هل تعيد تورونتو إحياء «القصص» في السينمات المصرية؟
بعد تورونتو.. اختبار جديد لفيلم مصري بدأ رحلته من المهرجانات
حين اختار مهرجان تورونتو العربي في دورته السابعة فيلم «القصص» للمخرج المصري أبو بكر شوقي لافتتاح الدورة يوم 24 يوليو 2026، لم يكن ذلك مجرد عرض إضافي في رزنامة مهرجانات مزدحمة. الفيلم دخل المهرجان بوصفه فيلم الافتتاح، في دورة أُقيمت بين 24 يوليو و1 أغسطس 2026، وعُرضت فعالياتها في أكثر من موقع داخل تورونتو، بينها Spadina Theatre وSmall World Centre وRevue Cinema. وفي برنامج المهرجان ظهر «The Stories» بمدة 120 دقيقة، مع تحديد عرضه الافتتاحي مساء الجمعة 24 يوليو الساعة 7 مساءً في Spadina Theatre.
بالنسبة للقارئ المصري، الخبر الأهم ليس فقط أن فيلماً مصرياً افتتح مهرجاناً عربياً في كندا، بل ما إذا كانت هذه الجولة الدولية قادرة فعلاً على منح الفيلم عمرًا جديدًا في دور العرض المصرية بعد أسابيع من طرحه المحلي.
ما الذي نعرفه يقيناً عن «القصص» حتى الآن؟
الفيلم من تأليف وإخراج أبو بكر شوقي، ومن بطولة أمير المصري، ونيللي كريم (@nellykarim_official على إنستغرام)، وفاليري باشنر، وكريم قاسم، وأحمد كمال، وصبري فواز، وشريف الدسوقي، وعمرو عابد. وطرحت الشركة المنتجة الفيلم في دور العرض المصرية يوم 17 يونيو 2026، بعد الكشف عن بوستره الرسمي مطلع يونيو. كما تؤكد قاعدة بيانات العرض أن له عرضاً خاصاً في مصر يوم 10 يونيو 2026.
على مستوى الحكاية، يتمركز «القصص» حول أحمد، الشاب المصري الذي يتلقى رسالة من النمسا في صيف 1967، لتبدأ علاقة مراسلة طويلة مع ليز، بينما يسعى هو لأن يصبح عازف بيانو رغم خلفيته الاجتماعية المتواضعة. ويمتد المسار الدرامي، بحسب تقديم مهرجان تورونتو العربي، عبر الحرب والتحولات العائلية والخيبات والانتصارات التي هزت مصر حتى الثمانينيات. هذا الوصف يلتقي مع ما جرى تداوله مصرياً عن كون الفيلم عملاً عائلياً واسع النفس، مستلهماً جزئياً من قصة تعارف والد شوقي المصري ووالدته النمساوية عبر الرسائل في السبعينيات.
من تالين إلى قرطاج ثم تورونتو: لماذا تهم الجولة الدولية؟
مسار «القصص» الخارجي ليس تفصيلاً تجميلياً. الفيلم عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان تالين بلاك نايتس في إستونيا خلال نوفمبر 2025، ثم واصل حضوره في مهرجانات دولية بينها أيام قرطاج السينمائية حيث فاز بـالتانيت الذهبي في ديسمبر، قبل أن يحصد حضوراً إضافياً في مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، وأن يفوز في مهرجان الفيلم العربي بروتردام بجائزة الصقر الفضي لأفضل فيلم روائي، مع تقاسم نيللي كريم جائزة أفضل ممثلة.
هذه السيرة مهمة لأن السوق المصرية كثيراً ما تتعامل بحذر مع الأفلام الدرامية غير التجارية بالمعنى التقليدي. لكن حين يصل فيلم مصري إلى الجمهور وهو محاط بتاريخ من الافتتاحات والجوائز والاختيارات الرسمية، يتغير موقعه في الوعي العام: من فيلم «نخبوي» محتمل إلى فيلم «يستحق التجربة». هنا تحديداً يمكن للجولة الدولية أن تؤدي وظيفة دعائية لا تستطيعها الحملات التقليدية وحدها.
وماذا تقول الأرقام داخل مصر؟
الأرقام المتاحة ترسم صورة وسطية لا فشل فيها ولا انفجار جماهيري كاسح. خلال أول 3 أيام من عرضه، تجاوز الفيلم مليون جنيه، وحقق يوم 19 يونيو 2026 إيراداً يومياً بلغ 619,959 جنيهاً. ثم واصل التواجد ضمن أفلام صيف 2026، وصعد في بعض الأيام إلى المركز الرابع في الإيرادات اليومية، محققاً في أحدها 472,563 جنيهاً من خلال بيع 2522 تذكرة. كما ورد في تقارير أخرى أنه عُرض في 27 دار عرض وحقق إجمالياً 4.547 مليون جنيه في مرحلة سابقة من المنافسة.
وبحسب بيانات العرض الحالية، بلغ إجمالي شباك تذاكر الفيلم في مصر 6,023,714 جنيهات. هذا الرقم يضع «القصص» في خانة الأفلام التي صمدت، حتى لو لم تتحول إلى ظاهرة شعبية ضخمة. والأهم أنه حافظ على وجوده رغم منافسة صيفية واضحة مع أفلام أخرى على الشباك.
هل يمكن لتورونتو أن يطيل عمره التجاري فعلاً؟
1) نعم.. إذا استُخدم الحدث كرسالة تسويق جديدة
اختيار الفيلم لافتتاح مهرجان دولي عربي في مدينة بحجم تورونتو يمنح الموزع المصري مادة جديدة لتجديد الخطاب التسويقي: فيلم مصري يواصل السفر بعد طرحه المحلي. هذه الفكرة مهمة لأن كثيراً من الأفلام الدرامية تفقد زخمها سريعاً بعد الأسبوعين الأولين. أما «القصص» فيملك الآن عنواناً جديداً في الأخبار، بعد طرحه المصري بأكثر من شهر.
2) نعم.. لأن الفيلم نفسه قابل لإعادة الاكتشاف
«القصص» ليس فيلماً قائماً على مفاجأة واحدة تنتهي بعد الافتتاح. هو عمل عن الذاكرة المصرية، وعن البيت والعائلة والطبقة والحلم والسفر والموسيقى، وهي عناصر تمنحه فرصة أفضل في الامتداد البطيء عبر التوصية الشفوية بين الجمهور. هذا النوع من الأفلام قد لا يبدأ كاسحاً، لكنه يربح عندما يشعر المشاهد أن هناك «فيلماً مصرياً جاداً لكن إنسانياً» يستحق المشاهدة على الشاشة الكبيرة.
3) لكن.. ليس كل مجد مهرجاني يترجم إلى تذاكر
في المقابل، يجب عدم المبالغة. السوق المصرية لا تتحرك تلقائياً بمنطق الجوائز. فالجمهور الأوسع ما زال يفضل الكوميديا والأكشن والنجومية السريعة الإيقاع، خصوصاً في موسم الصيف. لذلك فإن عرض تورونتو، مهما كانت قيمته الرمزية، لن يخلق موجة شباك جديدة وحده ما لم يصاحبه دعم توزيعي واضح، وزيادة أو تثبيت عدد الشاشات، والاستفادة من آراء النقاد والجمهور في إعادة تقديم الفيلم.
لماذا يهم هذا السؤال للسينما المصرية تحديداً؟
لأن «القصص» يمثل نموذجاً نادراً نسبياً في السوق المحلية: فيلم مصري مؤلف يحمل حساً تاريخياً وشخصياً، لكنه يخرج من المهرجانات إلى الشباك من دون أن يتخلى عن لغته. نجاح هذا النموذج - حتى لو كان نجاحاً متوسطاً وطويل النفس - مهم لصناع كثيرين ينتظرون دليلاً على أن الفيلم المصري الجاد يمكنه أن يعيش خارج الدوائر المغلقة.
كما أن وجود أسماء مثل أمير المصري ونيللي كريم وعودة أبو بكر شوقي بعد «يوم الدين» يمنح الفيلم ثقلاً فنياً لا يستهان به. وإنتاج فيلم كلينك بقيادة محمد حفظي وشاهيناز العقاد أعطاه أيضاً بنية إنتاجية تساعده على الوصول إلى المهرجانات والأسواق معاً، لا إلى واحدة منهما فقط.
الخلاصة: عمر جديد؟ نعم.. لكن بشروط
بعد عرض «القصص» في افتتاح مهرجان تورونتو العربي 2026، يمكن القول إن الفيلم حصل بالفعل على دفعة معنوية وتسويقية جديدة. لكنه لن يربح عمره الثاني في دور العرض المصرية تلقائياً لمجرد السفر. ما يمنحه هذا العمر هو اجتماع ثلاثة عوامل: السمعة الدولية، والاستمرار في الشاشات، وقدرة الجمهور المصري على إعادة اكتشافه كفيلم قريب من ذاكرته لا بعيد عنها.
حتى الآن، المؤشرات تقول إن «القصص» لم يكن مجرد مرور عابر في الصيف. فقد دخل السينمات المصرية يوم 17 يونيو 2026، وواصل جمع الإيرادات حتى تجاوز 6 ملايين جنيه، ثم عاد إلى العناوين الدولية عبر تورونتو بعد عرضه العالمي في تالين وجوائزه اللاحقة. لذلك، الإجابة الأقرب للدقة هي: نعم، الجولة الدولية قد تمنح «القصص» عمرًا جديدًا في مصر، لكن على هيئة امتداد هادئ ومحترم، لا انفجار جماهيري مفاجئ.
وهذا بحد ذاته مكسب مهم للسينما المصرية عندما يتعلق الأمر بفيلم يعرف جيداً ماذا يريد أن يقول، ولمن يقوله.