Egypt Box Office

هل يدفع «سينما الأحد» الفيلم المستقل المصري خارج القاهرة؟

بعد 6 أغسطس 2026.. لماذا تبدو «سينما الأحد» أكثر من مجرد فقرة جانبية؟

منذ انطلاق مهرجان الصيف الدولي 2026 في مكتبة الإسكندرية (@bibalexofficial على إنستغرام) يوم الخميس 6 أغسطس 2026، بدا واضحًا أن البرنامج لا يراهن على الحفلات الموسيقية وحدها. فبحسب أجندة فعاليات المكتبة لشهر أغسطس، افتتح المهرجان بحفل مسار إجباري يوم 6 أغسطس، ثم تواصلت الفعاليات بعروض وحفلات ومحاضرات، وبينها مساحة سينمائية لافتة تحت عنوان «سينما الأحد: بين الهوية والانتشار»، إلى جانب عرض فيلم «خذني إلى السينما» ومناقشة مع مخرجه الباقر جعفر يوم الأحد 9 أغسطس 2026. كما أشارت تغطيات صحفية مصرية حديثة إلى أن الفقرة تضم عروضًا يعقبها نقاش مع صناعها، مع أمسية خاصة لأفلام قصيرة من إنتاج ريد ستار فيلمز.

هذا التفصيل مهم؛ لأن أزمة الفيلم المصري المستقل لا تبدأ من الإنتاج فقط، بل من الوصول إلى الجمهور. فالقاهرة ما زالت المركز الأوسع لدوائر العرض البديل والنقاش النقدي والصحافة السينمائية، بينما تعاني المدن الأخرى من ندرة المنصات المنتظمة التي تجمع العرض، والنقاش، وإمكانية اكتشاف أسماء جديدة. من هنا، يصبح السؤال مشروعًا: هل يمكن لفقرة أسبوعية داخل مهرجان جماهيري في الإسكندرية أن تمنح الأفلام المستقلة دفعة حقيقية خارج العاصمة؟

الإسكندرية ليست مدينة متلقية فقط.. ولديها ذاكرة سينمائية جاهزة

الجواب يبدأ من طبيعة المكان نفسه. مكتبة الإسكندرية ليست قاعة عرض طارئة دخلت على المشهد مصادفة، بل مؤسسة لها تاريخ معلن في دعم السينما المصرية. فمركز الفنون بالمكتبة يعرّف نفسه كمنصة لتحقيق دور المكتبة بوصفها نافذة مصر على العالم ونافذة العالم على مصر في المجال الفني، كما أطلق منذ إبريل 2008 مشروع «بلازا» لدعم صناع الأفلام المصريين الناشئين عبر إنتاج أفلام روائية قصيرة تدور بالكامل في ساحة الحضارات بالمكتبة، مع تركيز خاص على دعم المواهب المصرية، وخصوصًا من الإسكندرية.

هذه الخلفية تمنح «سينما الأحد» أفضلية لا تملكها مبادرات موسمية كثيرة. فالمكتبة لا تبدأ من الصفر، بل من رصيد مؤسسي يعرف معنى البرمجة الثقافية، ويملك جمهورًا معتادًا على حضور أنشطة فنية متعددة، من المسرح إلى الموسيقى إلى المحاضرات. وحتى على مستوى الذاكرة السينمائية المصرية، ارتبط اسم المكتبة سابقًا بمشروعات توثيقية معروفة، بينها مشروع أهم مائة فيلم مصري، وهو ما يعكس علاقة قديمة بالسينما بوصفها تراثًا وصناعة وخطابًا ثقافيًا، لا مجرد ترفيه عابر.

ما الذي يجعل الفقرة واعدة فعلًا؟

1) التوقيت داخل مهرجان واسع الجمهور

حين تُعرض الأفلام المستقلة داخل مهرجان صيفي كبير يضم أكثر من نوع فني، فإنها تستفيد من الحركة الجماهيرية العامة للمهرجان، لا من جمهور السينما المتخصص فقط. أجندة أغسطس في المكتبة تكشف عن تتابع كثيف لفعاليات من 6 أغسطس فصاعدًا، تشمل حفلات لأسماء معروفة مثل علي الحجار، إلى جانب محاضرات وعروض مسرحية وسينمائية. هذا التنوع يخلق فرصة ثمينة لاجتذاب مشاهد قد لا يذهب أصلًا إلى عرض مستقل لو قُدم في دائرة مغلقة أو في فعالية نخبوية منفصلة.

2) وجود مناقشة مع الصناع

القيمة الحقيقية لفقرة مثل «سينما الأحد» لا تقف عند العرض. وجود نقاشات مع صناع الأفلام بعد المشاهدة يحوّل التجربة من استهلاك سريع إلى بناء جمهور. هذا النموذج مهم جدًا للأفلام المستقلة، لأن كثيرًا منها يعيش على تفسير سياقه، وخلفيات إنتاجه، واختياراته الجمالية. وفي مدينة مثل الإسكندرية، حيث تقل فرص اللقاء المباشر بين الجمهور والمخرجين مقارنة بالقاهرة، تصبح هذه الحوارات جزءًا من صناعة جمهور جديد، لا مجرد نشاط موازٍ.

3) ربط الفقرة بشركات وسينمائيين حقيقيين في المشهد المستقل

الإشارة إلى أمسية أفلام قصيرة من إنتاج ريد ستار فيلمز ليست تفصيلًا شكليًا. فالشركة نفسها تقدم على مواقعها الرسمية أرشيفًا يضم أعمالًا مصرية مستقلة، وبينها الفيلم الوثائقي Take Me To The Cinema من عام 2021، كما نشرت في مارس 2026 بيانًا عن مشاركة 6 أفلام لها في الدورة السادسة عشرة من مهرجان مالمو للسينما العربية. هذا النوع من الربط بين منصة عرض محلية في الإسكندرية وشركة فاعلة في الدورة المهرجانية العربية يمنح الفقرة صلة مباشرة بسوق الفيلم المستقل الحقيقي، لا بخطاب ترويجي فارغ.

لكن هل تكفي الفقرة وحدها لتغيير خريطة الانتشار؟

الإجابة الأقرب إلى الدقة: لا، لكنها قد تكون بداية عملية. فالتجربة المصرية نفسها تقول إن توسيع جمهور السينما البديلة خارج القاهرة يحتاج إلى استمرارية وشبكة عرض، لا إلى حدث واحد مهما كان ناجحًا. منصة زاوية، مثلًا، توضح في تعريفها الرسمي أنها تأسست في القاهرة عام 2014 كمنصة مستقلة لعرض وتداول الأفلام الفنية، ثم نظمت في 2016 ورشة لإدارة دور السينما الفنية نتج عنها شراكات وعروض أسبوعية في الإسكندرية وبورسعيد والإسماعيلية، واستمرت هذه التجربة حتى 2019. هذا النموذج يثبت أن الوجود خارج القاهرة ممكن، لكنه يحتاج بنية تشغيلية واستمرارية تتجاوز منطق الموسم الواحد.

بمعنى آخر، إذا انتهت «سينما الأحد» بانتهاء المهرجان، فستبقى قيمتها رمزية ومحدودة. أما إذا تحولت إلى برنامج دوري، أو إلى شراكات ثابتة مع جهات عرض وتوزيع ومخرجين ومنتجين مستقلين، فقد تبدأ فعلًا في ترميم الفجوة المزمنة بين إنتاج الفيلم المستقل وجمهوره خارج القاهرة.

لماذا الإسكندرية تحديدًا مرشحة للعب هذا الدور؟

لأن المدينة تملك ما هو أكثر من الموقع الجغرافي. في 2026 وحدها استضافت الإسكندرية الدورة الخامسة من مهرجان السينما الأوروبية بين 3 مايو و6 يونيو، عبر شبكة من الفضاءات الثقافية ضمت مركز الجزويت الثقافي ومعاهد ثقافية أوروبية مختلفة، مع عروض مجانية وحوارات مصاحبة. هذه التفاصيل تعني أن المدينة لديها بالفعل جمهور معتاد على الذهاب إلى عروض غير تجارية، كما أن لديها بنية ثقافية تستوعب البرمجة السينمائية المتنوعة.

وعندما تُضاف هذه البنية إلى مؤسسة بحجم مكتبة الإسكندرية، يصبح احتمال توسيع مساحة الفيلم المصري المستقل أكثر واقعية من مدن أخرى تفتقد المكان والجمهور معًا. هنا لا نتحدث عن «نقل» تجربة القاهرة حرفيًا، بل عن بناء نقطة ارتكاز متوسطية لها جمهورها وذائقتها ومساراتها الخاصة.

ما الذي تحتاجه الفقرة كي تتحول إلى دفعة حقيقية؟

  • الاستمرارية بعد أغسطس: نجاح الفقرة لن يُقاس بزخم الافتتاح، بل بقدرتها على الاستمرار في الخريف والشتاء ببرنامج واضح.
  • تنويع الأفلام المصرية المعروضة: روائي طويل، قصير، وثائقي، وتجريبي، حتى لا يُختزل «المستقل» في شكل واحد.
  • ربط العرض بالتوزيع: عبر دعوة منصات وموزعين وبرامج مهرجانية، لا الاكتفاء بالمشاهدة والنقاش.
  • الانفتاح على صناع الإسكندرية والدلتا: كي لا تبقى الفقرة مجرد نافذة لأفلام أُنتجت وفُكّر فيها من القاهرة ثم نُقلت إلى المدينة.
  • أرشفة التجربة إعلاميًا ورقميًا: لأن أي جمهور جديد يحتاج ذاكرة قابلة للمتابعة، لا حدثًا يمر ثم يختفي.

الخلاصة

حتى الآن، تبدو «سينما الأحد: بين الهوية والانتشار» واحدة من أكثر فقرات مهرجان الصيف الدولي 2026 أهمية من زاوية صناعة الجمهور، لا من زاوية البرنامج الفني فقط. وجودها داخل مكتبة الإسكندرية، وفي مدينة لديها سوابق في استقبال العروض البديلة، ومع ربطها بنقاشات مباشرة وأفلام من إنتاجات مستقلة معروفة، يمنحها فرصة حقيقية كي تكون خطوة أولى جادة نحو توسيع حضور الفيلم المصري المستقل خارج القاهرة. لكن التحول الفعلي لن يتحقق بفقرة ناجحة واحدة؛ بل حين تصبح هذه الفقرة نواة لمسار ثابت، يربط الإسكندرية بالإنتاج والتوزيع والنقاش السينمائي على مدار العام. عندها فقط يمكن القول إن «سينما الأحد» لم تكن مجرد بند في برنامج مهرجان، بل بداية خريطة عرض جديدة للسينما المصرية المستقلة.