هاياو ميازاكي لا يغادر: غموض الفيلم التالي في جيبلي
هاياو ميازاكي ما زال يعمل... لكن أحداً لا يعرف على ماذا
في عالم السينما، نادراً ما يحتفظ مخرج بهالة الغموض التي تحيط باسم هاياو ميازاكي. فالمخرج الياباني الأسطوري، الشريك الأبرز في صياغة هوية ستوديو جيبلي، عاد إلى مركز النقاش مجدداً بعد تقارير حديثة عن استمرار حضوره اليومي إلى الاستوديو، رغم أن المشروع الذي يشغل وقته لا يزال غير مُعلن رسمياً. بالنسبة لقراء قسم مراجعات الأفلام، تكمن أهمية القصة هنا في سؤال واحد: ماذا يمكن أن يعني استمرار ميازاكي في العمل بعد فيلم بدا لكثيرين وكأنه خاتمة وداعية لمسيرته؟
المؤكد حتى الآن أن فيلم "الصبي ومالك الحزين"، أو The Boy and the Heron، لم يكن نهاية الطريق. الفيلم، الذي كتبه وأخرجه هاياو ميازاكي، عُرض في اليابان يوم 14 يوليو 2023، وتبلغ مدته نحو 124 دقيقة، بينما تولى توزيعه محلياً شركة توهو، مع موسيقى من تأليف جو هيسايشي. هذه التفاصيل مثبتة عبر الصفحة الرسمية لأعمال جيبلي، وتؤكد أن الفيلم كان مشروعاً كبيراً ومكثفاً استغرق سنوات من العمل قبل خروجه إلى الجمهور.
بعد الأوسكار... لماذا يبدو مستقبل جيبلي معلقاً باسم واحد؟
الزخم الذي صنعه الفيلم لم يكن نقدياً فقط. ففي 10 مارس 2024، حصد "الصبي ومالك الحزين" جائزة الأوسكار لأفضل فيلم رسوم متحركة في الدورة السادسة والتسعين، وهي محطة منحت الفيلم مكانة إضافية في تاريخ الأنيميشن العالمي، ورسخت فكرة أن ميازاكي لا يزال قادراً على هزّ المشهد السينمائي حتى في هذه المرحلة المتقدمة من عمره. سجلات الأكاديمية الأمريكية نفسها تُظهر فوز الفيلم في الفئة، مع اعتماد اسمي هاياو ميازاكي وتوشيو سوزوكي ضمن العمل الفائز.
لكن المفارقة أن هذا التتويج لم يتبعه إعلان واضح عن العمل الروائي الطويل التالي. هنا يظهر المأزق الإبداعي الذي يحيط بجيبلي اليوم: الاستوديو يمر بمرحلة انتقال إداري وفني، إلا أن بصمة ميازاكي ما تزال الأكبر، وربما الأكثر حسماً. تداولت تقارير الصناعة اسم كينيتشي يودا كمدير تنفيذي جديد، بينما يظل غورو ميازاكي، ابن هاياو، حاضراً في النقاش بوصفه أحد الوجوه المرتبطة بمستقبل المؤسسة. غير أن الحديث عن “وريث” فني مباشر يبدو مبكراً، لأن حضور الأب نفسه لم يتراجع فعلياً.
غورو ميازاكي ومشروع قصير جديد داخل عالم جيبلي بارك
بعيداً عن سؤال الوريث، توجد حقيقة عملية مهمة: غورو ميازاكي أنجز بالفعل عملاً جديداً قصيراً بعنوان "A Night in the Valley of the Witches". ووفق الموقع الرسمي لـGhibli Park، يبدأ عرض الفيلم في 8 يوليو 2026 داخل قاعة Cinema Orion في منطقة Ghibli's Grand Warehouse. كما يوضح الموقع أن العمل هو أول فيلم قصير أصلي تصنعه ستوديو جيبلي خصيصاً لجيبلي بارك، وأن غورو شارك في إخراجه إلى جانب أكيهيكو ياماشيتا.
هذه النقطة مهمة نقدياً؛ لأنها تشير إلى أن الاستوديو لا يتوقف عن الإنتاج، لكنه يوزع طاقته بين أفلام طويلة نادرة ومشروعات أقصر ذات طابع مكاني أو تجريبي. بالنسبة لمتابعي السينما في مصر، قد يبدو هذا مختلفاً عن منطق الاستوديوهات التجارية التي توسع السلاسل الناجحة بلا توقف، لكن هذا بالضبط ما يمنح جيبلي فرادته: كل مشروع جديد يُعامل كحدث، لا كبند ثابت في خط إنتاج.
هل "الصبي ومالك الحزين" كان الفيلم الأخير؟ المعطيات المتاحة تقول لا
لفترة، جرى التعامل مع "الصبي ومالك الحزين" على أنه الوداع النهائي لميازاكي، خصوصاً مع تاريخه الطويل في إعلان الاعتزال ثم العودة. لكن المعطيات المتاحة من مصادر متعددة داخل تغطيات صناعة الترفيه ذهبت في اتجاه مختلف: الفيلم ليس بالضرورة المحطة الأخيرة. كما نُقل سابقاً عن دوائر مقربة من الاستوديو أن ميازاكي لا يزال يطوّر مادة جديدة، بل إن غورو ميازاكي تحدث في تصريحات متداولة عن مشروع يبدو أقرب إلى فيلم مغامرة وحركة بطابع حنين إلى الأعمال القديمة. ورغم أن هذه الملامح لا ترقى إلى إعلان رسمي عن عنوان أو موعد إنتاج، فإنها تبقي الباب مفتوحاً أمام فيلم جديد كامل الطول.
اللافت أن جيبلي نفسه يواصل نشر مواد مرتبطة بالفيلم الأخير، بما يعكس استمرار حضوره الثقافي. ففي 18 أغسطس 2023 أتاح الاستوديو 14 صورة رسمية من الفيلم للاستخدام الإعلامي، كما كشف في 15 نوفمبر 2023 عن الملصق الثاني للعمل، المعتمد على لوحة تصورية أولية رسمها ميازاكي بنفسه. هذه المواد لا تكشف المشروع القادم، لكنها تؤكد شيئاً آخر: ميازاكي لا يزال يُقدَّم داخل جيبلي بوصفه مركز الثقل الإبداعي الأول.
لماذا يهم هذا الخبر جمهور مراجعات الأفلام في مصر؟
لأن قيمة القصة لا تكمن في شائعة إنتاج فحسب، بل في دلالتها على مسار واحد من أهم المخرجين الأحياء في تاريخ الرسوم المتحركة. جمهور السينما في مصر، خصوصاً من يتابع أفلام الأنيميشن خارج الإطار الهوليوودي المعتاد، يعرف أن أفلام جيبلي لا تُنتظر بسبب القصة وحدها، بل بسبب الطريقة التي تُصاغ بها الصورة والزمن والإيقاع والمشاعر. لذلك فإن مجرد وجود ميازاكي يومياً في الاستوديو، من دون إعلان عنوان جديد، يكفي لفتح باب التوقعات النقدية حول طبيعة المرحلة القادمة.
هل يعود إلى فيلم تأملي شبيه بـ"The Wind Rises"؟ أم إلى مغامرة أكثر حركة تستحضر روحه في "Princess Mononoke" أو "Howl's Moving Castle"؟ لا توجد إجابة مؤكدة بعد. لكن إذا صحّ التوصيف المتداول عن مشروع “مغامرة حنينية”، فنحن ربما أمام محاولة لاستعادة طاقة ميازاكي الكلاسيكية في ثوب متأخر زمنياً، أي عمل يراجع تاريخه الفني من الداخل من دون أن يتحول إلى مجرد تكرار له.
جيبلي بين الندرة والإغراء التجاري
أكثر ما يميز المشهد الحالي أن جيبلي، رغم مكانته التجارية العالمية، لا يبدو متعجلاً للتحول إلى ماكينة تعتمد حصراً على الاستغلال المتكرر لعناوينه القديمة. هذا الموقف مهم جداً إذا نظرنا إليه من زاوية نقد الأفلام: الاستوديو ما زال يتعامل مع الفيلم الروائي الطويل باعتباره حدثاً فنياً نادراً، وليس منتجاً موسمياً. وفي زمن تتسابق فيه الشركات الكبرى على بناء “مجرات” من الأجزاء والسلاسل، يظل سؤال جيبلي مختلفاً: ماذا يريد الفنان أن يقول الآن؟
- المؤكد: هاياو ميازاكي لا يزال حاضراً في المشهد الإبداعي للاستوديو.
- المؤكد: "الصبي ومالك الحزين" فاز بأوسكار أفضل فيلم رسوم متحركة في مارس 2024.
- المؤكد: غورو ميازاكي لديه فيلم قصير جديد يُعرض في جيبلي بارك بدءاً من 8 يوليو 2026.
- غير المُعلن رسمياً حتى الآن: عنوان أو تفاصيل أو موعد الفيلم الطويل الجديد الذي يعمل عليه هاياو ميازاكي.
الخلاصة
حتى منتصف أغسطس 2026، لا يوجد إعلان رسمي من ستوديو جيبلي يكشف اسم الفيلم الجديد لهاياو ميازاكي أو موضوعه أو موعد طرحه. لكن ما هو ثابت أن الرجل الذي أخرج "الصبي ومالك الحزين" لم ينسحب من المشهد بعد، وأن الاستوديو الذي صنع بعض أهم أفلام الرسوم المتحركة في العالم ما زال يدور، إبداعياً على الأقل، في فلكه. بالنسبة لعشاق السينما في مصر، هذا ليس مجرد خبر عن إنتاج مؤجل، بل تطور يستحق المتابعة لأن أي فيلم جديد لميازاكي يبقى، ببساطة، حدثاً سينمائياً عالمياً قبل أن يكون خبراً في روزنامة الأنيميشن.