هل تنجح «سينما على الطريق» في توسيع جمهور الجونة؟
من الجونة إلى الصعيد: ماذا تعني «سينما على الطريق» فعليًا؟
في لحظة تتكرر فيها الشكوى من تمركز العروض السينمائية النوعية داخل القاهرة أو في نطاق المهرجانات والمنتجعات، تبدو مبادرة «سينما على الطريق» التي أطلقها مهرجان الجونة السينمائي (@elgounafilmfestivalofficial على إنستغرام) محاولة عملية لاختبار سؤال قديم في السوق الثقافي المصري: هل يمكن لأفلام المهرجانات أن تجد جمهورًا خارج دوائر النخبة والعاصمة؟ المبادرة أُعلن عنها في 16 أكتوبر 2026، بتنظيم مشترك بين مهرجان الجونة ومؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية، وبالتعاون مع جمعية النهضة العلمية والثقافية «جزويت القاهرة»، على أن تقدم عروضًا مجانية في خمس محافظات مصرية يتبعها نقاش مفتوح مع الجمهور.
المسار الزمني للمبادرة واضح ومحدد: البداية من قصر ثقافة الغردقة يوم 23 أكتوبر، ثم جمعية الجزويت والفرير للتنمية في المنيا يوم 24 أكتوبر، ثم قصر ثقافة قنا يوم 25 أكتوبر، ومكتبة مصر العامة بالأقصر يوم 26 أكتوبر، ومكتبة مصر العامة بأسوان يوم 27 أكتوبر، قبل ختام خاص في القاهرة نهاية الشهر داخل مسرح ستوديو ناصيبيان التابع لجزويت القاهرة. هذا الامتداد بعد ختام الدورة التاسعة نفسها، التي أُقيمت بين 15 و23 أكتوبر 2026، يعني أن المهرجان يحاول لأول مرة بوضوح تحويل برمجته من حدث محدود المكان والزمان إلى أثر يمتد ميدانيًا داخل المحافظات.
ما الذي يُعرض على الجمهور؟
المبادرة لا تحمل برنامجًا ضخمًا، لكنها ليست عشوائية. الاختيار وقع على ثلاثة أفلام قصيرة من البرنامج الرسمي للدورة التاسعة، مدة كل منها 15 دقيقة: «ارتباك» للمخرجة المصرية مريم عبد الجابر، و«الخبيث / My Village Blamed Women for the End of Mankind» للمخرج المصري جاد شاهين، إلى جانب الفيلم التشيكي «تواصل / Contact» للمخرجة آنا بيلوفا، المعروض بالإنجليزية مع ترجمة عربية. تنويع الاختيار بين عملين مصريين وفيلم دولي قصير يمنح البرنامج توازنًا بين القرب المحلي والانفتاح على أشكال سرد مختلفة.
واللافت أن الفيلمين المصريين ليسا مجرد حضور بروتوكولي. «ارتباك» هو أول تجربة درامية قصيرة لمريم عبد الجابر، وتدور قصته حول موظفة شابة في سوبرماركت تتلقى ظرفًا غامضًا من سيدة مسنة، لتدخل بعدها إلى شقتها وتواجه موقفًا أخلاقيًا ونفسيًا معقدًا، ويضم الفيلم ركين سعد ومنحة البطراوي. أما «الخبيث» لجاد شاهين، فهو يدور في قرية يضربها وباء قاتل يصيب النساء، فيتحول الخوف إلى عنف جماعي، ويشارك في بطولته عزيز الجزار وهبة خيال وندى فوزي وهناء المصري. هذه ليست أفلامًا تجارية بالمعنى المعتاد، لكنها أفلام ذات أفكار مكثفة وقابلة للنقاش، وهو بالضبط ما تراهن عليه المبادرة.
الأهم أن «الخبيث» خرج من الدورة التاسعة بجائزة نجمة الجونة البرونزية للفيلم القصير، ما يمنح برنامج الجولة قيمة إضافية؛ فالجمهور في المحافظات لا يشاهد فقط أفلامًا من المهرجان، بل يشاهد أحد الأعمال التي لفتت لجنة التحكيم بالفعل داخل المسابقة الرسمية.
لماذا قد تنجح المبادرة خارج القاهرة؟
1) لأنها مجانية وتذهب إلى الناس بدلًا من انتظارهم
النجاح الأول المحتمل هنا ليس رقميًا فقط، بل لوجستي. العروض مجانية، وتُقام في فضاءات ثقافية معروفة داخل المحافظات، مثل قصور الثقافة ومكتبات مصر العامة ومقار الجزويت. هذا يخفض حاجزين أساسيين دائمًا: سعر التذكرة، ومشقة الوصول إلى العرض. في سوق ثقافي تعاني فيه مدن كثيرة من ندرة البرمجة السينمائية غير التجارية، يصبح مجرد انتظام موعد عرض مجاني حدثًا مهمًا بحد ذاته.
2) لأنها تعتمد على النقاش لا العرض فقط
المبادرة لا تكتفي بتشغيل الأفلام ثم الانصراف؛ فكل عرض يتبعه نقاش مفتوح مع الجمهور يديره نقاد شباب من طلاب أكاديمية الصناعة التابعة لجزويت القاهرة. هذه النقطة مهمة جدًا في مدن لا تتوفر فيها باستمرار نوادي سينما أو حلقات مشاهدة جماعية. تحويل الفيلم القصير إلى مناسبة حوارية قد يزيد من تفاعل الجمهور مع أفلام المهرجانات، ويخفف الإحساس الشائع بأنها «صعبة» أو «مغلقة» على جمهور محدود.
3) لأنها تستفيد من خبرة قائمة في الصعيد
وجود جمعية النهضة العلمية والثقافية «جزويت القاهرة» في الشراكة ليس تفصيلًا إداريًا. بحسب الإعلان الرسمي، ترى المخرجة ميسون المصري، نائبة مدير مشروع السينما في الجزويت، أن المبادرة تتسق مع عمل الجمعية في إتاحة تعليم السينما ونشر ثقافتها في محافظات الصعيد والمناطق المهمشة ثقافيًا. بمعنى آخر، الجولة لا تبدأ من الصفر تمامًا، بل تبني على بنية خبرة وعلاقات محلية تراكمت عبر سنوات من نوادي السينما والتدريب.
لكن أين حدود التفاؤل؟
مع ذلك، هناك فارق كبير بين جولة عروض ناجحة وبين توسيع حقيقي ومستدام للجمهور. ثلاثة أفلام قصيرة فقط، على مدار خمسة أيام، قد تصنع أثرًا إعلاميًا جيدًا وانطباعًا ثقافيًا إيجابيًا، لكنها لا تكفي وحدها لتغيير خريطة التلقي السينمائي في مصر. التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الجولة: هل ستتحول «سينما على الطريق» إلى برنامج دوري؟ هل ستتوسع لاحقًا إلى محافظات أخرى؟ وهل ستضيف أفلامًا روائية طويلة ووثائقية، أم ستظل مرتبطة بجرعات قصيرة مرتبطة بالمهرجان السنوي؟
البيان الرسمي نفسه يلمح إلى أن الهدف هو توسيع الوصول أكثر من صناعة شباك تذاكر مباشر؛ فأندرو محسن تحدث عن نقل التجربة إلى محافظات لا تحظى عادة بقدر كاف من الفعاليات السينمائية، فيما أكدت ليلى حسني أن الثقافة «ليست رفاهية»، بل جزء من التنمية وحق للجميع، وأشار عمرو منسي إلى أن المبادرة وسيلة لربط الجونة بباقي أنحاء البلاد. هذه اللغة تعكس تصورًا ثقافيًا وتنمويًا للمبادرة أكثر من كونها مشروع توزيع تجاري. ونجاحها، إذن، يجب أن يُقاس بقدرتها على بناء عادة مشاهدة ونقاش، لا بعدد التذاكر المباعة.
ما الذي يمكن أن يجعل التجربة أكثر تأثيرًا؟
- الاستمرارية: أن تتكرر العروض على مدار العام، لا فقط بعد الدورة التاسعة.
- التنوع: توسيع البرنامج إلى أفلام طويلة ووثائقية مصرية مرتبطة بقضايا محلية تهم جمهور المحافظات.
- الشراكات المحلية: تثبيت التعاون مع قصور الثقافة، المكتبات العامة، ومراكز المجتمع المدني في الصعيد.
- الربط بالتعليم السينمائي: استثمار النقاشات في ورش مشاهدة وكتابة نقدية للشباب.
- تتبع الأثر: إعلان أرقام الحضور وردود الفعل لاحقًا سيعطي صورة أوضح عن حجم النجاح الفعلي.
الخلاصة: مبادرة واعدة.. لكن الحكم مؤجل
الإجابة القصيرة هي: نعم، يمكن أن تنجح «سينما على الطريق» في توسيع جمهور أفلام الدورة التاسعة، ولكن بشروط. المبادرة في صيغتها الحالية تبدو بداية ذكية ومطلوبة: عروض مجانية، أفلام مختارة من البرنامج الرسمي، شراكة مع مؤسسة ساويرس (@sawiris.fsd على إنستغرام) والجزويت، ومحطات واضحة في المنيا وقنا والأقصر وأسوان، أي في قلب مصر خارج المركز التقليدي للعرض. لكن تحويل هذه البداية إلى نجاح حقيقي يتطلب أن تصبح الجولة سياسة عرض لا حدثًا احتفاليًا عابرًا. إذا حدث ذلك، فقد تكسب أفلام المهرجانات في مصر حياة ثانية بعد السجادة الحمراء؛ حياة أقرب إلى الناس، وأكثر اتساعًا من حدود القاهرة والمنتجعات.