Egypt Box Office

هل يصنع «القصص» مسارًا جديدًا للسينما المستقلة المصرية؟

من افتتاح تورونتو إلى سؤال السوق: ماذا يعني صعود «القصص»؟

حين افتتح الفيلم المصري «القصص» الدورة السابعة من مهرجان تورونتو للفيلم العربي يوم 24 يوليو 2026، لم يكن الخبر مجرد محطة مهرجانية جديدة في رزنامة فيلم ناجح، بل بدا أقرب إلى اختبار عملي لفكرة أكبر: هل يمكن لفيلم مصري مستقل، من توقيع مخرج مثل أبو بكر شوقي، أن يبني مسارًا تسويقيًا يبدأ من القاعة المصرية ثم يتوسع بخطوات محسوبة إلى العالم العربي وأوروبا ومهرجانات الشتات؟

البرنامج الرسمي للمهرجان وضع «القصص» كفيلم الافتتاح في عرض السابعة مساءً يوم 24 يوليو، ضمن دورة امتدت من 24 يوليو إلى 1 أغسطس 2026، قبل أن تُختتم بالفيلم المغربي «Calle Málaga». وبذلك حصل الفيلم على واحدة من أكثر الواجهات وضوحًا داخل مهرجان يركز بالكامل على السينما العربية وجمهورها في كندا. هذا النوع من الافتتاح لا يمنح الفيلم وجاهة رمزية فقط، بل يضعه في قلب شبكة جمهور موزع بين الجاليات العربية، والمهنيين، ومبرمجي المهرجانات، وهي شبكة مهمة جدًا لأي فيلم مصري لا يعتمد على السوق التجاري التقليدي وحده.

رحلة الفيلم تقول الكثير عن النموذج المحتمل

المعطيات المتاحة عن «القصص» تجعل النقاش أكثر واقعية من مجرد حماسة نقدية. الفيلم، الذي كتبه وأخرجه أبو بكر شوقي، بدأ عرضه العالمي الأول في مهرجان تالين بلاك نايتس في نوفمبر 2025، ثم واصل حضوره في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، قبل أن يحصد جائزة التانيت الذهبي لأفضل فيلم روائي طويل في مهرجان قرطاج السينمائي الدولي. وبعد ذلك نال جائزة الصقر الفضي من مهرجان الفيلم العربي في روتردام، كما فاز مدير تصويره وولفجانج ثالر بجائزة أفضل إسهام فني في التصوير ضمن مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية. ثم وصل الفيلم إلى دور العرض المصرية في 17 يونيو 2026، وتلاه توزيعه عربيًا في اليوم التالي، قبل طرحه في فرنسا يوم 1 يوليو 2026 بعنوان Our Story: Chronicles of Cairo.

هذه السلسلة ليست عشوائية. نحن أمام بناء تدريجي: عرض عالمي أول، ثم جوائز عربية ودولية، ثم عرض محلي مصري، ثم توسع عربي، ثم توزيع أوروبي، ثم افتتاح مهرجان موجّه لجمهور عربي في أمريكا الشمالية. هذا الترتيب نفسه قد يكون أهم من أي جائزة منفردة، لأنه يكشف طريقة تسويق مختلفة عن منطق “إما السوق المحلي أو المهرجان”، ويقترح مسارًا ثالثًا يجمع الاثنين.

لماذا يصلح «القصص» تحديدًا لهذا الدور؟

جزء من الإجابة موجود داخل الفيلم نفسه. «القصص» ليس عملًا مصريًا محليًا مغلقًا، ولا فيلمًا مصممًا ببرود لإرضاء المهرجانات. بحسب تصريحات صُنّاعه، هو مشروع شخصي بدأه أبو بكر شوقي منذ 2019، ويستند إلى قصة عائلته، إذ تعرّف والده المصري إلى والدته النمساوية عبر المراسلات الورقية. كما تمتد أحداثه عبر خمس حقب زمنية بين 1967 و1984، وتدور حول أحمد، عازف البيانو الذي يجسده أمير المصري، في رحلة تتقاطع فيها الحب والأسرة والتحولات الاجتماعية والسياسية في مصر.

هذه التركيبة تمنح الفيلم ميزة نادرة في التسويق الخارجي: هو مصري التفاصيل، لكنه عابر للحدود في الفكرة. القاهرة ليست مجرد خلفية، بل قلب الحكاية؛ ومع ذلك فإن المراسلات بين مصر والنمسا، والتصوير بين مصر والنمسا، وحضور ممثلين مثل أمير المصري ونيللي كريم وفاليري باتشنر وكريم قاسم وأحمد كمال وصبري فواز، يمنح الفيلم قابلية أكبر للحركة بين أسواق مختلفة.

ومن المهم أيضًا أن البطل هنا ليس نجم شباك تقليديًا داخل وصفة تجارية مألوفة، بل ممثل مثل أمير المصري، الذي تحدث عن تدريبه على البيانو لثلاثة أشهر من أجل الدور. هذا النوع من التحضير، مع طبيعة الفيلم الزمنية والبصرية، يرسل إشارة واضحة إلى المهرجانات والموزعين بأننا أمام فيلم مؤلف يمتلك قيمة فنية، لكنه في الوقت نفسه يستند إلى ممثلين معروفين لدى الجمهور المصري.

من «فيلم القاهرة» إلى «فيلم الحركة الدولية»

السؤال المطروح في العنوان لا يتعلق بخروج السينما المستقلة المصرية من القاهرة بمعناها الجغرافي فقط، بل بخروجها من المركزية التسويقية أيضًا. لعقود، ظلت القاهرة هي نقطة الانطلاق والنهاية: إذا نجح الفيلم فيها، يُعد ناجحًا؛ وإذا تعثر فيها، يصبح عبوره الخارجي محدود الأثر. لكن «القصص» يقدم صيغة مختلفة: الفيلم لم ينتظر حكم السوق المحلي وحده، ولم يكتف أيضًا بشرعية المهرجان. لقد جمع بين الاثنين، وأضاف إليهما جمهورًا ثالثًا هو جمهور المهجر العربي.

هذه الفئة تحديدًا شديدة الأهمية للسينما المصرية المستقلة. جمهور تورونتو العربي ليس مجرد جمهور حنين، بل جمهور يستهلك الثقافة العربية بوصفها جزءًا من الهوية، ويملك في الوقت نفسه حساسية تجاه الأفلام المؤلفة والهجينة والذاتية. لذلك فإن افتتاح «القصص» لمهرجان تورونتو العربي يضع الفيلم في مساحة مختلفة عن مجرد “عرض خارجي”، لأنه يختبر قدرته على العمل كمنتج ثقافي مصري يمكن تسويقه دوليًا دون أن يفقد خصوصيته.

هل يستطيع أبو بكر شوقي تحويل التجربة إلى نموذج؟

أبو بكر شوقي ليس اسمًا جديدًا على هذا النوع من الرهان. مسيرته منذ «يوم الدين» صنعت له حضورًا في خريطة المهرجانات، لكن «القصص» يبدو أكثر نضجًا على مستوى المواءمة بين الحميمي والإنتاجي. الفيلم من إنتاج فيلم كلينك بقيادة محمد حفظي، وهو اسم يملك خبرة طويلة في عبور الأفلام المصرية إلى الدوائر الدولية، مع الحفاظ على فرص عرضها عربيًا. هذه الشراكة بين مخرج له لغة معترف بها دوليًا، ومنتج يعرف خريطة المهرجانات والتوزيع، تبدو عنصرًا حاسمًا في نجاح المسار.

لكن تحويل هذه الرحلة إلى نموذج عام يتطلب الانتباه إلى أن «القصص» استفاد من مجموعة شروط قد لا تتوافر لكل فيلم مستقل:

  • قصة ذات جاذبية دولية من دون التفريط في البيئة المصرية.
  • طاقم تمثيل معروف يساعد على التسويق المحلي والعربي.
  • شبكة مهرجانات قوية بدأت من تالين ومرت بقرطاج والأقصر وتورونتو.
  • إدارة إنتاج وتوزيع خبيرة قادرة على ترتيب التوقيت بين الجوائز والعرض التجاري.
  • هوية بصرية واضحة مدعومة بتقدير نقدي وجوائز فنية.

لهذا، ربما لا يكون «القصص» نموذجًا قابلًا للاستنساخ حرفيًا، لكنه بالتأكيد نموذج قابل للتعلم منه.

ماذا يعني هذا لمستقبل السينما المصرية المستقلة؟

إذا كانت السينما المصرية المستقلة تريد توسيع حضورها خارج القاهرة، فالدروس التي يقدمها «القصص» واضحة. أولًا، لم يعد كافيًا صنع فيلم جيد ثم انتظار “الحظ” في المهرجانات. المطلوب هو تصميم مسار دولي للفيلم منذ التطوير: اختيار موضوع يملك قابلية سفر، بناء شراكات إنتاجية عابرة للحدود حين يلزم، التفكير في أسواق الجاليات، والتخطيط لتدرج ذكي بين العرض المحلي والخارجي.

ثانيًا، النجاح الخارجي ليس بديلًا من المشاهد المصري، بل يمكن أن يصبح أداة لإعادة تقديم الفيلم له. في حالة «القصص»، فإن وصوله إلى دور العرض بعد حصاد مهرجاني وجوائز منح العمل هالة من الثقة والفضول، وهي قيمة تسويقية حقيقية للأفلام المستقلة التي تعاني عادة في منافسة الشباك.

ثالثًا، ما حدث يؤكد أن السينما المصرية ما زالت تملك قصصًا قادرة على التحرك عالميًا حين تُقدَّم من داخل خبرة محلية صادقة. «القصص» لا يبيع صورة بطاقة بريدية عن مصر، بل يروي تحولات البلد من داخل شقة قاهرية وأسرة واحدة. وربما هنا تكمن قوته الأكبر: أنه يقدم مصر بوصفها حياة معاشة، لا موضوعًا فولكلوريًا.

الخلاصة

هل يتحول «القصص» إلى نموذج جديد لتسويق السينما المصرية المستقلة خارج القاهرة؟ ليس بعد بمعنى القاعدة الثابتة، نعم بمعنى الإشارة القوية. الفيلم أثبت أن هناك طريقًا ممكنًا يبدأ من خصوصية مصرية واضحة، ويمر عبر المهرجانات الكبرى، ثم يصل إلى التوزيع العربي والأوروبي وجمهور المهجر، من دون أن يتخلى عن عرضه المحلي أو عن لغته الشخصية. وبالنسبة للسينما المصرية، فهذا ليس مجرد نجاح لفيلم واحد، بل احتمال جدي لمسار أوسع لو عرف صُنّاع الأفلام كيف يبنون عليه.