Egypt Box Office

مؤسسة محمد خان.. هل تنقذ ذاكرة مخرج منسي من التبدد؟

إعلان في الجونة.. لكن أهميته تتجاوز لحظة المهرجان

في الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، التي أُقيمت بين 15 و23 أكتوبر 2026، لم يكن الاحتفاء باسم المخرج الراحل محمد خان مجرد استعادة عاطفية لسيرة واحد من أهم صناع السينما المصرية الحديثة، بل تحوّل إلى إعلان عملي لافت: تأسيس «مؤسسة محمد خان» على يد أسرته، بالتعاون بين المخرجة نادين خان وشقيقها حسن خان. الإعلان جاء خلال ندوة «رجال محمد خان: أبطال خارج المألوف» ضمن فعاليات المهرجان، بمشاركة حسين فهمي وأحمد داود والناقد أحمد شوقي، وأدارها الناقد رامي عبد الرازق.

أهمية الخطوة لا تكمن فقط في توقيتها، المتزامن مع مرور 10 سنوات على رحيل محمد خان في 26 يوليو 2016، ولكن في طبيعة ما أُعلن عنه: مؤسسة تستهدف حفظ الإرث الفني والسينمائي للمخرج، وأرشفة المواد والوثائق التي تركها، مع طموح لاحق إلى أن تتحول إلى مساحة لدعم العمل السينمائي والثقافي، لا مجرد اسم تذكاري جديد في المشهد.

ماذا نعرف حتى الآن عن «مؤسسة محمد خان»؟

وفق ما أعلنته نادين خان في الجونة، فإن المرحلة الأولى من عمل المؤسسة ستركز على جمع وأرشفة مادة كبيرة وغنية من أعمال محمد خان ومقتنياته الشخصية والفنية، مع دعوة كل من يملك وثائق أو مواد مرتبطة به إلى التواصل مع الأسرة للمساهمة في حفظ هذا الإرث. هذه النقطة تحديدًا هي ما يجعل الإعلان مهمًا؛ لأن تراث المخرجين لا يُحفظ بالأفلام وحدها، بل كذلك بالسيناريوهات، ونسخ المونتاج، والصور الفوتوغرافية، والمراسلات، والملصقات، وشهادات زملاء العمل، وكل ما يضيء طريقة اشتغال الفنان داخل لحظته التاريخية.

كما أن الإعلان لم يأتِ في فراغ. مهرجان الجونة نفسه خصّص هذا العام مساحة واضحة للاحتفاء بسينما محمد خان، عبر عروض لأفلامه وجلستين نقاشيتين، ما منح المشروع منصة جماهيرية وصحفية مناسبة لإطلاقه أمام جمهور سينمائي يعرف قيمة الاسم جيدًا.

لماذا يحتاج تراث محمد خان إلى تدخل مؤسسي الآن؟

الإجابة البسيطة: لأن محمد خان ليس مخرجًا عابرًا في تاريخ السينما المصرية. خان، المولود في القاهرة عام 1942 والراحل في 2016، ترك بصمة أساسية في ما اصطلح على تسميته بموجة الواقعية الجديدة في السينما المصرية، وقدم أفلامًا صارت جزءًا من الذاكرة الثقافية للمشاهد المصري، مثل «ضربة شمس» و«طائر على الطريق» و«الحريف» و«خرج ولم يعد» و«موعد على العشاء» و«زوجة رجل مهم» و«أحلام هند وكاميليا» و«سوبر ماركت» و«بنات وسط البلد» و«في شقة مصر الجديدة» وصولًا إلى «قبل زحمة الصيف».

بعض هذه الأعمال لا يزال حاضرًا في ذاكرة النقاد والمشاهدين، لكن الحضور الرمزي وحده لا يكفي. أي تراث سينمائي معرّض بمرور الوقت للتآكل إذا لم يُصَن ماديًا ويُفهرس ويُقدَّم في صيغ مشاهدة معاصرة. هنا تصبح المؤسسة، إذا تحولت إلى كيان فعّال، أداة لإنقاذ الذاكرة من التبدد، لا مجرد عنوان نبيل.

من الندوات إلى الفعل.. ما الذي يجعل الخطوة «عملية» فعلًا؟

السؤال الأهم بعد أي إعلان ثقافي في مصر ليس النوايا، بل آليات التنفيذ. وإذا أردنا قياس فرص نجاح «مؤسسة محمد خان»، فهناك عدة مؤشرات عملية يجب مراقبتها خلال الفترة المقبلة.

1) الأرشفة المهنية

الحديث عن أرشفة مواد محمد خان ينبغي أن يعني إنشاء قاعدة بيانات حقيقية، تتضمن توصيفًا دقيقًا للمواد، وتاريخها، وحقوقها، وحالتها الفنية، ومكان حفظها. هذه الخطوة وحدها قادرة على تحويل التراث من ذاكرة مشتتة بين أفراد وأصدقاء ومنتجين إلى ملف مؤسسي قابل للبحث والدراسة.

2) ترميم وإتاحة الأفلام

ليس كل فيلم محفوظًا بالدرجة نفسها، وليس كل ما هو متاح للمشاهدة اليوم يليق بمكانة صاحبه. جزء من القيمة المنتظرة لأي مؤسسة تحمل اسم محمد خان هو أن تدفع باتجاه ترميم النسخ حين يلزم، والسعي إلى إتاحتها عبر عروض خاصة، أو شراكات مع منصات، أو برامج في المهرجانات والمراكز الثقافية والجامعات.

3) توثيق الشهادات الشفوية

الوقت هنا عامل حاسم. كثير من الممثلين والفنيين والنقاد الذين عملوا مع محمد خان أو عاصروا مراحل إنتاج أفلامه لا يزالون موجودين، لكن هذا الأرشيف الشفهي يحتاج إلى جمع عاجل ومنهجي. شهادات مثل ما قيل في ندوة الجونة من حسين فهمي عن تجربته معه في «موعد على العشاء»، وأحمد داود عن العمل معه في «قبل زحمة الصيف»، يمكن أن تكون نواة لمشروع أوسع يوثق أسلوبه في إدارة الممثلين وصياغة الشخصيات.

4) الوصول إلى الجمهور الجديد

أكبر اختبار لأي مؤسسة تراثية اليوم هو: هل ستتحدث فقط إلى من يعرفون محمد خان أصلًا، أم ستعيد تقديمه فعلًا لجيل لم يعش زمن عرض أفلامه في دور السينما؟ الجمهور الجديد لا يكفيه الاحتفاء الاحتفالي؛ يحتاج مواد مبسطة، وعروضًا منتظمة، ومحتوى رقميًا، وربما نشرات أو كتبًا صغيرة تعرفه بأفلام خان وسياقها.

لماذا محمد خان مهم لجمهور مصر اليوم؟

لأن سينماه، ببساطة، ما زالت تقرأ مصر من الداخل. محمد خان كان من المخرجين الذين التقطوا الشارع والطبقة الوسطى والهامش والمدينة والخيبات الصغيرة والبطولة اليومية العادية. في أفلامه لا نجد أبطالًا خارقين، بل شخصيات تتعثر وتحلم وتتناقض، وهذا بالضبط ما جعل ندوة الجونة تحمل عنوان «أبطال خارج المألوف». هذه الشخصيات هي السبب في بقاء أفلامه حيّة، حتى عندما تتغير الأزمنة.

كما أن خان لم يكن مجرد اسم فني كبير، بل مخرجًا ارتبط تاريخيًا بفكرة السينما المصرية التي ترى القاهرة والناس العاديين بعين محبة وحادة في آن واحد. ومن هنا فإن حفظ تراثه ليس مسألة أسرية فقط، بل شأن ثقافي مصري عام يخص ذاكرة السينما نفسها.

ما الذي يمكن أن تفعله المؤسسة إذا أرادت تأثيرًا حقيقيًا؟

  • إطلاق أرشيف رقمي منظم يعرّف بأفلام محمد خان ووثائقه وصوره.
  • التعاون مع جهات رسمية وثقافية لترميم النسخ المتاحة وحفظها.
  • تنظيم عروض دورية لأفلامه في القاهرة والإسكندرية والمحافظات، لا داخل المهرجانات فقط.
  • إصدار كتب أو كتيبات تضم سيناريوهات أو حوارات أو دراسات عن تجربته.
  • إتاحة مواد تعليمية لطلاب معاهد وكليات السينما والإعلام والفنون.
  • جمع شهادات زملائه في مشروع توثيقي مصوّر قبل ضياع هذا الرصيد الإنساني.

الخلاصة: البداية مبشرة.. لكن الحكم سيكون على ما بعد الجونة

إعلان نادين خان عن تأسيس «مؤسسة محمد خان» هو، بلا شك، أهم خطوة عملية أُعلنت حتى الآن للحفاظ على تراث المخرج بعد سنوات من الاكتفاء بالاحتفاء النقدي والوجداني باسمه. لكن نجاح المبادرة سيتحدد بما إذا كانت ستنتقل سريعًا من مستوى الإعلان إلى مستوى المشروع المؤسسي: أرشيف، وترميم، وإتاحة، وتوثيق، وتعريف مستمر بجمهور جديد.

في بلد بحجم مصر، لا يجوز أن يبقى تراث محمد خان محصورًا في الذاكرة الشفوية أو في نسخ مشاهدة متفرقة. إذا استطاعت المؤسسة الجديدة أن تحوّل هذا الإرث إلى مادة محفوظة ومتاحة وقابلة للاكتشاف من جديد، فسنكون أمام خطوة تستحق فعلًا اسم محمد خان؛ لا كتذكار لمخرج كبير رحل، بل كجسر يعيده حيًا إلى الشاشة والوعي العام مرة أخرى.