك الطفل لا كمشاهد فقط، بل كشريك في التقييم والتجربة.
حضور النجوم مهم.. لكن القيمة الحقيقية في البنية
حفل الافتتاح الذي أقيم في السادسة مساءً بقصر ثقافة المنصورة حضره اللواء طارق مرزوق محافظ الدقهلية، إلى جانب عدد من الفنانين، في مقدمتهم صفاء أبو السعود وصبري فواز وأحمد وفيق وسلوى محمد علي ويسرا اللوزي ورانيا فريد شوقي. كما اختارت الإدارة رانيا فريد شوقي رئيسًا شرفيًا للدورة الأولى، بينما شهدت الدورة تكريم يسرا اللوزي وتكريم شويكار خليفة والطفلة لافينيا نادر.
هذا الحضور يمنح المهرجان زخمًا إعلاميًا ضروريًا، لكنه ليس وحده العامل الحاسم. القيمة الأكبر تكمن في أن المهرجان لم يبدأ من فراغ في نوفمبر فقط، بل سبقه برنامج ورش تدريبية استمر 4 أيام في أبريل 2026 داخل مكتبة مصر العامة بمدينة المنصورة، بدعم من وزارة الشباب والرياضة، وشمل ورشًا في الإخراج والكتابة الإبداعية والرسوم المتحركة. ووفق التغطيات المنشورة، شارك في البرنامج الأول 60 طفلًا وطفلة تقريبًا. هذه النقطة تحديدًا تجعل المهرجان أقرب إلى مشروع تنمية مواهب، لا مجرد مناسبة علاقات عامة موسمية.
هل تكفي المهرجانات وحدها لإعادة سينما الطفل إلى الشباك؟
الإجابة الصريحة: لا. المهرجان يستطيع أن يعيد الاهتمام الثقافي ويصنع جمهورًا صغيرًا يتعرّف على السينما مبكرًا، لكنه وحده لا يضمن عودة قوية إلى شباك التذاكر. السبب أن أزمة سينما الطفل في مصر أعمق من غياب الفعاليات؛ فهي مرتبطة بندرة الإنتاج المنتظم، وتردد المنتجين أمام سوق يُنظر إليه غالبًا باعتباره محدود العائد، إضافة إلى ضعف مسارات التوزيع والتسويق المخصصة لهذه النوعية.
لكن ما يستطيع مهرجان المنصورة أن يفعله، وربما يفعله بالفعل منذ دورته الأولى، هو تغيير نقطة البداية. عندما تجمع فعالية واحدة 80 فيلمًا من 25 دولة، وتقدّم ورشًا للأطفال، وتفتح بابًا لأفلام يصنعها أطفال مصريون، فإنها ترسل إشارة إلى المؤسسات الثقافية والمنتجين بأن هناك مساحة قابلة للبناء. العودة إلى الشباك لا تبدأ دائمًا بفيلم ضخم، بل أحيانًا تبدأ بإعادة تكوين الطلب الثقافي على هذا النوع من السينما.
لماذا تبدو المنصورة اختيارًا ذكيًا؟
اختيار المنصورة يحمل دلالة خاصة داخل المشهد المصري. المدينة ليست مجرد موقع جغرافي في الدلتا، بل مركز حضري وتعليمي وثقافي قادر على جذب جمهور من الدقهلية ومحافظات مجاورة. كما أن إقامة المهرجان في فضاءات معروفة محليًا مثل قصر ثقافة المنصورة ومكتبة مصر العامة بالمنصورة ونادي جزيرة الورد تعني أن الفعالية لا تنعزل عن نسيج المدينة، بل تدخل إلى أماكن لها جمهورها المعتاد بالفعل.
هذه النقطة مهمة لقراء “شباك التذاكر” تحديدًا، لأن عودة سينما الطفل المصرية لا تحتاج فقط إلى فيلم جيد، بل إلى شبكة عرض واهتمام تبدأ من المحافظات. وإذا نجحت المنصورة في تثبيت هذا الموعد سنويًا، فإنها قد تقدم نموذجًا مختلفًا عن مركزية القاهرة، خصوصًا أن المهرجان يحظى برعاية وزارة الثقافة ومحافظة الدقهلية والمجلس القومي للطفولة والأمومة ونقابة المهن السينمائية ومكتبة مصر العامة بالمنصورة وشركة فاليو.
من الاهتمام الثقافي إلى السوق.. ما الشروط المطلوبة؟
إذا كان السؤال هو: هل يصنع المهرجان لحظة نادرة؟ فالإجابة الأقرب هي: نعم، لكنه يصنعها كفرصة لا كضمان. لكي تتحول هذه الفرصة إلى مسار مؤثر في السوق، هناك شروط عملية واضحة:
- استمرار المهرجان سنويًا وعدم الاكتفاء بوهج الدورة الأولى.
- تحويل الورش إلى برنامج دائم لإعداد كتاب ومخرجين ورسامين شباب مهتمين بمحتوى الطفل.
- ربط الأفلام الفائزة أو المشاركة بمنافذ عرض حقيقية داخل قصور الثقافة والمدارس وربما المنصات المحلية لاحقًا.
- تشجيع الإنتاج المصري المخصص للطفل بدل الاكتفاء بالعروض الدولية.
- بناء شراكات مع التعليم والإعلام المحلي حتى يصبح الفيلم جزءًا من التجربة التربوية والثقافية، لا مادة ترفيه عابرة فقط.
الخلاصة: لحظة نادرة.. وممكنة
انطلاق الدورة الأولى من مهرجان المنصورة الدولي لسينما الأطفال بين 2 و7 نوفمبر 2026 لا يعني تلقائيًا أن سينما الطفل المصرية عادت إلى الشباك، لكنه بالتأكيد يخلق لحظة نادرة تستحق التوقف. نُدرة اللحظة تأتي من اجتماع عناصر لا تتكرر كثيرًا: مدينة مصرية خارج العاصمة، مشاركة دولية واسعة، مسابقات متخصصة، ورش بدأت قبل الافتتاح، ورغبة معلنة في اكتشاف الأطفال لا في استعراضهم فقط.
من هنا، يمكن القول إن المنصورة لا تعيد وحدها سينما الطفل المصرية، لكنها ربما تعيد الإيمان بإمكان عودتها. وبين الإيمان بالفعل، تبدأ كل الصناعات الثقافية الكبرى. وإذا استطاع هذا المهرجان أن يحافظ على استمراره، وأن يمد الجسور بين الطفل المصري وصناعة الفيلم، فقد تتحول الدورة الأولى من خبر ثقافي جميل إلى نقطة تأسيس حقيقية على خريطة السينما المصرية.