هل يصنع الجونة الانطلاقة المصرية الأهم لفيلم «خروج آمن»؟
«خروج آمن» في الجونة: لماذا تبدو هذه المحطة مختلفة؟
إعلان مهرجان الجونة السينمائي (@elgounafilmfestival على إنستغرام) اختيار الفيلم المصري «خروج آمن» ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في دورته التاسعة، المقررة من 15 إلى 23 أكتوبر 2026، لا يبدو مجرد إضافة جديدة إلى سجل مشاركات الفيلم، بل خطوة تحمل وزناً خاصاً داخل المشهد المصري. فالفيلم الذي بدأ رحلته الدولية من مهرجان برلين السينمائي الدولي 2026، ثم واصلها إلى مهرجان شنغهاي السينمائي الدولي، يدخل الآن ساحة مختلفة: ساحة التلقي المحلي المنظم، أمام جمهور مصري وعربي وصناع صناعة حاضرين بقوة في الجونة.
وفق الصفحة الرسمية للفيلم على موقع مهرجان الجونة، يُعرض «خروج آمن» (Safe Exit) ضمن المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة، وهو إنتاج مشترك بين مصر وليبيا وتونس وقطر وألمانيا، ومدته 112 دقيقة، ومن تأليف وإخراج محمد حماد. ويضم طاقم التمثيل مروان وليد ونهى أحمد وحازم عصام، فيما يشارك في الإنتاج خلود سعد ودرة بوشوشة ودينا فاروق وإبراهيم البطوط ومي عودة. كما يذكر الموقع الرسمي أن الفيلم عُرض أولاً في برلين ثم تلقى دعوات لعدد من المهرجانات حول العالم.
من برلين إلى شنغهاي: جولة صنعت سمعة مبكرة
أهمية محطة الجونة لا يمكن فهمها بعيداً عن مسار الفيلم قبلها. في 15 فبراير 2026، نشرت المصري اليوم أن العرض العالمي الأول للفيلم في مهرجان برلين شهد نفاد التذاكر قبل الموعد بيومين، مع تفاعل واضح من الجمهور بعد العرض. وذكرت الصحيفة أيضاً أن الفيلم كان الفيلم المصري الوحيد المشارك في الدورة السادسة والسبعين للمهرجان، ضمن قسم بانوراما، مع ستة عروض إضافية داخل المهرجان.
بعد ذلك، أكدت مصراوي في 6 يونيو 2026 انتقال الفيلم إلى مهرجان شنغهاي السينمائي الدولي، حيث شارك رسمياً في قسم السينما العالمية المعاصرة، في دورة أُقيمت بين 12 و21 يونيو 2026. التقرير نفسه أشار إلى أن الفيلم يواصل جولة مهرجانية دولية بعد برلين، وهو ما يعني أن «خروج آمن» وصل إلى الجونة محمّلاً بالفعل بزخم نقدي ومهني، وليس بوصفه اكتشافاً أولياً.
ما الذي يرويه الفيلم؟ ولماذا يهم المتلقي المصري؟
القصة هنا عنصر حاسم في تفسير توقعات الاستقبال المحلي. بحسب الوصف المنشور على موقع الجونة، يتابع الفيلم سمعان، وهو حارس أمن شاب ينتمي إلى جيل تشكّل وعيه تحت أثر العنف الديني الذي ضرب المنطقة العربية خلال العقد الماضي. أما التفاصيل التي نشرتها مصراوي فتوضح أن البطل شاب قبطي يعمل فرد أمن ويشهد مقتل والده على يد تنظيم إرهابي في ليبيا عام 2015. وفي المصري اليوم، وُصف العمل بأنه يتناول اضطراب ما بعد الصدمة وتأثير الأحداث الكبرى على الحياة اليومية والإنسانية للفرد العادي.
هذه الخلفية تمنح الفيلم حساسية محلية واضحة بالنسبة للمشاهد المصري. فالموضوع لا يذهب إلى التجريد السياسي بقدر ما يقترب من أثر العنف على الذاكرة الشخصية والعائلية، وهي زاوية تجعل الفيلم أقرب إلى نقاشات الهوية والخسارة والصمود، وهي قضايا لها وقع مباشر في السياق المصري، خصوصاً عندما تُقدَّم من خلال بطل يعمل في مهنة يومية شديدة الواقعية مثل حارس الأمن.
لماذا قد يكون الجونة نقطة الانطلاق المحلية الأهم؟
1) لأنه أول اختبار مصري واسع داخل منصة ذات تأثير صناعي
العرض في برلين وشنغهاي مهم للسمعة الدولية، لكنه لا يوازي بالضرورة أثر العرض داخل مصر على مستوى التوزيع، والحديث النقدي، وإعادة تقديم الفيلم إلى الصحافة والجمهور المحلي. مهرجان الجونة أصبح خلال السنوات الأخيرة منصة تجمع الصحافة العربية، والموزعين، والمنتجين، وصنّاع الأفلام، والجمهور المهتم بالسينما الفنية في مصر. لذلك فإن وجود «خروج آمن» داخل المسابقة الرسمية يمنحه موقعاً أفضل بكثير من مجرد عرض خاص أو موازٍ.
2) لأن الفيلم يعود إلى جمهوره الطبيعي بعد شرعية دولية
غالباً ما يواجه الفيلم المصري الفني سؤالاً تقليدياً: هل ينجح خارجياً فقط أم يستطيع تكوين صدى حقيقي في الداخل؟ في حالة «خروج آمن»، تبدو المعادلة أكثر توازناً. الفيلم لا يأتي إلى الجونة من فراغ، بل بعد عرض عالمي أول في برلين ومشاركة في شنغهاي وسبق لموقع الجونة نفسه أن أشار إلى ترشيحه أو إدراجه في مسار مرتبط بجائزة أفضل سيناريو لدى Asia Pacific Screen Award. هذه الخلفية تمنحه شرعية فنية قد تدفع قطاعات من الجمهور المصري والنقاد إلى التعامل معه بوصفه حدثاً سينمائياً يستحق الاكتشاف، لا مجرد فيلم مهرجانات عابر.
3) لأن الجونة قد يفتح الباب أمام التوزيع المحلي
حتى الآن، المتاح علناً يوضح قوة المسار المهرجاني للفيلم أكثر مما يوضح خريطة طرحه التجاري داخل مصر. وهنا بالضبط تظهر قيمة الجونة: فالمهرجان كثيراً ما يتحول إلى منصة تفاوض غير معلنة حول فرص العروض اللاحقة، سواء في قاعات الفن المستقل أو عبر دوائر التوزيع التجاري المحدود. إذا خرج «خروج آمن» من الجونة باستقبال نقدي جيد أو جائزة أو حتى نقاش واسع، فسيصبح ذلك أقرب ما يكون إلى شهادة مرور محلية للفيلم.
محمد حماد ورهان الفيلم الثاني
هذا التوقيت مهم أيضاً في مسار المخرج محمد حماد. فالموقع الرسمي للجونة يعرّفه بوصفه صاحب الفيلم الطويل الأول «أخضر يابس» الذي عُرض في لوكارنو ونال عنه جوائز بينها أفضل مخرج في مهرجان دبي السينمائي الدولي، قبل أن يعود في فيلمه الثاني إلى مساحة أكثر توتراً نفسياً وسياسياً. بالنسبة لأي مخرج، الفيلم الثاني هو لحظة اختبار حقيقية: هل يكرر الحضور الدولي فقط، أم يرسخ اسماً قادراً على بناء علاقة مستمرة مع الجمهور المحلي أيضاً؟
من هذه الزاوية، يصبح الجونة أكثر من محطة عرض؛ إنه اختبار مكانة داخل السينما المصرية المعاصرة. فإذا نجح الفيلم في تحويل صداه الدولي إلى اهتمام مصري وعربي أوسع، فسيكون حماد قد تجاوز مرحلة “المخرج الذي يلمع في المهرجانات” إلى مرحلة “المخرج الذي يفرض فيلمه كنقاش محلي أيضاً”.
ما الذي قد يحدد مصير الفيلم بعد الجونة؟
- الاستقبال النقدي المصري: هل سيتعامل النقاد مع الفيلم كعمل نخبوي خالص، أم كفيلم إنساني قادر على التواصل؟
- رد فعل الجمهور في العروض: طبيعة التفاعل داخل الجونة كثيراً ما تصنع الانطباع الأول الذي يتردد لاحقاً في الصحافة والسوشيال ميديا.
- جوائز المهرجان: وجوده داخل المسابقة الروائية الطويلة يفتح احتمال الاستفادة من أي تتويج أو حتى ترشيح متقدم.
- الخطوة التالية في التوزيع: هل يترجم الزخم إلى عروض مصرية لاحقة، أم يظل الفيلم في دائرة المهرجانات فقط؟
الخلاصة: نعم، الجونة مرشح بقوة ليكون الانطلاقة المحلية الأهم
استناداً إلى المعطيات المتاحة حتى 10 أكتوبر 2026، تبدو الإجابة الأقرب هي نعم. ليس لأن برلين وشنغهاي أقل أهمية، بل لأنهما منحتا «خروج آمن» شرعية دولية، بينما يمنحه الجونة فرصة مختلفة: التحول إلى حدث مصري. هنا يلتقي الفيلم بجمهوره الأقرب، وبالصحافة المصرية، وبسوقه الثقافي الطبيعي، وبشبكة صناعة يمكنها أن تدفعه إلى ما بعد العرض المهرجاني.
لهذا، فإن ضم «خروج آمن» إلى المسابقة الرسمية للدورة التاسعة من مهرجان الجونة لا يبدو مجرد خبر برامجي، بل لحظة مفصلية في مشوار فيلم مصري يحمل موضوعاً حساساً، وسيرة مهرجانية قوية، وطموحاً واضحاً لأن يجد مكانه داخل ذاكرة السينما المصرية لا خارجها فقط.