هل كان «جودزيلا» 1998 فشلاً فعلًا؟ الأرقام تروي قصة أخرى
إعادة تقييم فيلم كثيرون يتذكرونه على نحوٍ غير منصف
في ذاكرة جمهور السينما، خصوصًا محبي أفلام الوحوش العملاقة والخيال العلمي، ظل Godzilla الصادر عام 1998 عنوانًا ملازمًا لفكرة “الفيلم الذي خيب الآمال”. لكن عند العودة إلى الأرقام الفعلية وإلى سياق سوق السينما في نهاية التسعينيات، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا بكثير من الحكم السريع الذي استقر في الوعي العام. فالفيلم الذي أخرجه رولاند إمريش لم يكن نجاحًا نقديًا، ولم يصبح العمل المحبوب داخل تاريخ الشخصية، لكنه أيضًا لم يكن الكارثة التجارية المطلقة التي يرددها كثيرون.
هذه النقطة مهمة للقارئ المصري تحديدًا، لأن الكثير من أحكامنا على أفلام هوليوود القديمة يصلنا عبر السمعة المتداولة أكثر من الأرقام الأصلية. وفي حالة Godzilla (1998)، هناك فارق واضح بين فشل الاستقبال الفني وبين حقيقة الأداء في شباك التذاكر.
ماذا تقول الإيرادات فعلًا؟
بحسب بيانات Box Office Mojo، حقق الفيلم إيرادات محلية في الولايات المتحدة بلغت 136.3 مليون دولار، فيما وصلت إيراداته الدولية إلى 242.7 مليون دولار، ليبلغ الإجمالي العالمي نحو 379 مليون دولار. كما سجّل افتتاحية محلية قدرها 44 مليون دولار عند طرحه في مايو 1998. وتضعه البيانات نفسها في المركز الثالث عالميًا بين أعلى أفلام 1998 إيرادًا على مستوى العالم، خلف Armageddon وSaving Private Ryan.
أما موقع The Numbers فيسجل للفيلم إجماليًا عالميًا يقارب 376 مليون دولار مع ميزانية إنتاج مقدرة بنحو 125 مليون دولار. الفروق الطفيفة بين قواعد البيانات أمر معتاد في أرشفة الإيرادات، لكنها لا تغيّر الخلاصة الأساسية: الفيلم جمع أرقامًا كبيرة جدًا بالنسبة إلى سوق 1998.
لماذا إذن التصق به وصف “الفشل”؟
السبب الأول أن الحملة الدعائية وقتها كانت ضخمة إلى درجة رفعت سقف التوقعات بشكل مبالغ فيه. الاستوديو قدّم الفيلم كحدث سينمائي استثنائي، لا كفيلم صيفي ناجح فحسب. وعندما لا يحقق العمل الهيمنة الثقافية التي وُعد بها الجمهور، تبدأ سمعة “الخيبة” حتى لو كانت العوائد المالية مرتفعة.
السبب الثاني أن المقارنة لم تكن فقط بالأرقام، بل أيضًا بالهوية. جمهور Godzilla التقليدي، وخاصة متابعي النسخ اليابانية المرتبطة باستوديو Toho، لم يتعامل بحماس مع النسخة الأمريكية الجديدة. كثير من الجدل دار حول تصميم الوحش نفسه، وطريقة تحريكه داخل الحبكة، والتحول من رمز سينمائي ثقيل الجذور إلى مخلوق أقرب لأفلام المطاردة والكوارث الأمريكية.
بين النجاح التجاري والرفض النقدي
هنا تكمن المفارقة الأساسية في مراجعة الفيلم اليوم: Godzilla 1998 قد يكون مثالًا كلاسيكيًا على فيلم لم ينهَر في الشباك، لكنه خسر معركة السمعة. فالعمل من بطولة ماثيو برودريك، وجان رينو، وماريا بيتيلو، وهانك أزاريا، وطرحته Sony Pictures عبر TriStar Pictures. وعلى المستوى التجاري البحت، كان من المستحيل اعتباره فيلمًا مجهول الأثر أو ضعيف الحضور، لأنه ببساطة دخل قائمة أكبر أفلام العام عالميًا.
لكن في المقابل، لم تتحول هذه الأرقام إلى إرث نقدي إيجابي. كثير من المتابعين رأوا أن الفيلم يحمل بصمة رولاند إمريش المعهودة في التدمير البصري واسع النطاق، لكنه لا يمنح “جودزيلا” المكانة الأسطورية التي يتوقعها الجمهور من الشخصية. ولذلك ظل الحديث عنه لسنوات بوصفه تجربة صاخبة بصريًا، لكنها مفصولة عاطفيًا عن جوهر السلسلة.
ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن رولاند إمريش لم يكن آنذاك اسمًا عابرًا؛ فقد جاء إلى المشروع بعد النجاح الكبير لفيلم Independence Day، وهو ما ضاعف توقعات الجمهور والنقاد. هذه الخلفية جعلت أي نتيجة أقل من “الانتصار الساحق” تبدو وكأنها إخفاق، حتى لو كانت الحسابات المالية تقول غير ذلك.
كيف نقرأ الفيلم اليوم كمادة في قسم «مراجعات الأفلام»؟
إذا ابتعدنا عن سجال “هل هو جودزيلا الحقيقي أم لا؟”، سنجد أن الفيلم يحمل قيمة مشاهدة مرتبطة بزمنه. فهو ينتمي بوضوح إلى موجة أفلام التسعينيات التي اعتمدت على النجومية الخفيفة، والإيقاع السريع، والمؤثرات الرقمية التي كانت وقتها في مرحلة توسع حاسم. لهذا السبب، قد يشاهده جمهور اليوم في مصر باعتباره وثيقة عن شكل البلوكباستر الأمريكي قبل هيمنة عالم الأبطال الخارقين.
كما أن أداء ماثيو برودريك في دور الدكتور نيكو تاتوبولوس يمنح الفيلم مسارًا مختلفًا عن أفلام الوحوش التقليدية؛ فالبطل هنا ليس رجلًا خارقًا، بل عالم يُدفع إلى قلب الفوضى. أما جان رينو، فحضورُه يمنح الفيلم نكهة خاصة، خصوصًا مع الشخصية التي تجمع بين الجدية والسخرية الخفيفة.
هذا لا يعني أن الفيلم بلا مشكلات. على العكس، هناك ملاحظات واضحة على بناء الشخصيات، وطول بعض المقاطع، والتردد بين الرعب الخفيف والفيلم العائلي وفيلم الكارثة. لكن هذه العيوب نفسها لا تبرر اختزال العمل في كلمة “فشل”، لأن تقييم الفيلم فنيًا شيء، والحكم على مردوده التجاري شيء آخر تمامًا.
الأرقام تضعه في مكان مختلف داخل تاريخ السلسلة
ضمن تاريخ أفلام Godzilla في شباك التذاكر، لا يبدو إصدار 1998 هامشيًا. فبيانات The Numbers تضعه ضمن الأعمال الكبيرة في تاريخ الامتياز من حيث الإيرادات العالمية، كما أن حصته الدولية كانت قوية، إذ جاء نحو 64% من دخله من خارج السوق الأمريكية وفق أرقام Box Office Mojo. هذه نقطة لافتة لأنها تعني أن الفيلم لم يعتمد فقط على زخم الافتتاح المحلي، بل وجد جمهورًا واسعًا عالميًا.
وللقارئ المصري الذي يتابع تطور سلاسل الأفلام الكبرى، فهذه الحالة تذكّرنا بأن السمعة على الإنترنت ليست دائمًا مرآة للحقيقة التاريخية. هناك أفلام تخسر نقديًا وتربح تجاريًا، وأخرى يحدث معها العكس. Godzilla 1998 يقع بوضوح في المنطقة الأولى: فيلم مختلف عليه بشدة، لكنه لم يكن انهيارًا ماليًا.
الخلاصة
بعد ما يقرب من ثلاثة عقود على عرضه، تبدو أفضل طريقة للتعامل مع Godzilla (1998) هي فصله عن الأسطورة المحيطة به، ثم الحكم عليه بهدوء. نعم، الفيلم لم يرضِ كثيرًا من محبي الشخصية، ولم ينجح في بناء مكانة نقدية محترمة. لكن الأرقام الموثقة تقول بوضوح إنه حقق ما بين 376 و379 مليون دولار عالميًا، مقابل ميزانية إنتاج تراوحت حول 125 إلى 130 مليون دولار. أي أنه لم يكن “سقطة شباك” كما يتصور البعض، بل عملًا تجاريًا كبيرًا أفسدته التوقعات الضخمة والرفض الفني أكثر مما أفسدته الحسابات.
وفي النهاية، ربما تكون المراجعة العادلة اليوم هي هذه: جودزيلا 1998 ليس فيلمًا عظيمًا، لكنه أيضًا ليس الفشل الشهير الذي حفظته الذاكرة الشعبية. أحيانًا تكون السمعة أعلى صوتًا من الحقيقة، لكن شباك التذاكر لا يكذب.