Egypt Box Office

هل تصبح عروض ترميم كلاسيكيات السينما المصرية تقليدًا جماهيريًا؟

بعد «الأراجوز» المرمم.. هل القاهرة جاهزة لمسار جماهيري منتظم؟

أعاد العرض الأول للنسخة المرممة من فيلم «الأراجوز» للمخرج هاني لاشين في مركز الإبداع الفني بساحة دار الأوبرا المصرية طرح سؤال مهم داخل الوسط السينمائي المصري: هل يمكن أن يتحول إحياء كلاسيكيات السينما المصرية من مبادرات متفرقة إلى مسار جماهيري ثابت في القاهرة؟ السؤال لم يعد نظريًا، خصوصًا بعد الإعلان الرسمي عن الأمسية التي نظمها مركز الثقافة السينمائية التابع للمركز القومي للسينما، وأُقيمت في السابعة مساء يوم 8 يوليو 2026، مع ندوة أعقبت العرض بحضور هاني لاشين، ومدير التصوير الدكتور محسن أحمد، والناقد سامح فتحي، وأدارها المخرج أشرف فايق. كما أُعلن أن الحضور مجاني ومتاح للجمهور، وهي نقطة جوهرية في اختبار أي رهان جماهيري من هذا النوع.

اختيار «الأراجوز» لم يكن عشوائيًا. الفيلم، المعروض أصلًا في 18 ديسمبر 1989، من أبرز أفلام هاني لاشين، ومدته 115 دقيقة، ويدور حول شخصية محمد جاد الكريم، أراجوز القرية، في مواجهة تحولات اجتماعية واقتصادية تضرب الأسرة والقرية معًا. الفيلم من بطولة عمر الشريف، وميرفت أمين، وهشام سليم، وأحمد خليل، وسلوى خطاب، وهو ما يمنحه قيمة مزدوجة: قيمة فنية، وقيمة نجومية قادرة على جذب أجيال مختلفة من المشاهدين.

لماذا يبدو «الأراجوز» اختبارًا ذكيًا لفكرة الإحياء؟

لأن الفيلم نفسه يقف في منطقة وسط بين السينما الفنية والسينما القادرة على التواصل مع جمهور أوسع. فهو ليس عنوانًا نخبويًا مغلقًا، وفي الوقت نفسه ليس مجرد مادة نوستالجيا سهلة. قاعدة الحضور المحتملة هنا تشمل محبي عمر الشريف، ومتابعي مسار هاني لاشين، والمهتمين بفكرة الترميم، إضافة إلى جمهور دار الأوبرا والمراكز الثقافية. كما أن للفيلم تاريخًا معترفًا به؛ إذ تشير قواعد بيانات السينما المصرية إلى فوزه بالجائزة الأولى في مهرجان فالينسيا السينمائي الدولي عام 1989، ونيله جائزة أحسن فيلم من المركز الكاثوليكي المصري عام 1990.

هذا النوع من الاختيارات مهم جدًا إذا كانت القاهرة تريد بناء عادة مشاهدة منتظمة للأفلام المرممة. البداية لا تكون غالبًا بالأفلام الأكثر صعوبة، بل بأفلام لها رصيد نقدي وتاريخ جماهيري ووجوه معروفة. ومن هذه الزاوية، كان «الأراجوز» عنوانًا مناسبًا لقياس رد الفعل.

المكان نفسه جزء من الإجابة

الرهان لا يتعلق بالفيلم وحده، بل أيضًا بالمكان. مركز الإبداع الفني التابع لـصندوق التنمية الثقافية يقع في ساحة دار الأوبرا المصرية، ويضم قاعة عرض سينمائي مجهزة وتتسع إلى 208 مقاعد. والأهم أن فلسفة المكان، بحسب تعريف الصندوق، تقوم على تقديم عروض دورية لأفلام مصرية وعالمية مع ندوات ونقاشات، أي أنه ليس مجرد قاعة مناسبة بالصدفة، بل مساحة مهيأة أصلًا لتلقي هذا النوع من البرمجة الثقافية.

في القاهرة، الموقع يصنع نصف التجربة. سهولة الوصول إلى دار الأوبرا، والحمولة الرمزية للمكان، وطبيعة جمهوره المعتاد على الفعاليات الثقافية، كلها عناصر تمنح عروض الأفلام المرممة فرصة حقيقية. لكن هذا النجاح يظل نجاحًا أوليًا ما لم ينتقل من منطق “الحدث الواحد” إلى منطق “البرنامج المستمر”.

من الترميم كخبر إلى الترميم كبرمجة

خلال الشهور الأخيرة، بدا واضحًا أن ملف ترميم الأفلام المصرية يتحرك على أكثر من مسار. فمركز الثقافة السينمائية استضاف قبل ذلك عرض الفيلم الوثائقي «رِ سينما» مع مناقشة موسعة حول ترميم الأفلام السينمائية المصرية، ووصفت الفعالية هذا الملف باعتباره جزءًا من الحفاظ على التراث البصري والهوية الفنية. وفي موازاة ذلك، كُشف عن أعمال ترميم واسعة شملت 100 فيلم روائي مصري داخل مركز إحياء التراث السمعي والبصري بمدينة الإنتاج الإعلامي، مع الإشارة إلى النقل بتقنية 4K والتصحيح الرقمي للصورة والألوان. وفي يوليو 2026 أُعلن أيضًا الانتهاء من ترميم فيلم «الأرض» ليوسف شاهين، وهو عنوان كافٍ وحده للتدليل على أن الفكرة لم تعد هامشية.

المشكلة، إذن، لم تعد في وجود مواد تصلح للعرض، بل في طريقة تقديمها للجمهور. هل سيُكتفى بالحديث عن الترميم كإنجاز تقني؟ أم ستُبنى حوله روزنامة عرض، وندوات، ومواد تعريفية، وترويج رقمي، وربط مع الجامعات ونوادي السينما؟ هنا يتحدد ما إذا كانت القاهرة ستكسب مسارًا جماهيريًا حقيقيًا أم ستظل تدور في دائرة المناسبات.

هل يوجد جمهور فعلًا؟ نعم.. لكن ليس تلقائيًا

التجربة المصرية تقول إن جمهور الكلاسيكيات موجود، لكنه لا يتحرك تلقائيًا لمجرد وجود نسخة مرممة. الجمهور يحتاج إلى سبب للذهاب: فيلم مهم، موعد واضح، مكان موثوق، نقاش بعد العرض، وإحساس بأنه يشارك في حدث ثقافي لا في مشاهدة بديلة متاحة لاحقًا على أي منصة. ومن المفيد هنا أن بعض الأفلام المصرية الكلاسيكية، ومنها «الأراجوز»، ما تزال معروفة على المنصات الرقمية وقواعد البيانات السينمائية، لكن عرضها في قاعة بشاشة كبيرة وبنسخة محسنة يغيّر التجربة تمامًا.

القاهرة تملك أيضًا عنصرًا حاسمًا هو الذاكرة الحية. كثير من المشاهدين لا يتعاملون مع هذه الأفلام بوصفها “قديمًا” فقط، بل بوصفها جزءًا من تاريخ شخصي وعائلي. وعندما يكون الفيلم من بطولة اسم مثل عمر الشريف، أو مرتبطًا بمخرج له مسار واضح مثل هاني لاشين، تصبح الدعوة إلى المشاهدة أقرب إلى استعادة معنى، لا مجرد استعادة صورة.

ما الذي ينقص لكي يصبح المسار ثابتًا؟

1) جدول معلن ومنتظم

نجاح العرض الفردي لا يكفي. المطلوب برنامج شهري أو نصف شهري ثابت لعروض الأفلام المرممة في القاهرة، مع إعلان مبكر يخلق عادة لدى الجمهور.

2) تنويع العناوين

بعد الأفلام ذات الجاذبية الواضحة مثل «الأراجوز» و«الأرض»، يجب المزج بين أعمال جماهيرية وأخرى ذات قيمة تاريخية عالية، حتى لا يتحول المشروع إلى نوستالجيا انتقائية.

3) ربط العرض بالسياق

الندوات التي تلت عرض «الأراجوز» نموذج مهم. وجود صناع العمل أو المرممين أو النقاد يرفع قيمة التذكرة الثقافية حتى لو كان الدخول مجانيًا.

4) شراكة أوضح مع التعليم والبحث

مركز الإبداع الفني يملك أصلًا بنية مناسبة، وصندوق التنمية الثقافية يشير إلى مشروع رقمي لحفظ تراث السينما المصرية وإتاحته للباحثين. لو جرى توصيل هذه الجهود بالجامعات والمعاهد الفنية، سيتحول الترميم من نشاط ثقافي إلى بنية مستدامة للتلقي والتعليم.

الخلاصة: الفرصة حقيقية.. بشرط الاستمرارية

العرض الأول للنسخة المرممة من «الأراجوز» لم يكن مجرد تكريم لفيلم من 1989، بل إشارة عملية إلى أن إحياء كلاسيكيات السينما المصرية يمكن أن يجد مكانًا حيًا في القاهرة اليوم. المدينة تملك الفيلم، والقاعة، والذاكرة، والمؤسسات القادرة على التنظيم، من المركز القومي للسينما إلى صندوق التنمية الثقافية. ما ينقصها فقط هو الانتقال من رد الفعل إلى التخطيط.

إذا استمرت العروض المجانية أو منخفضة التكلفة، وتكررت في أماكن معروفة مثل مركز الإبداع الفني، وترافقت مع نقاشات جادة وترويج ذكي، فالأرجح أن يتحول هذا المسار إلى تقليد جماهيري ثابت، لا سيما في مدينة ما زالت تعتبر السينما جزءًا من هويتها اليومية. وبعد «الأراجوز»، تبدو الكرة الآن في ملعب المؤسسات: هل تكتفي بوميض مناسبة ناجحة، أم تبني موسمًا دائمًا لكلاسيكيات تستحق أن تُرى من جديد؟