نيكولاس ويندينج ريفن يعود بـHer Private Hell: أفلامه الأهم
عودة مخرج لا يساوم المتفرج
عاد المخرج الدنماركي نيكولاس ويندينج ريفن إلى ساحة الأفلام الروائية الطويلة عبر Her Private Hell بعد ابتعاد دام نحو عشر سنوات منذ The Neon Demon الصادر عام 2016. العودة لم تكن هادئة أو تجارية بالمعنى التقليدي، بل جاءت بفيلم يؤكد أن صاحب Drive ما زال متمسكاً بخياره الجمالي الصارم: صور مشبعة بالألوان، إيقاع متعمد البطء، وعالم أقرب إلى الكابوس منه إلى السرد الهوليوودي المألوف.
الفيلم عُرض في مهرجان كان 2026 ضمن قسم خارج المسابقة، ومدته 109 دقائق، وهو إنتاج دنماركي صُوّر كفيلم من عام 2025. وتكشف البيانات الرسمية للمهرجان أن العمل من كتابة ريفن بالتعاون مع إستي جيورداني، مع موسيقى للمؤلف الإيطالي المخضرم بينو دوناجيو، أحد الأسماء المرتبطة تاريخياً بسينما التشويق والرعب الأوروبية.
ما الذي نعرفه عن Her Private Hell؟
بحسب الملخص الرسمي لفيلم Her Private Hell، تدور الأحداث في مدينة مستقبلية تبتلعها ضبابية غامضة، حيث تنطلق امرأة شابة مضطربة بحثاً عن والدها، بينما يتقاطع مسارها مع جندي أمريكي يخوض رحلة يائسة من أجل انتشال ابنته من الجحيم. هذا التوصيف وحده كافٍ لتوضيح نوع السينما التي يعود بها ريفن: خيال علمي، رعب، ميلودراما، وصور رمزية مفتوحة على أكثر من تأويل.
المثير أن مهرجان كان قدّم الفيلم بوصفه عودة حسية ومكثفة لمخرج Drive، فيما أشار تقرير رسمي من المهرجان إلى أن فكرة المشروع ارتبطت بتجربة شخصية قاسية مرّ بها ريفن بعد أزمة صحية حادة. هذه الخلفية تمنح الفيلم بعداً أكثر خصوصية، وتفسر جزئياً ذلك الطابع الوجودي الذي لطالما لازم أعماله، لكنه يبدو هنا أكثر مباشرة وظلمة.
طاقم التمثيل
النسخة الرسمية المعروضة في كان تضم مجموعة لافتة من الممثلين، منهم صوفي تاتشر، تشارلز ميلتون، هافانا روز ليو، كريستين فروسيث، دييجو كالفا، إلى جانب دوغراي سكوت وهيديتوشي نيشيجيما وشيولي كوتسونا. هذا التنوع في الوجوه يعكس أيضاً الطابع الدولي للمشروع، وهو أمر ينسجم مع مسار ريفن الذي تحرك بين الدنمارك وبريطانيا والولايات المتحدة وآسيا بصرياً وإنتاجياً.
لماذا يظل ريفن مخرجاً مثيراً للانقسام؟
بالنسبة لكثير من محبي السينما في مصر والعالم العربي، ارتبط اسم نيكولاس ويندينج ريفن أولاً بفيلم Drive، العمل الذي وسّع شعبيته خارج دوائر السينما الفنية. لكن متابعة مسيرته تكشف أن هذا الفيلم كان الاستثناء الأكثر قابلية للوصول، لا القاعدة. ريفن في الأساس مخرج يفضل الأسلوب على الشرح، والإحساس على الحبكة، والصورة على الحوار المباشر.
هذه المعادلة جعلته محبوباً لدى شريحة ترى في أفلامه تجربة بصرية متفردة، ومحل اعتراض لدى جمهور آخر يعتبر أن أفلامه باردة أو متعمدة الغموض. ومع ذلك، يصعب إنكار أن ريفن صنع لنفسه هوية واضحة في زمن تتشابه فيه كثير من الأفلام الكبيرة.
الأفلام الأساسية في مسيرته
Pusher: الانطلاقة الخشنة
عندما قدّم ريفن فيلم Pusher عام 1996، كان يعلن منذ البداية اهتمامه بعوالم الجريمة والهامش والرجال المأزومين. الفيلم، الذي دارت أحداثه في كوبنهاغن، تحول لاحقاً إلى ثلاثية تركت أثراً مهماً في السينما الدنماركية، كما ارتبط بانطلاقة مبكرة للممثل مادس ميكلسن. هنا نرى البذور الأولى لأسلوب ريفن: العنف، الصمت، والتوتر الأخلاقي.
Bronson: الأداء كاستعراض متوحش
في Bronson عام 2008، قدم ريفن واحداً من أكثر أفلامه اندفاعاً على مستوى الشكل، مع أداء استثنائي من توم هاردي. الفيلم ليس سيرة تقليدية، بل عرض مسرحي متوتر عن العنف والهوية وصناعة الأسطورة. بالنسبة لمن يريد فهم افتتان ريفن بالشخصيات التي تعيد اختراع نفسها داخل عالم عدائي، فهذا الفيلم نقطة أساسية.
Valhalla Rising: التأمل داخل العنف
أما Valhalla Rising (2009)، فكان خطوة أكثر تجريباً وتقشفاً. الفيلم يبتعد عن البناء التجاري لصالح رحلة روحية قاتمة تتكئ على الصورة والفراغ والصوت. قد لا يكون الأسهل في المشاهدة، لكنه من الأعمال التي توضح شجاعة ريفن في الذهاب بعيداً عن التوقعات.
Drive: الفيلم الذي فتح له الباب الأوسع
يبقى Drive (2011) العمل الأهم في تعريف الجمهور العريض بريفن. الفيلم قاده إلى الفوز بجائزة أفضل مخرج في مهرجان كان، وكرّس شراكته الشهيرة مع رايان جوسلينج. ما يميز Drive أنه جمع بين حس المؤلف ولمعان الفيلم الجماهيري: بطل صامت، موسيقى إلكترونية، عنف مباغت، وأناقة بصرية صنعت له مكانة خاصة لدى جيل كامل من عشاق السينما.
Only God Forgives: أقصى درجات الاستقطاب
إذا كان Drive هو بوابة الدخول، فإن Only God Forgives (2013) كان اختبار الولاء الحقيقي لسينما ريفن. الفيلم الذي جمعه مجدداً برايان جوسلينج قُدم في كان، واتسم بتكوينات لونية صارخة وعالم يكاد ينفصل عن الواقع. بعض النقاد رأوه عملاً متطرفاً في جمالياته، وآخرون اعتبروه مثالاً على هيمنة الشكل على المضمون. لكن المؤكد أنه من أكثر أفلامه تمثيلاً لشخصيته.
The Neon Demon: الجمال بوصفه رعباً
في The Neon Demon (2016)، نقل ريفن هواجسه إلى عالم الموضة في لوس أنجلوس. الفيلم، بطولة إيل فانينج، يخلط بين الرعب النفسي والهوس بالصورة والجسد. هذا كان آخر أفلامه الروائية قبل الغياب الطويل، كما أنه يبدو الآن بمثابة الجسر الطبيعي نحو Her Private Hell، خصوصاً في اعتماده على النيون والافتتان بالصورة المصطنعة والكوابيس الحسية.
كيف نقرأ عودته اليوم؟
عودة ريفن لا تعني فقط إضافة فيلم جديد إلى رصيده، بل تعني أيضاً استئناف مشروع سينمائي ظل مؤثراً رغم ابتعاده عن الشاشة الكبيرة. خلال السنوات الماضية اتجه إلى الأعمال التلفزيونية والمشروعات البصرية الأخرى، لكن Her Private Hell يعيده إلى المساحة التي صنع فيها سمعته الحقيقية: الفيلم الروائي الذي يراهن على لغة الصورة لا على الإرضاء السهل.
وبالنسبة لقارئ قسم مراجعات الأفلام، فإن أهمية هذه العودة لا تكمن في السؤال عما إذا كان الفيلم “ممتعاً” بالمعنى الشائع فقط، بل فيما إذا كان يضيف فصلاً جديداً إلى سينما صاحب بصمة شديدة الخصوصية. كل المؤشرات الأولية تقول إن ريفن لم يبدل جلده: ما زال يفضل المجازفة على المساومة، والحدة البصرية على الحلول الوسط.
أفضل نقطة بداية لمشاهدة أفلامه
- للمشاهد الجديد: ابدأ بـ Drive.
- لمن يريد الجانب الأكثر عنفاً وتجريباً: شاهد Only God Forgives.
- لمهتمي الرعب البصري وعالم الموضة: The Neon Demon.
- لفهم الجذور الدنماركية للمخرج: ارجع إلى Pusher.
في النهاية، قد لا يكون نيكولاس ويندينج ريفن مخرجاً مناسباً لكل الأذواق، لكنه بالتأكيد واحد من القلائل الذين يمكن تمييز أفلامهم من لقطة واحدة. ومع وصول Her Private Hell إلى الواجهة، تبدو الفرصة مثالية لإعادة اكتشاف مسيرة مخرج صنع من النيون، والصمت، والعنف، لغة سينمائية كاملة.