نيكولاس ويندينج ريفن يعود للسينما بعد تجربة موت سريري
عودة مخرج Drive من حافة الموت إلى شاشة السينما
عندما يُذكر اسم نيكولاس ويندينج ريفن، يتبادر فوراً ذلك المزاج البصري الحاد الذي صنعه في Drive عام 2011 ثم واصله في Only God Forgives وThe Neon Demon. لكن خبر عودته هذا العام لا يتعلق فقط بفيلم جديد، بل بحكاية شخصية شديدة القسوة: المخرج الدنماركي نيكولاس ويندينج ريفن عاد إلى الإخراج السينمائي بعد أزمة صحية خطيرة قال إنها جعلته “يموت لمدة 25 دقيقة” أثناء جراحة بالقلب، قبل أن يخرج منها بنظرة مختلفة للحياة والفن.
هذه العودة ليست تفصيلاً عابراً في مسيرة مخرج ارتبط اسمه لسنوات بالسينما ذات البصمة المؤلفية الصلبة. فمنذ The Neon Demon في 2016، لم يقدّم ريفن فيلماً روائياً طويلاً جديداً للصالات، رغم انتقاله إلى العمل التلفزيوني عبر Too Old to Die Young ثم Copenhagen Cowboy. لذلك فإن الفيلم الجديد Her Private Hell يمثّل عملياً أول عودة له إلى الفيلم الروائي الطويل بعد قرابة عشر سنوات.
ماذا نعرف عن الأزمة الصحية التي غيّرت مساره؟
بحسب ما كشفه ريفن في ظهوراته الصحفية المرتبطة بفيلمه الجديد، فإن أزمة قلبية حادة في 2023 قادته إلى جراحة معقدة، وقال لاحقاً إنه كان في حالة موت سريري لنحو 25 دقيقة. التقارير التي واكبت عرضه في مهرجان كان 2026 أشارت أيضاً إلى أنه تحدّث عن مشكلة خطيرة في القلب تسببت في تدهور مفاجئ لحالته الصحية، وأن هذه التجربة كانت نقطة التحول الأساسية التي دفعته إلى العودة للكتابة والإخراج من جديد.
في سياق نقدي يهم قارئ قسم مراجعات الأفلام، ليست أهمية الواقعة في بعدها الإنساني فقط، بل في أثرها المباشر على طبيعة الفيلم نفسه. فالمخرج ربط ولادة Her Private Hell بهذه التجربة، وهو ما يفسر لماذا يبدو المشروع امتداداً شخصياً جداً لعالمه المعتاد: مدينة مستقبلية غارقة في الضباب، شخصيات تائهة، وكيان قاتل ومراوغ يبدد الفاصل بين الواقع والكوابيس.
الفيلم الجديد: Her Private Hell وما الذي يقدمه؟
المعلومة المؤكدة من الصفحة الرسمية لمهرجان كان أن Her Private Hell عُرض في دورة 2026 ضمن قسم خارج المسابقة. الفيلم من إخراج وكتابة نيكولاس ويندينج ريفن، وشاركته في السيناريو إيستي جيورداني، ومدته 109 دقائق، وهو إنتاج دنماركي أُنجز في 2025. القصة الرسمية تدور حول مدينة مستقبلية يبتلعها ضباب غامض يطلق كياناً قاتلاً، بينما تبحث شابة مضطربة عن والدها، وتتقاطع رحلتها مع جندي أمريكي سابق يسعى إلى إنقاذ ابنته من الجحيم.
على مستوى التمثيل، يضم الفيلم أسماء بارزة من جيل جديد يلفت الانتباه في السنوات الأخيرة، منها صوفي تاتشر، تشارلز ميلتون، كريستين فروسيث، هافانا روز ليو، إلى جانب دييجو كالفا ودوغراي سكوت. هذا التشكيل يؤكد أن ريفن لم يعد فقط بفيلم شخصي، بل أيضاً بفيلم يراهن على وجوه قادرة على حمل عالمه البصري والنفسي المعقد.
لماذا تهم هذه العودة جمهور السينما في مصر؟
بالنسبة لجمهور السينما في مصر، خصوصاً المتابعين للأفلام التي تتجاوز السرد التجاري المباشر، فإن ريفن يمثل نموذجاً مختلفاً عن مخرجي هوليوود التقليديين. أفلامه لا تُشاهد من أجل الحبكة فقط، بل من أجل الإيقاع، واللون، والصوت، وطريقة بناء التوتر. وهذا النوع من السينما يجد دائماً جمهوراً وفياً بين المتابعين للأفلام المعروضة في المهرجانات أو على المنصات، حتى لو ظل بعيداً عن شباك التذاكر الجماهيري.
ولهذا تبدو العودة الجديدة مناسبة لإعادة النظر في مسار ريفن كله: من Pusher عام 1996، مروراً بالاختراق العالمي الكبير مع Drive، ووصولاً إلى مرحلته الأكثر تجريباً في The Neon Demon ثم الأعمال التلفزيونية. الجديد هنا أن الفيلم لا يأتي فقط بعد توقف طويل، بل بعد تجربة وجودية يبدو أنها أعادت شحن خيال المخرج من الأساس.
من Drive إلى Her Private Hell: ما الذي تغيّر؟
ريفن، الذي فاز بجائزة أفضل مخرج في مهرجان كان عن Drive سنة 2011، بنى سمعته على تحويل العنف والصمت والألوان المشبعة إلى لغة خاصة به. لكن الفارق في عودته الحالية أن الخطاب المحيط بالفيلم ليس مجرد حديث عن “أسلوب” أو “تجريب”، بل عن بعث فني صريح. حتى في المواد الرسمية المصاحبة للفيلم في كان، جرى تقديم العمل بوصفه عودة بعد غياب يمتد لعقد تقريباً، وولادة جديدة خرجت من تجربة صحية قاسية.
ومن الناحية الفنية، لا يبدو أن ريفن تخلّى عن بصمته المعروفة. المعلومات الرسمية عن الفيلم تشير إلى استمرار اهتمامه بالفضاءات الاصطناعية، والجو الكابوسي، والبنية شبه الأوبرالية للصورة والصوت. كما أن الموسيقى هذه المرة وضعها الإيطالي بينو دوناجيو، وهو اسم مهم لعشاق سينما الرعب والإثارة الأوروبية، ما يضيف ثقلاً فنياً واضحاً للمشروع.
الأعمال بين السينما والمنصات
صحيح أن ريفن لم يقدم فيلماً روائياً طويلاً بين 2016 و2026، لكنه لم يختفِ بالكامل. خلال تلك الفترة أنجز مسلسل Too Old to Die Young في 2019، ثم قدّم Copenhagen Cowboy على نتفليكس في 2023. وفي مادة منشورة على منصة Tudum التابعة لنتفليكس، جرى تقديم Copenhagen Cowboy باعتباره أحدث مشاريعه آنذاك، مع تذكير واضح بأن ريفن هو صاحب Drive والحائز على جائزة الإخراج في كان، وبأن عالمه لا يزال قائماً على الصورة النيونية المشبعة والعنف المنمق.
هذا مهم لأن عودته إلى السينما لا تعني انقطاعاً كاملاً عن الصناعة، بل تعني العودة إلى الشكل الذي صنع شهرته أولاً: الفيلم الروائي الطويل بوصفه مساحة مكثفة للرؤية. ويمكن القول إن Her Private Hell يبدو، حتى قبل اتساع دائرة عرضه عربياً، امتداداً طبيعياً لتلك الفكرة.
حضور المخرج وصورته العامة
نيكولاس ويندينج ريفن يُقدَّم كثيراً في صور المهرجانات والمواد الترويجية بصفته أحد أبرز مخرجي السينما الأسلوبية في أوروبا والولايات المتحدة معاً. وتظهر له صور رسمية حديثة منشورة عبر مهرجان كان، كما نشرت نتفليكس له صوراً دعائية مرتبطة بـCopenhagen Cowboy. وبالنسبة للمتابعين الذين يهتمون بأخباره المباشرة، يظهر اسم مشروعه الإبداعي byNWR بوصفه الجهة المرتبطة بإنتاج Her Private Hell في بيانات مهرجان كان.
أما على إنستغرام، فالمشروع المرتبط به والمتداول رسمياً هو byNWR (@bynwr_official على إنستغرام)، وهو الاسم الذي ارتبط أيضاً بمواد دعائية حديثة خاصة بأعماله.
هل تمثل العودة بداية مرحلة جديدة؟
من المبكر الجزم بمكانة Her Private Hell داخل فيلموغرافيا ريفن قبل اتساع الاستقبال النقدي والجماهيري عالمياً، لكن المؤكد أن الفيلم يحمل وزناً يتجاوز كونه إصداراً جديداً. نحن أمام عمل يأتي بعد عشر سنوات تقريباً من آخر أفلامه الطويلة، وبعد تجربة صحية كادت تنهي حياته، ثم يعود منه إلى المهرجان نفسه الذي منحه أحد أهم انتصاراته المهنية مع Drive.
لهذا، فإن قراءة هذه العودة من زاوية مراجعات الأفلام لا تنفصل عن سؤال أوسع: هل يستطيع ريفن أن يحول النجاة الشخصية إلى طاقة سينمائية حقيقية؟ المؤشرات الأولى تقول إن الإجابة تميل إلى نعم، على الأقل من حيث الرغبة في البدء من جديد، ومن حيث إصراره على ألا تكون العودة آمنة أو مهادنة. وهذا بالضبط ما ينتظره محبو أفلامه في مصر: فيلم جديد لا يكرر الماضي، لكنه لا يتخلى عن الجنون البصري الذي جعل اسم نيكولاس ويندينج ريفن علامة خاصة في سينما المؤلف المعاصرة.
- أبرز ما تأكد رسمياً: عودة ريفن إلى الفيلم الروائي الطويل بعد آخر أفلامه The Neon Demon في 2016.
- الفيلم الجديد: Her Private Hell، مدة 109 دقائق، وإنتاج 2025.
- عرضه الأبرز: مهرجان كان 2026 ضمن قسم خارج المسابقة.
- الوجوه الرئيسية: صوفي تاتشر، تشارلز ميلتون، كريستين فروسيث، هافانا روز ليو، دييجو كالفا.
- الدافع الإبداعي: تجربة صحية شديدة الخطورة قال المخرج إنها غيّرت نظرته للحياة والفن.