«ميدفست مصر» ومحمد ممدوح: كيف تعود القاهرة لمنصة الفيلم الإنساني؟
انطلاقة جديدة لمهرجان يراهن على الإنسان أولًا
مع افتتاح الدورة الثامنة من ميدفست مصر يوم 10 سبتمبر 2026، عاد النقاش بقوة حول قدرة القاهرة على استعادة موقعها كمنصة حقيقية للأفلام القصيرة التي تشتبك مع الإنسان، لا بوصفه موضوعًا دراميًا فقط، بل بوصفه محورًا للوعي والحوار العام. المهرجان، الذي أقيم حفل افتتاحه في الجامعة الأمريكية بالقاهرة بميدان التحرير، رفع هذا العام شعار «بره المشهد»؛ وهو شعار يلخص فلسفة كاملة تقوم على النظر إلى ما هو خارج الكادر: المشاعر المسكوت عنها، والتجارب النفسية، والتفاصيل التي تمنح الصورة معناها الأعمق.
هذه الدورة لا تتحرك في فراغ؛ فبحسب ما أعلنه المهرجان، تضم الفعاليات أكثر من 85 فيلمًا قصيرًا من 25 دولة، موزعة على 11 برنامجًا سينمائيًا، بينها 6 برامج للمسابقة الرسمية، مع عرضين يوميًا تعقبهما مناقشات تجمع صناع الأفلام بفنانين وأطباء ومتخصصين في الصحة النفسية. هذا البناء البرامجي يقدّم للقاهرة صيغة مختلفة عن المهرجانات التقليدية: صيغة تجعل الفيلم القصير نقطة بداية لنقاش اجتماعي وثقافي أوسع، لا مجرد عرض عابر داخل جدول مزدحم.
تكريم محمد ممدوح... رسالة فنية تتجاوز المجاملة
اختيار الفنان محمد ممدوح لتكريم الدورة الثامنة لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا. فالمهرجان أعلن بوضوح أن التكريم يرتبط بقدرته على تجسيد شخصيات معقدة ومشحونة إنسانيًا، إلى جانب أدوار تقاطعت مع المجال الطبي وتركت أثرًا لدى الجمهور. وخلال الافتتاح، سلّم الدكتور مينا النجار، مؤسس ومدير المهرجان، درع التكريم لمحمد ممدوح، الذي أهدى التكريم إلى والديه وزوجته وأبنائه، كما وجّه رسالة دعم إلى أهالي غزة.
على المستوى الرمزي، يحمل هذا التكريم دلالة مهمة: فحين يكرّم مهرجان معنيّ بالصلة بين السينما والصحة والبعد الإنساني ممثلًا مثل محمد ممدوح، فإنه يكرّس معيارًا فنيًا واضحًا، يقوم على الصدق الأدائي والقدرة على نقل الهشاشة البشرية والتوترات الداخلية إلى الشاشة. وهذا النوع من التكريم ينعكس بدوره على هوية المهرجان، ويجعل القاهرة مدينة تحتفي بالفعل بما وراء النجومية، أي بما يتيحه الأداء من فهم أعمق للإنسان.
لماذا يمكن لميدفست أن يعيد القاهرة إلى خريطة الفيلم القصير؟
1) لأنه يمنح الفيلم القصير وظيفة ثقافية حقيقية
الكثير من مهرجانات الأفلام القصيرة تكتفي بعرض الأعمال وتوزيع الجوائز. أما ميدفست مصر فيبني مشروعه على فكرة أن الفيلم يمكن أن يكون مدخلًا لفهم الصحة النفسية، والمرض، والذاكرة، والصدمة، والعلاقات الإنسانية. موقع المهرجان نفسه يعرّفه بوصفه أول مهرجان جوّال من نوعه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يلتقي فيه السينما بالصحة لإثارة النقاش ورفع الوعي وإلهام التغيير. هذه الفلسفة تمنح القاهرة ميزة نوعية: مدينة لا تعرض الأفلام القصيرة فقط، بل تنتج مناخًا حواريًا حولها.
2) لأنه يوسّع معنى الجمهور
من أبرز ما طُرح في الافتتاح تأكيد مينا النجار على أن الجمهور يجب أن يكون جزءًا حقيقيًا من التجربة، لا مجرد متفرج. هذه نقطة فارقة؛ فصناعة فيلم قصير قوي لا تنمو بدون جمهور يناقش ويسأل ويتفاعل. حين يحدث ذلك في قلب القاهرة، وبالتحديد في فضاء ثقافي مركزي مثل التحرير، تتحول المدينة من محطة عرض إلى مختبر تواصل بين صناع السينما والجمهور والمتخصصين.
3) لأنه يزاوج بين المحلي والدولي دون فقدان البوصلة
الدورة الثامنة تستضيف مهرجان هامبورج السينمائي ضيف شرف لبرنامج بانوراما ميدفست، كما تستضيف أكاديمية FAMU التشيكية، التي تحتفل بمرور 80 عامًا على انطلاقها. وفي الوقت نفسه، يحافظ المهرجان على اهتمامه بالمواهب المصرية، سواء عبر جائزة أفضل مخرج مصري صاعد المقدمة بالشراكة مع السفارة الفرنسية والمعهد الفرنسي بالقاهرة، أو عبر جائزة أفضل فيلم مصري. الفائز بجائزة أفضل مخرج مصري صاعد ينال أيضًا فرصة حضور فعاليات مهرجان كليرمون فيران للأفلام القصيرة في فرنسا، وهي إضافة عملية لا رمزية فقط.
أرقام الدورة الثامنة تقول الكثير
إذا كانت المهرجانات تُقاس أحيانًا بقدرتها على توسيع دائرة الاختيار، فإن أرقام هذه الدورة لافتة. فقد أوضحت نادين إميل، من فريق البرمجة، أن الفريق شاهد هذا العام قرابة 2000 فيلم لاختيار أفلام الدورة، مقابل أكثر من 600 فيلم في العام السابق. هذا الفارق لا يعني فقط اتساع قاعدة التقديمات، بل يشير أيضًا إلى تزايد الثقة في اسم المهرجان، وإلى أن القاهرة باتت تستقبل حجمًا أكبر من الرهانات الفنية المتعلقة بالفيلم القصير الإنساني.
كما تشمل الجوائز جائزة أفضل فيلم بقيمة 50 ألف جنيه مصري، إلى جانب جائزة الجمهور، وتنويه خاص، واستحداث جائزة ماجد هلال وكيرلس صلاح «بره المشهد» لأفضل تصوير سينمائي. واستحداث هذه الجائزة، مع إهداء الدورة إلى ذكرى ماجد هلال وكيرلس صلاح، يضيف بعدًا وجدانيًا واضحًا، ويؤكد أن المهرجان لا يفصل بين الصناعة ومن صنعوها، ولا بين الصورة ومن يقفون خلفها.
منصة إنسانية لا تكتفي بالشاشة
البرنامج هذا العام لا يتوقف عند العروض. فهناك ورش عمل وماستر كلاس وتجارب تفاعلية، منها ورشة Fun, Framed مع محمد مهدي حول التصوير الفوتوغرافي والسرد البصري، وورشة Empty Script المخصصة للممثلين، إضافة إلى Listening Experience بالتعاون بين Kader وMasmaa’. هذا التنوع مهم لأن استعادة القاهرة لموقعها لا تتحقق بعدد الأفلام وحده، بل بقدرتها على إنتاج بيئة تعلم وتطوير وتبادل خبرات حول الفيلم القصير.
وفي الافتتاح أيضًا عُرض فيلم Little Heroes، من كتابة زينب مبارك وإخراج إيهاب شهاب، وقدّمته لينا صوفيا، داعمة قضايا الشباب لدى يونيسف مصر. كما أُعلن عن مشروع Through Their Eyes، الذي يشارك فيه 15 طفلًا وطفلة مع صناع أفلام لتعلّم الحكي بالصورة والمشاركة في التصوير وكتابة النصوص وتسجيل الأصوات. هذا النوع من المشاريع يرسّخ فكرة أن المهرجان لا يستهلك القصص الإنسانية، بل يفتح المجال أمام أصحابها لصناعتها بأنفسهم.
القاهرة هنا ليست خلفية... بل فاعل رئيسي
ما يفعله ميدفست في دورته الثامنة هو إعادة تعريف دور القاهرة في مشهد الأفلام القصيرة. العاصمة المصرية لا تظهر هنا كمدينة تستضيف حدثًا فنيًا فحسب، بل كمساحة قادرة على جمع السينما، والصحة النفسية، والتعليم البصري، والنقاش العام في تجربة واحدة. وجود الفعاليات في قلب المدينة، وارتباطها بمؤسسات ثقافية وتعليمية وشراكات دولية، يمنحها وزنًا يتجاوز الطابع الاحتفالي.
والأهم أن هذا النموذج يتسق تمامًا مع احتياجات اللحظة الراهنة في مصر: جمهور شاب يبحث عن قصص أكثر صدقًا، وصناع أفلام يحتاجون إلى منصات تمنح الفيلم القصير قيمة فعلية، ومجال ثقافي بات أكثر وعيًا بأهمية تمثيل الصحة النفسية والقضايا الإنسانية على الشاشة من دون تبسيط أو استسهال.
الخلاصة: هل يستعيد المهرجان موقع القاهرة؟
الإجابة الأقرب الآن هي: نعم، ولكن بطريقة مختلفة. ميدفست مصر لا يحاول منافسة المهرجانات الكبرى بمنطق البريق أو كثافة النجوم، بل بمنطق الخصوصية والوظيفة. هو يعيد تثبيت القاهرة كمنصة للأفلام القصيرة ذات البعد الإنساني عبر ثلاثة عناصر واضحة: برمجة واسعة ومنتقاة، ربط عضوي بين الفن والقضايا الصحية والاجتماعية، وصناعة حوار حقيقي بين الشاشة والجمهور.
من هنا يبدو تكريم محمد ممدوح جزءًا من صورة أكبر: مهرجان يريد أن يقول إن القيمة الحقيقية للسينما تبدأ من الإنسان. وإذا واصل ميدفست هذا المسار، فإن القاهرة لن تستعيد موقعها فقط، بل قد تعيد تعريفه عربيًا وإقليميًا، بوصفها مدينة تمنح الفيلم القصير مساحة للتأثير، لا مجرد فرصة للعرض.