Egypt Box Office

نتفليكس تكشف اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي في الإنتاج

نتفليكس تعلن رسميًا: الذكاء الاصطناعي حاضر في مئات الأعمال

فتحت نتفليكس بابًا واسعًا للنقاش داخل صناعة الشاشة بعد تأكيدها أن مسارات عمل الذكاء الاصطناعي التوليدي استُخدمت في نحو 300 عنوان خلال عام 2026، مع وجود التركّز الأكبر في مرحلة ما بعد الإنتاج. هذا الكشف ورد في خطاب المساهمين المرتبط بنتائج الربع الثاني، بالتزامن مع مقابلة الأرباح التي أجرتها الشركة في 16 يوليو 2026، بينما كانت قد أعلنت مسبقًا أن نشر النتائج سيتم في اليوم نفسه عبر موقع علاقات المستثمرين الرسمي.

بالنسبة لمتابعي المنصات في مصر والعالم العربي، لا تبدو المسألة تقنية بحتة؛ لأن تأثيرها يمس مباشرة شكل الصورة، وسرعة إنجاز الأعمال، وحجم الإنفاق على المؤثرات، بل وحتى الإحساس البصري الذي بات كثيرون يربطونه بما يُسمى أحيانًا “ستايل نتفليكس”.

ماذا قالت الشركة بالضبط؟

في مناقشة نتائج الربع الثاني 2025، كان الشريكان في الإدارة التنفيذية تيد ساراندوس وجريج بيترز قد تحدثا بالفعل عن الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تساعد المبدعين على صنع أفلام ومسلسلات “أفضل، وليس فقط أرخص”. وقتها شرح ساراندوس أن الاستخدام يمتد إلى التصوّر المسبق، وتخطيط اللقطات، والمؤثرات البصرية، وضرب مثالًا بمسلسل El Eternaut الأرجنتيني، حيث أُنجز مشهد انهيار مبنى في بوينس آيرس بسرعة قال إنها بلغت 10 أضعاف أسرع من مسار المؤثرات التقليدي، مع كلفة لم تكن لتصبح ممكنة ضمن ميزانية العمل.

أما الإفصاح الأحدث في 2026 فذهب أبعد من ذلك، إذ أوضحت الشركة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد تجربة محدودة، بل بات يدخل في عدد كبير من العناوين وعلى مستويات متعددة من سير الإنتاج، مع الإشارة إلى أعمال مثل Glory من الهند، وBrasil 70: A Saga do Tri من البرازيل، وThe American Experiment من الولايات المتحدة، بوصفها نماذج استُخدمت فيها هذه الأدوات لصناعة مشاهد معقّدة بصريًا.

زاوية تهم القارئ العربي: لماذا يخصنا هذا الخبر؟

قد يبدو الخبر أمريكيًا في عنوانه، لكنه يمس جوهر النقاش الدائر عربيًا حول مستقبل الصناعة السمعية البصرية، خاصة مع توسع المنصات العالمية في إنتاج أعمال من خارج هوليوود. بالنسبة لقسم السينما العربية، الأهم هنا ليس الجدل النظري فقط، بل ما يعنيه ذلك لأسواق المنطقة: هل تفتح هذه الأدوات الباب أمام إنجاز مشاهد تاريخية أو جماهيرية أو بيئات ضخمة بكلفة أقل؟ أم أنها قد تدفع إلى مزيد من التوحيد البصري وتراجع اللمسة المحلية؟

هذا السؤال يكتسب حساسية أكبر في المنطقة العربية، حيث تعاني كثير من المشاريع من فجوة بين الطموح البصري والميزانيات المتاحة. وإذا كانت نتفليكس تطرح الذكاء الاصطناعي كوسيلة لتوسيع نطاق الحكاية على الشاشة، فذلك يضع شركات الإنتاج العربية، ومبدعي المؤثرات البصرية، وصناع المسلسلات التاريخية والملحمية أمام معادلة جديدة: كيف نستفيد من التقنية دون أن نفقد الهوية الجمالية؟

من الأرجنتين إلى البرازيل: أمثلة من خارج المركز الأمريكي

اللافت أن بعض أبرز الأمثلة التي قدمتها نتفليكس نفسها لا تأتي من هوليوود، بل من أسواق أخرى. مسلسل El Eternaut الأرجنتيني تحوّل إلى حالة مرجعية داخل خطاب الشركة حول الذكاء الاصطناعي، خصوصًا بعد التأكيد على استخدام أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي داخل المؤثرات البصرية. كذلك برزت الميني سيريز البرازيلية Brasil 70: A Saga do Tri، التي عُرضت على نتفليكس في 29 مايو 2026 وتتناول رحلة منتخب البرازيل إلى لقب كأس العالم 1970. ووفق مواد نتفليكس الرسمية في البرازيل، شارك في إنتاجها أكثر من 3000 شخص و1200 مورّد محلي، وأسهمت بنحو 100 مليون ريال برازيلي في الأثر الاقتصادي المحلي.

هذه الأمثلة مهمة عربيًا لأنها تؤكد أن تقنيات الذكاء الاصطناعي لم تعد محصورة في الأعمال الأمريكية الضخمة، بل أصبحت جزءًا من بنية إنتاجية عابرة للقارات، تشمل الدراما اللاتينية، والوثائقيات، والأعمال الرياضية، وربما قريبًا مزيدًا من المشاريع القادمة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

هل يفسّر ذلك “شكل نتفليكس” الشهير؟

من الصعب الجزم بأن الذكاء الاصطناعي هو السبب الوحيد وراء المظهر البصري الموحّد نسبيًا الذي يرصده بعض المشاهدين في إنتاجات المنصة. لكن المؤكد أن التوسع في الأدوات الرقمية، خاصة في المعالجة اللاحقة، وتنظيف الصورة، وبناء البيئات، وتحسين اللقطات المعقدة، يمكن أن يعزّز هذا الانطباع.

الحديث هنا لا يتعلق فقط بالصورة “اللامعة” أو الحركة الناعمة أو الإضاءة المتوازنة، بل أيضًا بدرجة الإحكام المفرطة التي قد تجعل بعض الأعمال تبدو شديدة الصقل، وأحيانًا أقل خشونة أو عفوية من أفلام الصالات التقليدية. ومع ذلك، لا توجد حتى الآن قائمة علنية من نتفليكس تحدد كل عنوان استُخدمت فيه هذه الأدوات، أو نوع الاستخدام داخل كل عمل، لذلك يبقى أي ربط مباشر بين الذكاء الاصطناعي وملامح جمالية بعينها في خانة الاستنتاج النقدي لا المعلومة المؤكدة.

استراتيجية أوسع داخل نتفليكس

ما يحدث ليس قرارًا منفصلًا، بل جزء من بنية أوسع بنتها الشركة خلال السنوات الأخيرة. نتفليكس كانت قد استحوذت في 2021 على Scanline VFX، ثم واصلت تطوير ذراعها الخاصة بالمؤثرات والابتكار تحت اسم Eyeline. وفي تحديث رسمي حديث، أوضحت الشركة أن Eyeline تجمع المؤثرات البصرية والإنتاج الافتراضي والابتكار التقني، كما أشارت صراحة إلى ريادتها في تطبيق الذكاء الاصطناعي التوليدي في الإنتاج، وخصّت El Eternaut بالذكر.

كذلك تنشر نتفليكس عبر مركز شركائها إرشادات تفصيلية تخص استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في إنتاج المحتوى، وتشمل عناصر بصرية وصوتية ونصية، ما يعكس انتقال التكنولوجيا من مرحلة التجريب إلى مستوى السياسات التشغيلية المنظمة.

ماذا يعني هذا للمشاهد في مصر؟

للمستخدم المصري، قد لا يظهر الذكاء الاصطناعي كعنوان منفصل على شاشة المشاهدة، لكن أثره قد ينعكس في سرعة وصول الأعمال، وطبيعة المؤثرات، وحتى في مستوى الطموح البصري داخل مسلسلات وأفلام لم يكن ممكنًا تنفيذ بعض مشاهدها سابقًا ضمن ميزانيات محدودة. في الوقت نفسه، يبقى السؤال مفتوحًا حول شفافية المنصات في توضيح حدود استخدام هذه الأدوات، خصوصًا حين يتعلق الأمر باللقطات النهائية الظاهرة على الشاشة.

وتستمر نتفليكس في تقديم خدماتها للمشتركين في مصر بالجنيه المصري منذ إطلاق الفوترة المحلية في 21 يناير 2020، وهي خطوة كانت جزءًا من سياسة أوسع لتوطين الخدمة في السوق المصرية. اليوم، يبدو أن التوطين لم يعد يقتصر على الدفع والعملات والترجمة، بل يمتد إلى بنية الإنتاج ذاتها، مع بحث المنصات عن طرق أسرع وأقل كلفة لتصنيع الصورة العالمية.

بين الكفاءة والهوية البصرية

الخلاصة أن اعتراف نتفليكس باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في نحو 300 عنوان ليس مجرد رقم دعائي؛ بل مؤشر واضح إلى تحوّل أعمق داخل صناعة الترفيه. الشركة تقول إن الهدف هو تمكين المبدعين وتوسيع الإمكانات، لا مجرد خفض النفقات. لكن من جهة أخرى، فإن اتساع الاعتماد على هذه الأدوات سيبقي الجدل مشتعلاً: هل نحن أمام ثورة تمنح صناع الأعمال في الأسواق غير الأمريكية فرصًا أكبر؟ أم أمام موجة قد تدفع الشاشة العالمية إلى مزيد من التشابه؟

بالنسبة للمنطقة العربية، يبقى التحدي الحقيقي هو استثمار هذه الأدوات في خدمة القصص المحلية، لا إذابتها داخل قالب بصري جاهز. وهنا تحديدًا ستتحدد قيمة التقنية: ليس في سرعتها فقط، بل في قدرتها على أن تترك مساحة للهوية، والاختلاف، وروح المكان.