Egypt Box Office

هل قيّد «سوبرمان» موهبة كريستوفر ريف بعد انطلاقته الكبرى؟

نجومية صنعتها الكاميرا… وقيدتها أيضًا

حين يُذكر كريستوفر ريف، تقفز إلى الذهن فورًا صورة البطل الطائر ببدلته الزرقاء وعباءته الحمراء. هذا الارتباط لم يأتِ من فراغ؛ ففيلم «سوبرمان» الصادر عام 1978، بإخراج ريتشارد دونر، كان نقطة التحول الأكبر في مسيرة الممثل الأمريكي الراحل، والعمل الذي وضعه في مصاف النجوم عالميًا. موقع DC الرسمي يصف الفيلم بأنه العمل الذي جعل ريف “نجمًا دوليًا”، وهو توصيف يلخّص بدقة أثر الفيلم وقت عرضه.

لكن المفارقة أن هذا النجاح الساحق نفسه كان، في نظر مخرجه، عبئًا على صاحبه. الفكرة ليست أن الفيلم فشل أو أساء إلى صورته، بل العكس تمامًا: لقد نجح إلى درجة جعلت الجمهور وصنّاع السينما يرون ريف أولًا وأخيرًا بوصفه سوبرمان، لا ممثلًا قادرًا على تبديل جلده من دور إلى آخر.

لماذا كان اختيار ريف مهمًا إلى هذه الدرجة؟

قبل الفيلم، لم يكن كريستوفر ريف اسمًا جماهيريًا بالمعنى الهوليوودي الكبير. ريتشارد دونر راهن على وجه غير مستهلك، وهو قرار منح الشخصية مصداقية خاصة على الشاشة. فيلم 1978 لم يعتمد فقط على حضور البطل، بل أيضًا على طاقم لافت ضم مارلون براندو وجين هاكمان ومارجوت كيدر، مع موسيقى خالدة من جون ويليامز. وقد عُرض الفيلم في الولايات المتحدة في 15 ديسمبر 1978، وتحوّل سريعًا إلى واحد من أهم أفلام الأبطال الخارقين في تاريخ السينما.

الرهان على ممثل غير مشهور كان سلاحًا فنيًا ناجحًا. الجمهور لم يرَ نجمًا يؤدي دور سوبرمان، بل رأى سوبرمان نفسه. وهنا تحديدًا تكمن العقدة التي ستظهر لاحقًا: كلما زادت مطابقة الممثل لشخصية أيقونية، صارت مغادرتها أصعب.

بين البطولة الخارقة والتمثيل النمطي

في صناعة السينما، هناك مصطلح معروف هو التمثيل النمطي، أي أن يلتصق ممثل بدور واحد أو نوع محدد من الشخصيات إلى الحد الذي يجعل الجمهور والمنتجين يطلبونه دائمًا بالصورة نفسها. هذا ما بدا أنه حدث مع ريف. فنجاحه الهائل في «Superman» ثم استكماله السلسلة في «Superman II» عام 1980، و«Superman III» عام 1983، و«Superman IV: The Quest for Peace» عام 1987، عزز حضوره الأيقوني، لكنه ضيق في الوقت نفسه مساحة المفاجأة في اختياراته التالية.

واللافت أن بعض الأعمال التي قدمها خارج العباءة الحمراء كانت محاولة واعية للهرب من هذه الصورة. من أبرزها «Somewhere in Time» عام 1980، و«Deathtrap» عام 1982. وتشير مواد أرشيفية منشورة لدى TCM إلى أن «Deathtrap» منح ريف فرصة تمثيلية مختلفة عن أدواره التي رسختها أفلام «سوبرمان»، بما يعني أن الرجل كان يحاول بالفعل إثبات اتساع مداه كممثل، لا الاكتفاء بالبطولة الخارقة.

ريتشارد دونر: نجاح الدور كان أكبر من صاحبه

عندما يتحدث متابعو السينما عن ريتشارد دونر، فهم يتحدثون عن مخرج لم يصنع مجرد فيلم ناجح، بل وضع قالبًا مؤثرًا لما يمكن أن يكون عليه فيلم البطل الخارق الجاد والمقنع. المعهد الأمريكي للسينما AFI يرى أن «سوبرمان» 1978 كان من الأفلام التي منحت هذا النوع شرعية جماهيرية واسعة قبل انفجار عصر الأبطال الخارقين الحديث بسنوات طويلة.

من هذا المنطلق، يصبح مفهومًا لماذا كان دونر يرى أن المكسب الفني الضخم لريف جاء بثمن مهني. فالمشكلة لم تكن في جودة الأداء، بل في اكتماله. ريف لم يقدّم نسخة عادية من سوبرمان؛ قدّم أداءً أصبح معيارًا تُقاس عليه كل النسخ اللاحقة تقريبًا. لذلك بدا وكأن الشخصية ابتلعته جماهيريًا، حتى حين حاول تقديم أدوار أكثر تنوعًا.

هذه النظرة عادت إلى الواجهة بقوة مع تجدد الاهتمام بسيرته خلال الفيلم الوثائقي «Super/Man: The Christopher Reeve Story»، الذي عُرض لأول مرة في مهرجان صندانس 2024، ثم وصل إلى دور العرض الأمريكية في أكتوبر 2024 وفق ما نشرته مؤسسة كريستوفر وداينا ريف. الوثائقي أعاد تقديم ريف ليس فقط كنجم لعب دورًا خالدًا، بل كفنان وإنسان وناشط تجاوز لاحقًا صورته السينمائية عبر نضاله من أجل حقوق ذوي الإعاقة وأبحاث إصابات الحبل الشوكي.

قراءة نقدية: هل أضر «سوبرمان» فعلًا بمسيرته؟

الإجابة الأدق، من زاوية نقدية، هي: نعم ولا. نعم، لأن الدور وضعه داخل قالب يصعب كسره، وخلق لدى السوق السينمائية توقعًا ثابتًا بشأنه. ولا، لأن الفيلم نفسه هو ما منحه مكانته التاريخية التي لا يزال يحتفظ بها حتى اليوم. من دون «سوبرمان»، ربما كان ريف سيبني مسيرة أكثر تنوعًا على مهل؛ لكن من دونه أيضًا ربما لم يكن ليصبح هذا الاسم الراسخ في ذاكرة السينما العالمية.

وهنا تظهر المفارقة التي تهم قارئ قسم «مراجعات الأفلام»: بعض الأدوار العظيمة لا تكتفي بخدمة الفيلم، بل تعيد تشكيل مصير الممثل كله. وهذا ما حدث مع كريستوفر ريف. لقد منح الشخصية بعدًا إنسانيًا جعل كل من جاء بعده يدخل في مقارنة تلقائية معه، لكنه دفع ثمن هذا الإنجاز من حريته المهنية في نظر كثيرين، وعلى رأسهم دونر نفسه.

لماذا تبقى تجربة ريف حية حتى الآن؟

بالنسبة لجمهور السينما في مصر والعالم العربي، فإن العودة إلى «سوبرمان» 1978 لا تبدو مجرد حنين إلى فيلم قديم، بل مراجعة للمرحلة التي سبقت هيمنة الاستوديوهات الحديثة على أفلام الكوميكس. هناك بساطة سردية، ورهان واضح على الكاريزما، وإيمان بأن البطولة الخارقة لا تنجح بالمؤثرات وحدها، بل بالممثل القادر على جعل المستحيل مقنعًا.

لهذا بالتحديد يبقى كريستوفر ريف حالة خاصة. لقد صار نجمًا عالميًا بسبب دور واحد، ثم أمضى جانبًا مهمًا من حياته الفنية يحاول إقناع العالم بأنه أكثر من هذا الدور. وربما لهذا السبب لا يزال الجدل قائمًا: هل كان «سوبرمان» أعظم هدية تلقاها، أم القفص الذهبي الذي أغلق عليه؟

خلاصة المراجعة

  • فيلم «سوبرمان» 1978 صنع نجومية كريستوفر ريف على مستوى عالمي.
  • ريتشارد دونر رأى أن قوة ارتباط ريف بالشخصية ربما حدّت من خياراته لاحقًا.
  • أعمال مثل «Somewhere in Time» و«Deathtrap» تكشف أنه كان يسعى لتأكيد تنوعه التمثيلي.
  • الوثائقي «Super/Man: The Christopher Reeve Story» أعاد فتح النقاش حول إرثه الفني والإنساني في 2024.
  • من منظور نقدي، يبقى «سوبرمان» مثالًا نادرًا على دور يمنح الخلود لصاحبه، لكنه قد يضيّق أيضًا مساحة تحوله.

في النهاية، سواء اتفقنا مع تقييم دونر أو اختلفنا معه، يبقى الثابت أن كريستوفر ريف لم يكن مجرد ممثل ارتدى بدلة بطل خارق، بل فنانًا التحم بدور إلى الحد الذي جعل الفصل بين الاثنين شبه مستحيل. وهذه، في تاريخ السينما، نعمة نادرة… وعبء نادر أيضًا.