Egypt Box Office

هل يدفع «الخبيث» رعب مصر الشاب من الجونة إلى الأمام؟

عرض عالمي أول يضع «الخبيث» مبكرًا في دائرة الاختبار الحقيقي

دخول الفيلم المصري القصير «الخبيث» إلى الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي (@elgounafilmfestival على إنستغرام) في عرضه العالمي الأول ليس تفصيلًا دعائيًا صغيرًا، بل إشارة ثقافية مهمة داخل مشهد السينما المصرية. الفيلم، من تأليف وإخراج جاد شاهين، يشارك في مسابقة الأفلام القصيرة ضمن دورة تُقام من 15 إلى 23 أكتوبر 2026، وهي دورة يواصل فيها الجونة تأكيد موقعه منصةً لتقديم الأصوات العربية الشابة إلى جمهور نقدي وصناعي أوسع.

الأهمية هنا لا تتعلق فقط بوجود فيلم مصري قصير في البرنامج، بل بطبيعة الفيلم نفسه. فـ«الخبيث» يتحرك بوضوح داخل مساحة الرعب النفسي والأجواء الكابوسية، وهي مساحة لا تزال في السينما المصرية أقل حضورًا من الدراما الاجتماعية والكوميديا والتشويق التقليدي. لذلك فإن مجرد وصول عمل قصير بهذا التوجه إلى عرض عالمي أول في مهرجان بحجم الجونة يفتح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام دفعة مبكرة لجيل جديد من صناع الرعب المصري؟

ما الذي نعرفه يقينًا عن الفيلم؟

المعلومات المعلنة حتى الآن تمنح «الخبيث» ملامح محددة ومشجعة. تدور الأحداث في قرية صيد تضرب نساءها جائحة غامضة، بينما يجد بطل الفيلم فتحي نفسه بين خوفه على من يحبهم، وبين ما يفرضه عليه المجتمع المحيط. هذه الحبكة، كما قُدمت في المواد الصحفية والصور الأولى، لا تعتمد على فكرة «الوحش» التقليدية بقدر ما تراهن على الخوف الجمعي ووصم النساء والضغط الاجتماعي، وهي عناصر تمنح الرعب بعدًا محليًا مصريًا بدل الاكتفاء باستنساخ قوالب أجنبية.

الفيلم يضم في بطولته عزيز الجزار وهبة خيال وندى فوزي وهناء المصري. كما يضم فريق العمل يارا جبران منتجة، وإسلام الدخاخني وأحمد الدخاخني منتجين منفذين، ومصطفى الكاشف مديرًا للتصوير، وإيمان العلبي للديكور، وليلى ماجد للأزياء، وهبة عثمان للمونتاج، وأمير خلف للموسيقى، ومعتز القماري لتصميم الصوت، مع إشراف إنتاجي من أحمد نوح. هذا التفصيل مهم لأن أفلام الرعب تحديدًا تحتاج إلى تماسك حرفي في الصورة والصوت والإيقاع أكثر من اعتمادها على الفكرة وحدها.

عنوان طويل ونبرة مختلفة

الاسم الإنجليزي للفيلم، My Village Blamed Women for the End of Mankind، يكشف مبكرًا عن طموح سردي يتجاوز الرعب المباشر إلى مجاز اجتماعي وفكري. وفي بيان مسابقة الأفلام القصيرة بالجونة، وُصف الفيلم بأنه يتتبع صيادًا شابًا يعيش مع والدته وشقيقته وزوجته في قرية موبوءة بجائحة مميتة تصيب النساء، بينما يحاول أهل القرية استبعاد المصابات لمنع انتشار الوباء. هذه الصياغة وحدها توحي بأن الفيلم يشتبك مع آليات الخوف الأخلاقي والبحث عن كبش فداء، وهما مدخلان خصبان لأي سينما رعب جادة.

لماذا تبدو مشاركة الجونة مؤثرة فعلًا؟

لأن الجونة هنا لا يقدم «الخبيث» كعرض جانبي، بل يضعه داخل مسابقة الأفلام القصيرة التي تضم 13 فيلمًا، بينها فقط 3 أفلام في عرض عالمي أول، أحدها «الخبيث». هذا يرفع قيمة الاختيار نفسه. فالعرض العالمي الأول في مهرجان معروف إقليميًا يمنح الفيلم ثلاث مزايا مبكرة: الشرعية الفنية، والظهور الإعلامي، وإمكانية الحركة لاحقًا في المهرجانات.

في السياق المصري، هذه النقطة بالذات حاسمة. كثير من المحاولات الشابة في الرعب تبقى عالقة بين الإعجاب المحدود على الإنترنت وبين غياب المظلة المؤسسية. أما عندما يدخل فيلم قصير من هذا النوع إلى الجونة، فإنه يتحول من «تجربة طلابية أو مستقلة» إلى عنوان قابل للمتابعة النقدية والبرمجة والتوزيع المهرجاني. ومن هنا تأتي الدفعة المبكرة الحقيقية.

جاد شاهين: اسم شاب يتراكم لا يظهر من فراغ

الرهان على «الخبيث» يرتبط أيضًا باسم مخرجه جاد شاهين. شاهين، المولود عام 1998 بحسب بياناته المهنية المتداولة، درس الإخراج في المعهد العالي للسينما بالقاهرة، وعمل مساعدًا مع المخرج يسري نصر الله. كما أن فيلمه القصير الأول «الترعة» شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان عام 2023، وهو ما وضعه مبكرًا ضمن جيل يملك لغة بصرية وطموحًا مهرجانيًا واضحًا.

هذا المسار مهم عند قراءة «الخبيث». نحن لا نتحدث عن دخول مخرج جديد إلى الرعب كحيلة للفت الانتباه، بل عن صانع أفلام شاب يبني مشروعه خطوة بخطوة، وينتقل الآن إلى منطقة أكثر مخاطرة من حيث النوع السينمائي. كما أن الفيلم حصل على منحة إنتاجية من المورد الثقافي عام 2025، وهي إشارة إضافية إلى أن المشروع حظي بقدر من الثقة والدعم قبل وصوله إلى منصة العرض.

هل هذا يعني بداية موجة رعب مصرية جديدة؟

ليس بهذه السرعة، لكن يمكن القول إن «الخبيث» قد يكون أحد العلامات المبكرة على تغير المزاج. فالرعب المصري، خصوصًا في السينما المستقلة والقصيرة، ظل لسنوات يتأرجح بين محاولات بصرية واعدة ونصوص غير ناضجة، أو بين استعارة مرجعيات أجنبية وبين توظيف الفولكلور الشعبي بشكل سطحي. ما يبدو لافتًا في «الخبيث» هو أن منطلقه، وفق المعلومات المعلنة، مصري تمامًا: قرية صيد، وباء يطال النساء، مجتمع يحمّل الضحايا عبء الكارثة، وشاب محاصر بين العاطفة والامتثال.

إذا نجح الفيلم فنيًا عند عرضه، فالقيمة لن تكون في جائزة محتملة فقط، بل في الرسالة التي يبعثها إلى المنتجين والمبرمجين الشباب: الرعب المحلي يمكن أن يكون مادة مهرجانية جادة، وليس مجرد منتج تجاري أو مساحة هامشية. وهذا بالتحديد ما تحتاجه أي موجة جديدة كي تبدأ.

ما الذي يحتاجه هذا الجيل بعد الدفعة الأولى؟

  • نصوص أقوى تربط الرعب بالسياق المصري بدل الاعتماد على المؤثرات وحدها.
  • منتجون أكثر جرأة في تمويل الأفلام القصيرة والمتوسطة ذات الطابع النوعي.
  • دوائر عرض ومهرجانات تمنح هذه الأعمال مساحة نقدية لا استعراضية فقط.
  • تراكم مهني يسمح للمخرجين بالانتقال من الفيلم القصير إلى الطويل دون فقدان هويتهم.

الخلاصة: دفعة مبكرة نعم، لكن الامتحان يبدأ بعد العرض

الجواب الأقرب للواقع هو: نعم، يمكن أن يمنح العرض العالمي الأول لـ«الخبيث» دفعة مبكرة لجيل جديد من صناع الرعب المصري، لكن بشرط ألا نتعامل مع المشاركة نفسها باعتبارها النهاية. أهميتها أنها تمنح الشرارة: اعتراف مهرجاني، اهتمامًا صحفيًا، وصياغة ثقة في أن الرعب المصري القصير قادر على دخول المسابقات الكبرى داخل مصر.

أما الحسم الحقيقي فسيعتمد على ما إذا كان الفيلم سيترجم فكرته الواعدة إلى تجربة متماسكة على الشاشة، وما إذا كانت الصناعة ستلتقط الإشارة وتبني عليها. في كل الأحوال، يبدو «الخبيث» اليوم واحدًا من أكثر العناوين المصرية القصيرة إثارة للاهتمام في موسم الجونة 2026، ليس فقط لأنه فيلم جديد، بل لأنه يختبر مبكرًا إمكان أن يتحول الخوف المحلي إلى لغة سينمائية جديدة لجيل مصري شاب يبحث عن صوته الخاص.