نقاد الكلاسيكيات ينقسمون حول «الأوديسة» لنولان
كيف أشعل «الأوديسة» جدلًا نقديًا يتجاوز الشاشة؟
لم يكتفِ فيلم «The Odyssey» للمخرج كريستوفر نولان بإثارة الحماس بين جمهور السينما التجارية وعشاق الشاشة الكبيرة، بل فتح أيضًا بابًا واسعًا للنقاش بين المتخصصين في الأدب الإغريقي القديم. فالفيلم، الذي طرحته Universal Pictures في دور العرض يوم 17 يوليو 2026، قُدِّم بوصفه ملحمة أكشن أسطورية مصورة بالكامل بكاميرات IMAX، وهي نقطة روّجت لها الشركة رسميًا باعتبارها جزءًا أساسيًا من تجربة المشاهدة.
وبحسب البيانات المنشورة عقب الافتتاح، حقق الفيلم انطلاقة عالمية قوية بإيرادات بلغت 264.1 مليون دولار في أول عطلة أسبوعية له، ما يعكس حجم الترقب الذي سبق عرضه، خصوصًا بعد النجاح التاريخي الذي حققه نولان مع «Oppenheimer». لكن هذا النجاح التجاري لم يمنع بروز تيار نقدي أكاديمي رأى أن الفيلم أعاد تشكيل روح نص هوميروس أكثر مما نقله إلى الشاشة.
ما الذي اعترض عليه الباحثون في اقتباس نولان؟
الجدل الحالي انطلق أساسًا من ملاحظات صدرت عن باحثين ومترجمين مختصين في النصوص اليونانية القديمة. من أبرز الأسماء التي دخلت النقاش إيميلي ويلسون، أستاذة الدراسات الكلاسيكية بجامعة بنسلفانيا، والتي ارتبط اسمها بترجمة معروفة لملحمة هوميروس. ويلسون رأت أن الفيلم نجح في إعادة لفت الانتباه إلى النص الأصلي، بل إن ترجمتها نفسها استفادت من موجة الاهتمام الجديدة، لكنها في الوقت نفسه اعتبرت أن المعالجة السينمائية حاولت احتواء عناصر كثيرة على حساب بعض الأفكار الجوهرية في القصيدة.
الاعتراض الأبرز تمحور حول شخصية أوديسيوس نفسها. في الفيلم يؤدي مات ديمون الدور الرئيسي، بينما يشارك آن هاثاواي في دور بينيلوبي وتوم هولاند في دور تيليماخوس، مع حضور أسماء كبيرة مثل زيندايا وروبرت باتينسون ولوبيتا نيونغو وتشارليز ثيرون. غير أن بعض الدارسين رأوا أن نولان قدّم البطل بوصفه رجلًا مثقلًا بالندم والصدمة والحرب، أكثر من كونه البطل الماكر والمرن والبارع في الحيلة الذي يعرفه القراء من النص الكلاسيكي.
هذا التوجه جعل الفيلم، في نظرهم، أقرب إلى عالم نولان المعتاد: أبطال ممزقون نفسيًا ويطاردهم الماضي، كما حدث في أعماله السابقة. بالنسبة لهؤلاء، المسألة ليست مجرد اختلاف تفصيلي في التفسير، بل تغيير يمس قلب الحكاية: هل يبقى أوديسيوس هو نفسه إذا نزعت عنه روح المكر والقدرة على المراوغة التي صنعت أسطورته؟
بين الإبهار البصري وحرية التأويل
على الجانب الآخر، لم يكن موقف الأكاديميين رفضًا كاملًا للفيلم. حتى الأصوات المتحفظة أقرت بأن نولان قدّم عملًا ذا طموح بصري ضخم، وأنه امتلك قدرة واضحة على تحويل النص القديم إلى حدث سينمائي جماهيري. التقارير الرسمية من NBCUniversal شددت على أن الفيلم صُوِّر عبر مواقع متعددة حول العالم، من بينها المغرب واليونان وإيطاليا وآيسلندا واسكتلندا، وهو ما يفسر الإحساس بالاتساع الجغرافي الذي يطبع الرحلة على الشاشة. كما أكدت الشركة أن الفيلم صُوِّر بالكامل بكاميرات IMAX film، مع موسيقى من تأليف لودفيغ غورانسون.
ومن زاوية سينمائية بحتة، يبدو هذا العنصر مهمًا جدًا للقارئ المصري المهتم بقسم مراجعات الأفلام: فالنقاش هنا لا يدور حول صحة النص فقط، بل حول سؤال قديم يتجدد مع كل اقتباس كبير: هل يجب على الفيلم أن يطيع الأصل، أم أن يبتكر لغته الخاصة؟ نولان اختار بوضوح الاحتمال الثاني. هو لا يتعامل مع «الأوديسة» كمادة مدرسية جامدة، بل كحكاية يمكن إعادة صياغتها لتناسب حساسية الجمهور المعاصر وشروط الفيلم الملحمي الحديث. هذا الرهان قد يروق للمشاهد الذي يبحث عن تجربة حسية وفكرية مكثفة، لكنه يزعج من ينتظر نسخة أكثر وفاءً للبنية النفسية والأخلاقية عند هوميروس.
تفاصيل أثارت الجدل داخل الحكاية
من بين النقاط التي لفتت انتباه الباحثين أيضًا طريقة التعامل مع بعض الشخصيات والعناصر الميثولوجية. فوفقًا للتقارير النقدية، غابت شخصيات إلهية محورية مثل زيوس وبوسيدون عن الحضور المباشر على الشاشة، بينما ظهرت أثينا عبر أداء زيندايا. كذلك وُجهت ملاحظات إلى تقليص مساحة بينيلوبي، بما يجعل العلاقة الزوجية التي تدفع الرحلة كلها أقل رسوخًا دراميًا لدى بعض المتابعين.
وهناك أيضًا من رأى أن بعض المشاهد العاطفية، ومنها ما يتعلق بالكلب أرغوس، تميل إلى حساسية معاصرة أكثر من انتمائها إلى المناخ الصارم للملحمة القديمة. هذه التفاصيل قد تبدو ثانوية للمشاهد العادي، لكنها في ميزان دارسي الكلاسيكيات تحمل دلالة مهمة: طريقة الفيلم في إعادة ترتيب أولويات النص، وما إذا كان يركز على الأثر العاطفي الفوري أكثر من البناء الرمزي الأصلي.
كيف استقبلت اليونان الفيلم؟
المثير أن الجدل لم يُقرأ في اليونان بالطريقة نفسها تمامًا. تقارير صحفية من أثينا أشارت إلى أن كثيرين هناك ينظرون إلى «الأوديسة» بوصفها نصًا عاش عبر القرون بسبب كثرة إعادة تفسيره، لا رغم ذلك. كما أن القصة تُدرّس أصلًا في المدارس اليونانية، ما يجعل الجمهور المحلي أكثر اعتيادًا على فكرة تعدد القراءات. وفي هذا السياق، بدا السؤال بالنسبة لكثير من المتابعين اليونانيين أقل ارتباطًا بـ«الخيانة» وأكثر ارتباطًا بمدى نجاح الفيلم كعمل مستقل.
هذا البعد مهم عربيًا أيضًا، خصوصًا لقراء مصر الذين يتابعون باهتمام الأفلام التاريخية والملحمية في قاعات السينما الكبرى. فالفيلم هنا لا يُقاس فقط بمسطرة أمانة الاقتباس، بل كذلك بقدرته على جعل نص عمره نحو ثلاثة آلاف عام حاضرًا في النقاش الثقافي والشباك معًا. ومن هذه الزاوية، نجح نولان بالفعل في إعادة «الأوديسة» إلى الواجهة العالمية، سواء اتفق المشاهد مع تأويله أم لا.
هل نجح نولان سينمائيًا حتى لو اختلف معه الكلاسيكيون؟
إذا نظرنا إلى المسألة من منظور نقدي سينمائي، فالإجابة الأقرب هي: نعم، لكن بشروط. الفيلم يبدو، بحسب التغطيات الأولى، إنجازًا تقنيًا وضخمًا من حيث الصورة، والإيقاع، وإدارة النجوم، والرهان على العرض المسرحي الكبير. وفي المقابل، فإن التحفظات الأكاديمية لا تبدو هامشية، لأنها تكشف أن نولان لم يقدّم «هوميروس على الشاشة» بقدر ما قدّم قراءته الشخصية لهوميروس. وهذا فرق جوهري يجب أن يفهمه الجمهور قبل الدخول إلى القاعة.
لذلك، من الأدق التعامل مع «الأوديسة» ليس بوصفه نسخة نهائية من الملحمة، بل بوصفه فيلمًا لنولان يستخدم الملحمة ليطرح أسئلته المعتادة عن الذنب، والبطولة، والذاكرة، والعودة المستحيلة إلى ما قبل الحرب. من يحب هذه النبرة سيجد أمامه تجربة طموحة ومصقولة بصريًا. أما من ينتظر أوديسيوس كما عرفه في كتب الأدب القديم، فقد يشعر بأن الرحلة فقدت بعض دهائها الأصلي في الطريق.
الخلاصة
في النهاية، تكشف الضجة حول «الأوديسة» أن قيمة الفيلم لا تكمن فقط في شباك التذاكر أو في أسماء أبطاله، بل في قدرته على فتح نقاش حقيقي حول معنى الاقتباس السينمائي. وبين نجاح جماهيري كبير وتحفظات أكاديمية معتبرة، يثبت كريستوفر نولان مرة أخرى أنه لا يصنع أفلامًا تمر بهدوء. وبالنسبة لقارئ «مراجعات الأفلام»، فهذه ربما أفضل إشارة ممكنة إلى أن العمل يستحق المشاهدة والمناقشة معًا.