Egypt Box Office

هل يعيد «برلين» ترتيب سباق السينما المصرية قبل القاهرة 47؟

«برلين» يدخل القاهرة من الباب الكبير

بمجرد إعلان اختيار فيلم «برلين» ضمن المسابقة الرسمية للدورة السابعة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، عاد اسم المخرج أحمد عبدالله السيد إلى قلب النقاش حول شكل الموسم السينمائي المصري قبل انطلاق المهرجان المقرر بين 11 و20 نوفمبر 2026. الاختيار لا يبدو عادياً، لأن الفيلم يأتي في لحظة تشهد فيها السينما المصرية بحثاً متجدداً عن توازن بين الأفلام الجماهيرية الواسعة وبين السينما المؤلفة القادرة على الحضور في المهرجانات الكبرى، كما أنه يجمع عبدالله مجدداً مع منة شلبي (@mennashalaby على إنستغرام) في مشروع يحمل رهاناً فنياً واضحاً.

المعلومات المؤكدة حتى الآن تقول إن «برلين» هو فيلم روائي جديد من تأليف وإخراج أحمد عبدالله السيد، ومن بطولة منة شلبي، ويسرا اللوزي، وحيدر حلو، ومحمد حاتم، وفارس الحلو، وفدوى عابد، وجهاد حسام الدين، ورائد ياسين. ويتولى مصطفى الشيشتاوي إدارة التصوير، بينما تقوم سارة عبد الله بالمونتاج. كما يقف خلف الإنتاج كل من سيرة فيلمز للمنتجة قسمات السيد وفيلم كلينك للمنتج محمد حفظي، مع مشاركة إنتاجية من منة شلبي ويسري اللوزي وحيدر حلو ومحمد حاتم، فيما تتولى التوزيع فيلم كلينك للتوزيع المستقل وأرابيا بيكتشرز. والفيلم إنتاج مصري-ألماني-سعودي.

ما الذي نعرفه عن قصة الفيلم؟

بحسب التفاصيل المنشورة عن الفيلم، تدور أحداث «برلين» خلال يوم واحد في العاصمة الألمانية، حيث يعيش ثلاثة مهاجرين عرب يوماً سريالياً تتداخل فيه الذاكرة مع الحاضر. تُخطأ ماي مع امرأة متوفاة، وتلتقط كاميرا هانا عوالم موازية، بينما يسمع حسن ألحاناً غامضة خلال سعيه للانتقام. هذا البناء الذي يمزج بين الدراما والجريمة ويشتغل على موضوعات الاغتراب والهوية والانتماء ينسجم مع المسار المعروف لأحمد عبدالله، الذي يميل عادة إلى السرد غير التقليدي وإلى التقاط تحولات الشخصيات في المدن ومساحاتها الاجتماعية.

الأهم هنا أن الفيلم لا يذهب إلى ثيمة الهجرة بوصفها خلفية خبرية، بل يبدو - من الملخص المعلن - أقرب إلى تجربة نفسية ومدينية تستخدم برلين كفضاء لاختبار ذاكرة الشخصيات العربية وحدود انتمائها. وهذه زاوية تمنح الفيلم فرصة لأن يكون مصرياً في حساسيته حتى وهو يتحرك خارج الجغرافيا المحلية المباشرة، وهي نقطة شديدة الأهمية حين نتحدث عن فيلم يندرج داخل تغطية السينما المصرية لا السينما العالمية.

لماذا يحمل اختيار «برلين» وزناً خاصاً لأحمد عبدالله؟

خصوصية الخبر لا تتعلق بالفيلم وحده، بل أيضاً بسياق أحمد عبدالله نفسه. فالمخرج يعود إلى مهرجان القاهرة بعلاقة ممتدة؛ إذ أشارت التفاصيل المنشورة إلى أن المهرجان سبق أن عرض أفلامه الروائية الطويلة السبعة السابقة. وهذه معلومة مهمة لأنها تضع «برلين» داخل مسار تراكمي لا داخل مغامرة منفصلة. في تصريحات مرافقة للإعلان، عبّر عبدالله عن مكانة مهرجان القاهرة في تكوينه الشخصي والمهني، معتبراً أن ليلة العرض الأول في القاهرة تبقى بالنسبة له اللحظة الأهم حتى لو سبقها عرض آخر للفيلم.

هذا الارتباط ليس رمزياً فقط. تاريخ عبدالله مع أفلام مثل «ميكروفون» و«ليل/خارجي» و«19 ب» رسّخ صورته كأحد أبرز صناع السينما المصرية المستقلة التي استطاعت الانتقال من الهامش إلى المركز من دون أن تفقد لغتها الخاصة. لذلك، فإن دخول «برلين» إلى المسابقة الرسمية في الدورة الـ47 يضعه مباشرة في قلب الحديث عن أي فيلم مصري يمكنه أن يفرض إيقاعاً مختلفاً على الموسم، ليس عبر الإيرادات وحدها، بل عبر المكانة الفنية والجوائز والقدرة على صناعة زخم نقدي.

منة شلبي بين الحضور التمثيلي والرهان الإنتاجي

بالنسبة إلى منة شلبي، لا تبدو المشاركة مجرد بطولة جديدة. الإعلان عن الفيلم كشف أيضاً عن وجودها ضمن فريق الإنتاج المشارك، وهي نقطة تضيف بعداً مختلفاً لوجودها داخل المشروع. منة ليست اسماً عابراً في علاقة السينما المصرية بالمهرجانات؛ فمسيرتها تحمل حضوراً ثابتاً في الأفلام ذات الطموح الفني، كما سبق أن كرمها مهرجان القاهرة السينمائي بجائزة فاتن حمامة للتميز في دورته الحادية والأربعين.

اختيار منة شلبي هنا مهم لسبب آخر: الفيلم يعيد جمعها مع يسرا اللوزي بعد 15 عاماً من تعاونهما في فيلم «إذاعة حب» عام 2011. هذا التفصيل قد يبدو هامشياً لأول وهلة، لكنه يلفت الانتباه إلى أن «برلين» يجمع بين أسماء تعرفها السينما المصرية جيداً وبين جيل من الممثلين القادرين على العمل داخل بناء جماعي معقد، لا على منطق البطولة الفردية فقط.

هل يعيد «برلين» ترتيب سباق السينما المصرية؟

الإجابة الأقرب حتى الآن هي: نعم، على مستوى النقاش والتوقعات على الأقل. فمجرد دخول فيلم مصري بهذه التركيبة إلى المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة قبل أقل من شهر من انطلاق الدورة يغيّر خريطة الترقب. عادة ما تُقرأ أفلام المسابقة الرسمية باعتبارها مؤشراً على الاتجاهات التي تريد السينما المصرية إبرازها أمام جمهورها المحلي وضيوفها الدوليين: هل تتقدم أفلام السوق؟ أم أفلام النجوم؟ أم السينما التي تمزج الحس الفني بالقدرة على التواصل؟ «برلين» يبدو مرشحاً لاحتلال المنطقة الثالثة.

هناك عدة عناصر تدعم هذا الاحتمال:

  • أولاً: اسم أحمد عبدالله يحمل ثقة نقدية متراكمة داخل مصر وخارجها.
  • ثانياً: وجود منة شلبي في البطولة والإنتاج يمنح الفيلم ثقلاً فنياً وإعلامياً.
  • ثالثاً: طبيعة الإنتاج المشترك المصري-الألماني-السعودي توحي بمستوى طموح يتجاوز العرض المحلي التقليدي.
  • رابعاً: الفيلم يقدَّم في العرض العالمي الأول ضمن المسابقة الدولية، ما يرفع سقف الاهتمام به منذ اللحظة الأولى.

لكن في المقابل، إعادة ترتيب السباق لا تعني بالضرورة حسمه. فالأمر سيتوقف على الاستقبال الأول خلال عروض القاهرة، وعلى قدرة الفيلم على ترجمة وعود الملخص المعلن إلى تجربة مشاهدة متماسكة. سينما أحمد عبدالله لطالما جذبت جمهوراً نقدياً ونخبوياً، والتحدي هذه المرة سيكون في توسيع هذا الأثر داخل لحظة مهرجانية مصرية تحتفل أيضاً بمرور 50 عاماً على انطلاق أولى دورات المهرجان عام 1976.

القاهرة 47 ولماذا تبدو اللحظة مناسبة لفيلم كهذا؟

الدورة الـ47 من مهرجان القاهرة السينمائي لا تأتي في فراغ. المهرجان نفسه أعلن مبكراً عن فعالياته وبرامجه الموازية، من بينها ورش أيام القاهرة لصناعة السينما، ما يعكس رغبة في تعزيز موقعه كمنصة للصناعة لا للعرض فقط. وفي هذا السياق، يبدو «برلين» في مكانه تماماً: فيلم مصري الهوية، عابر للحدود في إنتاجه وموضوعه، ويقوده مخرج صاحب لغة معروفة وممثلة تملك جاذبية جماهيرية واحتراماً نقدياً في الوقت نفسه.

للقارئ المصري، هذه المعادلة مهمة لأنها تطرح سؤالاً أوسع من الفيلم نفسه: هل نحن أمام موجة جديدة من الأفلام المصرية التي تستطيع الجمع بين النجومية والتجريب والإنتاج العابر للحدود؟ إذا نجح «برلين» في ذلك، فسيكون تأثيره أبعد من جائزة محتملة في القاهرة؛ قد يصبح نموذجاً عملياً لما يمكن أن تبدو عليه السينما المصرية في النصف الثاني من العقد الحالي.

الخلاصة

حتى قبل عرض أول لقطة على شاشة دار الأوبرا، نجح «برلين» في تحقيق أمر نادر: إعادة فتح الحديث الجدي عن ترتيب الأولويات داخل السينما المصرية. الفيلم يدخل مهرجان القاهرة السينمائي 2026 محمولاً على اسم أحمد عبدالله، وحضور منة شلبي، وفضول نقدي تجاه حكاية تدور في برلين لكنها مشغولة بأسئلة عربية ومصرية عن الهوية والذاكرة والانتماء. لذلك، نعم، يمكن القول إن اختيار «برلين» في المسابقة الرسمية أعاد ترتيب السباق بالفعل، ولو مبدئياً، قبل انطلاق الدورة الـ47. أما الحسم الحقيقي، فسيبقى رهناً بما سيقدمه الفيلم حين يلتقي أخيراً بجمهوره المصري في نوفمبر.