هل يصبح «خروج آمن» رهان مصر الأبرز في الجونة؟
«خروج آمن» في افتتاح سباق الجونة.. لماذا تتجه الأنظار إلى الرهان المصري الوحيد؟
تنطلق اليوم الخميس 15 أكتوبر 2026 فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي في مدينة الجونة حتى 23 أكتوبر، وسط برنامج يضم 77 فيلماً وفق ما نشرته الأهرام، ومعه تعود الأسئلة المعتادة حول موقع السينما المصرية داخل المسابقات الكبرى للمهرجان. في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة تحديداً، يتقدم الفيلم المصري «خروج آمن» بوصفه الحضور المحلي الأوضح، لا لأنه يشارك فقط، بل لأنه الفيلم المصري الوحيد في هذه المسابقة هذا العام، بحسب ما أورد مصراوي قبل يومين.
هذا المعطى وحده يكفي لجعل فيلم محمد حماد في صدارة النقاش المصري داخل «شباك التذاكر»، لكن الأهم أن الفيلم لا يدخل الجونة من باب التمثيل الشرفي أو المجاملة المحلية، بل بعد مسار دولي بدأ من العرض العالمي الأول في الدورة 76 من مهرجان برلين السينمائي، ثم تواصل عبر محطات دولية أخرى، ما يمنحه ثقلاً نقدياً ومهنياً يرفع سقف التوقعات قبل عرضه في مصر والمنطقة.
ما الذي نعرفه يقيناً عن الفيلم؟
بحسب الصفحة الرسمية للفيلم على موقع مهرجان الجونة، فإن «خروج آمن» فيلم روائي طويل مدته 112 دقيقة، وهو إنتاج مشترك بين مصر وليبيا وتونس وقطر وألمانيا، من تأليف وإخراج محمد حماد. ويضم طاقم التمثيل مروان وليد ونهى أحمد وحازم عصام، بينما تتولى خلود سعد الإنتاج إلى جانب أسماء أخرى بينها درة بوشوشة ودينا فاروق وإبراهيم البطوط ومي عودة. كما يتولى محمد الشرقاوي التصوير ودينا فاروق المونتاج.
ويقدم الفيلم حكاية سمعان، وهو شاب يعمل فرد أمن في وسط القاهرة، ينتمي إلى جيل فقد آباءه في أحداث عنف ديني خلال العقد الماضي. النص الرسمي المنشور من المهرجان يضعنا أمام ثريلر نفسي يتناول الصدمة الموروثة، لا بوصفها خلفية سياسية مجردة، بل باعتبارها جرحاً يومياً ينعكس على السلوك والهوية والعلاقات. كما يضيف تقديم الفيلم أن شخصية فاطمة تدخل حياة سمعان وتكسر رتابة دورته المغلقة، من دون أن يسلك الفيلم المسار الميلودرامي التقليدي المعتاد.
لماذا يبدو «خروج آمن» رهاناً محلياً مختلفاً؟
1) لأنه يعود بمحمد حماد إلى الروائي الطويل بعد غياب عشر سنوات
واحدة من أهم نقاط الجذب هنا أن محمد حماد يعود إلى الروائي الطويل بعد عقد كامل من فيلمه الأول «أخضر يابس» الصادر في 2014. الصفحة الرسمية للفيلم في الجونة تؤكد أن هذه السنوات العشر انعكست على نضج المشروع الجديد، سواء في الكتابة أو في إدارة الممثلين أو في تكثيف الأسلوب البصري الذي عُرف به حماد منذ بداياته. هذا النوع من العودة الطويلة عادة ما يرفع حساسية التلقي النقدي، لأن الجمهور والنقاد ينتظرون مشروعاً أكثر اكتمالاً لا مجرد تكرار للبدايات.
2) لأنه يشتبك مع موضوع نادر في السينما المصرية السائدة
يُحسب للفيلم، وفق التقديم النقدي المنشور على موقع المهرجان، أنه يقدّم شخصية مسيحية مصرية بصورة نادرة نسبياً في السينما المحلية، مستخدماً لغة يومية طبيعية بعيداً عن القوالب الجاهزة. هذه النقطة مهمة جداً في سياق مهرجان مثل الجونة، لأن لجان التحكيم والمبرمجين تميل عادة إلى الأعمال التي تنجح في التقاط التناقضات الاجتماعية المصرية من داخل الشخصيات، لا عبر الشعارات. كما أن تصريح محمد حماد نفسه عن سمعان بوصفه شاباً قبطياً من جيل فقد آباءه يوضح أن الفيلم واعٍ بسؤاله الإنساني والسياسي منذ نقطة الانطلاق.
3) لأنه وصل إلى الجونة بعد اختبار دولي حقيقي
الفيلم لم يبدأ رحلته من عرض محلي أو عربي، بل من برلين، وهو ما يمنحه أفضلية واضحة في معادلة الترقب. ووفق مصراوي، واصل الفيلم حضوره بعد ذلك في مهرجانات شنغهاي ومونبلييه وبلجراد وجولدن أبريكوت وريو دي جانيرو، كما نال ترشيحاً لجائزة أفضل سيناريو ضمن جوائز شاشة آسيا والمحيط الهادئ. وبالنسبة لفيلم مصري مستقل نسبياً، فإن هذا المسار يمنحه رصيداً لا يمكن تجاهله عند الحديث عن فرصه في فرض نفسه كأبرز رهان محلي في الجونة.
لكن هل يكفي هذا ليصبح الأوفر حظاً داخل المسابقة؟
هنا يجب الفصل بين كونه أبرز رهان محلي وكونه المرشح الأبرز للفوز بالمنافسة كاملة. الأهرام أشارت إلى أن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة هذا العام تضم أعمالاً وصلت من مهرجانات كبرى وحصد بعضها جوائز مهمة، من بينها «أرض الأجداد» للمخرج البولندي بافل بافليكوفسكي، و«بعد ثلاثة أسابيع» للصربي ميروسلاف تيرزيتش، و«حليمة» للمغربي فوزي بن سعيدي الإدريسي كما ورد في التغطية، و«روز» للنمساوي ماركوس شلاينزر، و«قساطل» للبناني كريم قاسم. هذا يعني أن «خروج آمن» يدخل سباقاً مزدحماً بأفلام جاءت محمّلة بسجل مهرجاني قوي.
لكن من زاوية مصرية خالصة، يظل السؤال مختلفاً: هل هناك فيلم محلي آخر ينافسه على صفة الرهان المصري الأبرز داخل هذه المسابقة؟ الإجابة المتاحة من المعلومات المنشورة حتى الآن تبدو: لا. فكونه الفيلم المصري الوحيد في المسابقة يمنحه تلقائياً موقع الصدارة محلياً، لكن ما يرسّخ هذا الموقع فعلاً هو أنه لا يأتي بصفته «ممثل البلد» فقط، بل بصفته عملاً يحمل قضية واضحة، ومخرجاً له بصمة معروفة، ورحلة عروض دولية سبقت وصوله إلى الجونة.
موعد العرض ولماذا سيكون حاسماً؟
بحسب مصراوي، يخوض «خروج آمن» عرضه الأول في الشرق الأوسط ضمن مهرجان الجونة يوم 20 أكتوبر 2026 في تمام السابعة مساءً. هذا الموعد سيكون لحظة اختبار حقيقية، لأن النقاش حول الفيلم سيتحول عندها من التوقعات إلى رد الفعل المباشر: كيف سيتلقى جمهور الجونة في مصر موضوعه الشائك؟ وهل سينجح الأداء التمثيلي للوجوه التي يعتمد عليها الفيلم في تحويل ثقل الفكرة إلى أثر درامي حي؟
كما أن عرض الجونة مهم لأنه يضع الفيلم لأول مرة أمام مساحة استقبال مصرية وعربية أوسع بعد محطاته الدولية، وهو ما قد يؤثر لاحقاً على مساره في التوزيع والعروض التالية. في هذا السياق، يصبح اسم محمد حماد مطروحاً بقوة داخل المشهد، خاصة أن المهرجان نفسه أعلن مبكراً تفاصيل دورته التاسعة، فيما يتابع الوسط السينمائي المصري هذه الدورة بوصفها محطة أساسية لاختبار موقع السينما المصرية المستقلة في 2026.
الخلاصة: نعم، لكنه رهان مشروط بالعرض
حتى صباح 15 أكتوبر 2026، يبدو الحكم الأقرب إلى الدقة هو أن «خروج آمن» يفرض نفسه بالفعل كأبرز رهان محلي في المنافسة الروائية بمهرجان الجونة. ليس فقط لأنه الفيلم المصري الوحيد في المسابقة، بل لأن عناصره مجتمعة تمنحه أفضلية محلية واضحة:
- حضور مصري منفرد داخل المسابقة الروائية الطويلة.
- موضوع حساس وإنساني يرتبط بالصدمة والعنف والهوية في مصر المعاصرة.
- عودة لافتة لمحمد حماد بعد عشر سنوات من «أخضر يابس».
- رصيد مهرجاني دولي بدأ من برلين وامتد إلى محطات أخرى.
ومع ذلك، يبقى الحسم الفني الحقيقي مؤجلاً إلى ما بعد عرض 20 أكتوبر. عندها فقط سيتضح إن كان الفيلم سيكتفي بصفة الرهان المصري الأبرز، أم سيتحول إلى أحد أهم أفلام الدورة التاسعة كلها.