هل تعيد «شاهد» إحياء «القصص» بعد ترشيحه لأوسكار 2027؟
بعد الأوسكار.. هل تبدأ الرحلة الحقيقية لـ«القصص» داخل البيوت المصرية؟
دخل فيلم «القصص» مرحلة جديدة ومختلفة تمامًا بعد اختياره رسميًا لتمثيل مصر في سباق الأوسكار 2027 عن فئة أفضل فيلم دولي، وهو قرار أعاد اسم العمل إلى الواجهة الثقافية والإعلامية في توقيت مهم، تزامن مع طرحه حصريًا على منصة «شاهد» يوم 17 سبتمبر 2026. هذا التزامن ليس تفصيلاً عابرًا، لأن كثيرًا من الأفلام المصرية التي لا تحقق انفجارًا جماهيريًا واسعًا في السينمات، تجد حياتها الثانية حين تصبح متاحة رقميًا لجمهور أوسع، أقل ارتباطًا بضغط الموسم وأكثر استعدادًا للمشاهدة الهادئة داخل المنزل.
اللجنة المصرية لاختيار الفيلم المرشح للأوسكار حسمت المنافسة لصالح «القصص»، إذ حصل الفيلم على أعلى الأصوات في مرحلتي التصويت؛ 22 صوتًا في المرحلة الأولى، ثم 14 صوتًا في القائمة القصيرة النهائية، بحسب ما نُشر في تغطيات محلية مصرية خلال الأيام الماضية. كما أن الدورة الـ99 من الأوسكار ستقام يوم 14 مارس 2027، وفق الجدول الرسمي المعلن من الأكاديمية. هذه المعطيات منحت الفيلم دفعة رمزية كبيرة، لكن السؤال الأهم محليًا يظل: هل تتحول هذه الدفعة إلى مشاهدة فعلية واسعة داخل مصر؟
ما الذي يملكه الفيلم أصلًا؟
من حيث التكوين، «القصص» ليس فيلمًا تجاريًا تقليديًا. العمل من تأليف وإخراج أبو بكر شوقي، وبطولة أمير المصري ونيللي كريم وفاليري باشنر وأحمد كمال، وتدور أحداثه حول عازف البيانو المصري أحمد، الذي تنشأ بينه وبين فتاة نمساوية تُدعى ليز علاقة مراسلة طويلة، على خلفية زمنية تمتد من 1967 إلى 1984. وعلى صفحة الفيلم الرسمية في «شاهد»، تصل مدة العمل إلى ساعة و54 دقيقة و36 ثانية، بينما تضعه قواعد البيانات السينمائية العربية في خانة الدراما المصرية متعددة اللغات: العربية والألمانية والإنجليزية.
هذا النوع من الأفلام عادة لا يستند إلى فكرة “النجم الشباكي” وحدها، بل إلى تراكم السمعة النقدية، وفضول المشاهد، وقيمة التوصية الشفوية. ولذلك فإن انتقاله إلى «شاهد» قد يكون مناسبًا لطبيعته أكثر من صخبه داخل موسم عروض مزدحم. جمهور المنصات في مصر يمنح عادة فرصة ثانية للأعمال التي سمع عنها ولم يتمكن من اللحاق بها في السينما، أو التي كان مترددًا في شراء تذكرة لها من الأساس.
ماذا تقول أرقام الشباك عن الجولة الأولى؟
على مستوى شباك التذاكر المصري، لم يكن «القصص» من أفلام القفزات الضخمة. بيانات منصات التوثيق السينمائي المتداولة تشير إلى أن الفيلم طُرح في مصر يوم 10 يونيو 2026، وأن إجمالي إيراداته المسجلة بلغ 6,183,809 جنيهات. كما أظهرت تغطيات محلية في أيامه الأولى أنه حقق في ثالث أيام عرضه نحو 619.9 ألف جنيه مع بيع 3338 تذكرة، وهي أرقام تعكس حضورًا موجودًا، لكنه محدود إذا قورن بأفلام الصيف الأكثر جماهيرية.
هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن الفيلم فشل فنيًا أو جماهيريًا، بل تكشف عن تموضعه الحقيقي في السوق: فيلم مصري درامي موجّه إلى شريحة تحب الحكايات الإنسانية، والنوستالجيا، والتفاصيل التاريخية، والمزاج الأهدأ من إيقاع أفلام الأكشن والكوميديا التجارية. هنا بالتحديد تظهر قيمة الانتقال إلى المنصة؛ لأن الحكم على الفيلم لم يعد مرتبطًا بعدد الشاشات أو مواعيد الحفلات أو مزاحمة العناوين الكبيرة له في الأسبوع نفسه.
لماذا قد يمنحه «شاهد» عمرًا ثانيًا فعلاً؟
1) الزخم الإخباري جاء في اللحظة المناسبة
إتاحة الفيلم على «شاهد» سبقت مباشرة أو واكبت موجة اهتمام جديدة سببها إعلان تمثيله لمصر في الأوسكار. في السوق المحلي، هذه نقطة شديدة الأهمية؛ فالمشاهد الذي تجاهل الفيلم في يونيو قد يعود إليه في سبتمبر بدافع الفضول: لماذا اختارته مصر؟ وما الذي يميزه عن غيره؟ هذا النوع من الأسئلة يصنع مشاهدة جديدة لا ترتبط بالإعلان التقليدي بقدر ما ترتبط بالقيمة الرمزية للترشيح.
2) طبيعة الفيلم تلائم المشاهدة المنزلية
«القصص» عمل قائم على المزاج، والتفاصيل، والتلقي المتأمل، لا على المفاجآت الصاخبة فقط. لذلك قد يستفيد من المشاهدة المنزلية أكثر من أفلام أخرى. مشاهد كثيرون في مصر يفضلون استقبال هذا النوع من الدراما في وقتهم الخاص، من دون التزام بخروج إلى السينما أو منافسة مع عناوين أكثر استعراضًا.
3) بطولته تضم أسماء لها جاذبية عابرة للأجيال
وجود أمير المصري في قلب الحكاية يمنح الفيلم جاذبية لدى جمهور يتابع اختياراته الأخيرة، فيما يظل اسم نيللي كريم عنصر جذب واضحًا لدى شريحة أوسع من الجمهور المصري، حتى عندما لا يكون العمل تجاريًا بالمعنى المعتاد. كما أن اسم أبو بكر شوقي نفسه يحمل رصيدًا نقديًا منذ أعماله السابقة، وهو ما يعزز فضول المتابعين تجاه الفيلم.
لكن هل تكفي المنصة وحدها؟
الإجابة الأقرب: لا، لكنها تمنح أفضل فرصة ممكنة. المنصة لا تخلق تلقائيًا ظاهرة جماهيرية، لكنها تزيل عوائق كثيرة كانت تحد من الوصول. الفيلم يحتاج هنا إلى ثلاثة أمور متزامنة: استمرار التغطية الصحفية المرتبطة بسباق الأوسكار، تداول التوصيات بين المشاهدين على السوشيال ميديا، واستثمار «شاهد» نفسها للزخم عبر إبراز الفيلم في الواجهة التحريرية وقوائم “الأكثر مشاهدة” و“الأعمال المصرية”.
وإذا صح ما رُصد في تغطيات متخصصة من أن الفيلم تصدر قائمة الأفلام الأعلى مشاهدة على «شاهد» في مصر بعد ساعات من إتاحته، فهذه إشارة مبكرة مشجعة، حتى لو ظلت بحاجة إلى وقت أطول للحكم على استدامتها. المهم أن الفيلم انتقل من منطق “كم حقق في شباك التذاكر هذا الأسبوع؟” إلى منطق “كم مشاهدًا جديدًا اكتسب؟”؛ وهو تحول جوهري في تقييم فرصته المحلية.
ما الذي قد يربحه «القصص» محليًا من ترشيح الأوسكار؟
- إعادة تعريفه للجمهور العام: ليس فقط كفيلم درامي عُرض في الصيف، بل كعمل اختارته مصر رسميًا لتمثيلها دوليًا.
- توسيع قاعدة المشاهدة: عبر الوصول إلى من لم يشاهده في السينما داخل القاهرة والمحافظات.
- رفع القيمة المعنوية للفيلم: فالترشيح الوطني للأوسكار يخلق انطباعًا بأن العمل “حدث” يستحق التجربة.
- إطالة دورة حياته: بدل أن تنتهي رحلته بخروجه من دور العرض، يبدأ نقاش جديد حوله نقديًا وجماهيريًا.
الخلاصة: نعم، لكن بشروط الواقع لا الرومانسية
الأقرب أن طرح «القصص» على «شاهد» يمنحه بالفعل دفعة عمر ثانٍ محليًا، خصوصًا أنه جاء متزامنًا مع خبر كبير بحجم تمثيل مصر في الأوسكار 2027. لكن هذا العمر الثاني لن يُقاس فقط بالأرقام التقليدية، بل بمدى تحوله إلى فيلم متداول بين الجمهور المصري: يُكتشف متأخرًا، ويُناقش، ويُوصى به، ويكسب احترامًا ربما لم يحصل عليه بالكامل في جولته السينمائية الأولى.
بمعنى آخر، «القصص» قد لا يعود كـ“بلوكباستر” متأخر، لكنه يملك فرصة حقيقية لأن يعود كفيلم أُعيد اكتشافه. وفي كثير من الأحيان، هذا النوع من العودة يكون أبقى أثرًا من أي قفزة سريعة في شباك التذاكر.