Egypt Box Office

هل تفتح الغردقة بابًا جديدًا للأفلام القصيرة المصرية؟

الغردقة تدخل المشهد من بوابة الفيلم القصير

مع انطلاق الدورة الرابعة من مهرجان الغردقة لسينما الشباب يوم الخميس 10 سبتمبر 2026 واستمرارها حتى 15 سبتمبر، بدا واضحًا أن المهرجان لم يعد مجرد فعالية موسمية على البحر الأحمر، بل محاولة جادة لبناء مساحة سينمائية لها ملامحها الخاصة خارج مركز الثقل التقليدي في القاهرة. البداية نفسها كانت لافتة: اختيار الفيلم الروائي القصير «أحياء أم أموات» ليكون فيلم الافتتاح في عرضه العالمي الأول داخل قصر ثقافة الغردقة. الفيلم من بطولة أحمد الفيشاوي (@fishawyofficial على إنستغرام) وجيهان خيري، ومن تأليف وإخراج آدم حال. مدته تقارب 14 دقيقة، ويدور حول أثر التكنولوجيا في العلاقات الإنسانية وما تخلقه من جمود عاطفي وتباعد اجتماعي داخل حياة زوجين. هذا الاختيار وحده يقول كثيرًا عن الرهان الذي يحاول المهرجان تثبيته: فيلم قصير مصري، مخرج شاب جدًا، وافتتاح رسمي في مدينة ساحلية بعيدة عن مركز الصناعة المعتاد.

لماذا يُعد «أحياء أم أموات» اختيارًا ذكيًا للافتتاح؟

الاختيار لا يعتمد فقط على وجود اسم معروف مثل أحمد الفيشاوي، بل على التوليفة كلها. فالمخرج آدم حال قُدِّم في التغطيات الصحفية بوصفه أصغر مخرج مشارك في المهرجان، وهو من مواليد 12 يناير 2007. وبحسب المعلومات المنشورة عن العمل، فإن «أحياء أم أموات» هو الفيلم الثاني له بعد تجربة وثائقية أولى عن متحف التحرير المصري. معنى ذلك أن المهرجان لا يفتتح فقط بفيلم قصير، بل يفتتح أيضًا بموقف رمزي: إعطاء المنصة لمخرج شاب جدًا في لحظة عرض عالمي أول داخل مصر، وليس في مهرجان أجنبي أو عبر منصة رقمية.

هذا مهم لسببين. الأول أن الأفلام القصيرة المصرية غالبًا ما تعاني من محدودية العرض العام، حتى عندما تحظى بتقدير نقدي أو مشاركات دولية. والثاني أن عرض الفيلم في افتتاح مهرجان ناشئ نسبيًا يمنح الغردقة فرصة لربط اسمها مباشرة بمسار اكتشاف المواهب، لا بمجرد استضافة عروض عابرة.

هل يملك المهرجان مقومات منصة حقيقية؟

الإجابة الأقرب هي: نعم، لكن بشروط. على مستوى البنية التنظيمية، المهرجان أعلن هذا العام عن برنامج مسابقات متعدد يشمل مسابقة الأفلام الطويلة، ومسابقة الأفلام القصيرة الروائية والتسجيلية، ومسابقة أفلام الطلبة، إلى جانب جائزة خضراء للأفلام الداعمة للسياحة البيئية. كما أن باب التقديم للدورة الرابعة فُتح للأفلام المنتجة في 2025 و2026، تحت رعاية وزارة الثقافة. هذه التفاصيل مهمة لأنها تكشف أن المهرجان لا يعمل بمنطق الاحتفال فقط، بل بمنطق البرمجة والتصنيف وخلق مسارات تنافسية واضحة.

وفي مسابقة الأفلام القصيرة الروائية والتسجيلية تحديدًا، أعلن المهرجان مشاركة 27 فيلمًا من 17 دولة، من بينها الفيلم المصري «ولأننا معًا» للمخرج أحمد عبدالعليم قاسم، إلى جانب أعمال من العراق وروسيا والصين وغيرها. أما مسابقة أفلام الطلبة فتضم 22 فيلمًا، موزعة بالتساوي بين 11 فيلمًا مصريًا و11 فيلمًا دوليًا. هذا الرقم مهم جدًا في سياق السؤال المطروح؛ لأن أي منصة جديدة للأفلام القصيرة المصرية لا تحتاج فقط إلى عرض فيلم افتتاح قوي، بل إلى كتلة برامجية تسمح للاحتكاك والمقارنة والتعلّم وصناعة الشبكات.

الغردقة ليست بديلًا عن القاهرة.. بل وظيفة مختلفة

من الخطأ تصور المسألة باعتبارها صراعًا بين الغردقة والقاهرة. القاهرة ستظل المركز الأكبر للإنتاج، وشركات التوزيع، والمعاهد، والنقابات، والعروض التجارية. لكن ما يمكن أن تفعله الغردقة هو أداء وظيفة مكمّلة: أن تصبح مساحة عرض، واكتشاف، وتدوير انتباه، وبناء جمهور جديد للأفلام القصيرة. الموقع نفسه يخدم هذه الفكرة؛ فالمهرجان يقدّم الغردقة كمدينة قادرة على الجمع بين النشاط الثقافي والحضور السياحي، وهي ميزة تجعل استضافة الضيوف العرب والأجانب أكثر سهولة مقارنة بمدن مصرية أخرى بعيدة عن مسارات السفر الدولية المعتادة.

الموقع الرسمي للمهرجان يربط بين هذه الفكرة وبين رسالته الأساسية: «شباب اليوم.. إلهام الغد»، مع التأكيد على الورش المهنية قبل المهرجان وخلاله. وإذا استمر هذا الخط في التطور، فإن القيمة الحقيقية لن تكون فقط في الجوائز، بل في تحويل المدينة إلى نقطة لقاء منتظمة بين صناع الأفلام الشباب والنقاد والمنتجين والمهتمين بالبرمجة.

ما الذي يدعم هذا الزخم في دورة 2026؟

الزخم الحالي لا يعود إلى فيلم الافتتاح فقط. فالمهرجان أعلن أيضًا عن لجان تحكيم تضم أسماء مصرية وعربية ودولية، بينها المخرجان مجدي أحمد علي وسعيد تولياجانوف، والفنانة عبير صبري، والفنان أحمد فتحي، والدكتور خالد عبدالجليل. كذلك شهدت الدورة الرابعة توسيعًا للفعاليات المصاحبة، مع ورش عمل وبرامج موازية، وإطلاق قسم «صوت السينما» الذي اختار حمادة هلال كأول المكرمين فيه، إضافة إلى تكريم الفنانة شيري عادل في حفل الافتتاح. هذا التنوع يساعد في جذب التغطية الإعلامية والنجوم، لكنه يصبح ذا قيمة حقيقية فقط إذا ظل مرتبطًا بخدمة الأفلام نفسها، لا أن يتحول إلى غطاء احتفالي يفوق حجم البرمجة.

كما أن وجود دعم مؤسسي وشراكات حول مسابقات محددة، بينها ما أُعلن عن تقديم جوائز مالية لمسابقة أفلام الطلبة، يعزز فكرة أن المهرجان يحاول تأسيس مسار مستدام، لا الاكتفاء بصورة دعائية سنوية. بالنسبة للأفلام القصيرة المصرية تحديدًا، أي دعم مالي أو معنوي موجه إلى الطلبة وصناع البدايات يمثل استثمارًا مباشرًا في الحلقات الأولى من الصناعة.

التحدي الحقيقي: ماذا بعد المهرجان؟

هنا تتحدد الإجابة النهائية عن سؤال المقال. نعم، انطلاق الدورة الرابعة في 10 سبتمبر 2026، واختيار «أحياء أم أموات» لآدم حال كعرض عالمي أول، يصنعان لحظة زخم حقيقية. لكن تحويل هذا الزخم إلى منصة جديدة للأفلام المصرية القصيرة خارج القاهرة يحتاج إلى ما هو أبعد من الافتتاح الناجح.

  • أولًا: الاستمرارية في اكتشاف أفلام مصرية قصيرة جديدة ومنحها عروضًا أولى أو مصرية مهمة.
  • ثانيًا: بناء شبكة مع المراكز الثقافية والجامعات ونوادي السينما في المحافظات حتى لا يبقى العرض محصورًا في أيام المهرجان.
  • ثالثًا: تطوير سوق مصغر أو منصة لقاءات مهنية تربط المخرجين الشباب بمنتجين ومبرمجين ومؤسسات دعم.
  • رابعًا: توثيق الدورة وأفلامها وندواتها بشكل احترافي، بما يسمح بتحويلها إلى مرجع سنوي لصناع الأفلام والجمهور.

النتيجة: فرصة حقيقية.. وليست محسومة بعد

ما يحدث في الغردقة هذا سبتمبر ليس تفصيلًا هامشيًا في خريطة السينما المصرية. حين يفتتح مهرجان مصري شاب دورته الرابعة بفيلم قصير مصري جديد في عرضه العالمي الأول، لمخرج في التاسعة عشرة تقريبًا، وبحضور أسماء معروفة وبرنامج مسابقات دولي واضح، فهذا يعني أن هناك محاولة جدية لإعادة توزيع الانتباه السينمائي جغرافيًا ورمزيًا. الغردقة لا تنتزع مكان القاهرة، لكنها تحاول أن تمنح الأفلام القصيرة المصرية عنوانًا إضافيًا، وفرصة مختلفة، وجمهورًا جديدًا.

لذلك يمكن القول إن الزخم الحالي يصنع بداية منصة، لا منصة مكتملة. وإذا نجحت إدارة المهرجان، برئاسة السيناريست محمد الباسوسي، ومعها الفريق الفني والتنظيمي، في تحويل هذه البداية إلى تقليد ثابت من العروض الأولى والورش والروابط المهنية، فقد تصبح الغردقة خلال سنوات قليلة واحدة من أهم نقاط عبور الفيلم القصير المصري خارج العاصمة، لا مجرد محطة جميلة على البحر الأحمر.