مهرجان لندن اللاتيني للأفلام يحتفي بالهوية البريطانية اللاتينية
انطلاقة جديدة للسينما اللاتينية في قلب لندن
تستضيف العاصمة البريطانية لندن من 2 إلى 6 أكتوبر 2026 الدورة الأولى من مهرجان لندن اللاتيني للأفلام، في حدث يسعى إلى منح السينما اللاتينية مساحة أكثر حضوراً داخل واحدة من أكثر المدن الأوروبية تنوعاً ثقافياً. ويضم البرنامج هذا العام 60 فيلماً من 27 دولة، تُعرض عبر مجموعة من أبرز دور السينما والمؤسسات الثقافية في المدينة، في مقدمتها باربيكان وICA وCiné Lumière وBFI Stephen Street.
المهرجان، الذي يُقدَّم بوصفه أول مهرجان لاتيني تنافسي بهذا الحجم في لندن، لا يكتفي بعرض الأفلام فقط، بل يربط بين السينما والهوية والانتماء والتمثيل الثقافي، خصوصاً في ما يتعلق بتجربة الجاليات اللاتينية المقيمة في بريطانيا. ومن هذه الزاوية تحديداً، يبرز الحديث عن الهوية البريطانية اللاتينية كأحد أهم المحاور الفكرية والإنسانية التي تمنح الدورة الأولى ثقلها.
منصة للقصص اللاتينية ولأصوات الشتات
بحسب الموقع الرسمي للمهرجان، فإن الاختيارات تمتد عبر عدة أقسام تشمل الأفلام الروائية الطويلة والوثائقيات والرسوم المتحركة والأفلام القصيرة، إلى جانب مسارات مخصصة لأفلام الإرث السينمائي اللاتيني، وأفلام العائلة، وأعمال تتناول البيئة والتغير المناخي. كما تشير المواد التعريفية للمهرجان إلى أن نسبة معتبرة من هذه الأعمال ستُعرض للمرة الأولى أمام الجمهور البريطاني.
هذه المقاربة تعكس توجهاً أوسع داخل برمجة المهرجانات العالمية اليوم، حيث لم تعد السينما اللاتينية تُقدَّم فقط كمساحة جغرافية بعيدة، بل كتيار فني عالمي متداخل مع قضايا الهجرة والذاكرة والطبقة واللغة وتكوين الهوية داخل المجتمعات الغربية. وبالنسبة للقارئ المصري المتابع لـالسينما العالمية، فالمهم هنا أن الحدث لا يقتصر على استعراض أفلام من أمريكا اللاتينية، بل يقدّم أيضاً صورة عن كيفية تشكل خطاب سينمائي جديد داخل أوروبا عبر أبناء الجاليات اللاتينية أنفسهم.
فكرة المهرجان: تمثيل ناقص تحاول الدورة الأولى معالجته
المهرجان أسسته الممثلة الكوبية كيتي رودريغيز، التي انتقلت إلى لندن في مايو 2025 قبل أن تبدأ العمل على إطلاق المنصة الجديدة. وتشير المعلومات المنشورة على موقع المهرجان وفي التغطيات البريطانية إلى أن رودريغيز رأت فجوة واضحة في حضور الثقافة والسينما اللاتينيتين داخل العاصمة، رغم السمعة المتعددة الثقافات التي تتمتع بها لندن. ومن هنا جاء المشروع كمحاولة لبناء مساحة تجمع صناع الأفلام والجمهور والجاليات في آن واحد.
ويبرز أيضاً اسم خافيير توريس ضمن الفريق المؤسس، وهو شخصية مرتبطة بالدفاع عن الثقافة اللاتينية في بريطانيا. وفي التعريف الرسمي بالمهرجان، يؤكد توريس أن السينما قادرة على جمع المجتمع اللاتيني وتعزيز الإحساس بالهوية المشتركة، وهي فكرة تفسر لماذا تحضر مسألة الانتماء البريطاني اللاتيني بقوة في الخطاب المصاحب للفعالية.
ضيوف بارزون وبرنامج يتجاوز قاعة العرض
من بين أبرز الأسماء المشاركة في الفعاليات المصاحبة، يحضر الراقص الكوبي العالمي كارلوس أكوستا، الذي يشارك في فعالية مرتبطة بعرض فيلم Yuli الصادر عام 2018، وهو العمل المستوحى من طفولته ورحلته من هافانا إلى النجومية في عالم الباليه. كما يشهد البرنامج حضور الممثل الأرجنتيني أوسكار مارتينيز في جلسة حوارية عقب عرض The Distinguished Citizen، إلى جانب الممثل الكوبي خورخي بيروجوريا بعد عرض الفيلم الكلاسيكي Fresa y chocolate، أحد أشهر الأعمال في تاريخ السينما الكوبية.
ولا يتوقف الأمر عند العروض والحوارات، إذ يشمل البرنامج ورشاً فنية ودروساً متخصصة، من بينها جلسات في الكتابة السينمائية، إضافة إلى معرض نادر لملصقات أفلام كوبية مطبوعة يدوياً في هافانا، ومعروضات فنية تسبق الافتتاح الرسمي. كذلك يستضيف Guildhall School of Music & Drama عدداً من الأنشطة التعليمية، بما يعكس رغبة المنظمين في تقديم المهرجان كمنصة ثقافية متكاملة لا كحدث عرض تقليدي فقط.
أفلام وهوية وبيئة وحقوق: ماذا يقول الاختيار الرسمي؟
تفاصيل الاختيار الرسمي تكشف عن تنوع كبير في الموضوعات. فإلى جانب الأفلام التي تناقش الهجرة والذاكرة، توجد مساحة ملحوظة للأعمال المرتبطة بالعلاقة بين الإنسان والأرض والموارد الطبيعية، مع تخصيص قسم تنافسي للأفلام البيئية. كما تحضر قضايا LGBTQ+ في عدد من الأعمال الوثائقية والروائية، في إشارة إلى اتساع النظرة البرمجية للمهرجان وعدم حصره للسينما اللاتينية في قوالب فولكلورية أو استهلاكية.
ومن العناوين التي جرى تسليط الضوء عليها في التغطيات الثقافية اللندنية: Oca للمخرجة كارلا باديو كفيلم افتتاح، إلى جانب أعمال مثل Baracoa و¡Quba!، فضلاً عن استعادة أفلام بارزة من إرث السينما اللاتينية، وبينها A Fantastic Woman الحائز جائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية.
هذا التوازن بين الجديد والكلاسيكي مهم لأنه يمنح الجمهور غير المتخصص مدخلاً مزدوجاً: اكتشاف الأصوات الصاعدة من جهة، وفهم الجذور الجمالية والسياسية للسينما اللاتينية من جهة أخرى. وهي صيغة باتت ضرورية في المهرجانات الدولية التي تسعى إلى تكوين جمهور طويل الأمد، لا مجرد تحقيق زخم موسمي.
لماذا تهم هذه القصة القارئ المصري؟
بالنسبة لمتابعي الأخبار الفنية في مصر، فإن أهمية هذا المهرجان لا تنبع فقط من عدد الأفلام أو أسماء الضيوف، بل من كونه مثالاً على كيف يمكن للمدن الكبرى أن تعيد تعريف خريطتها السينمائية عبر الاحتفاء بجماعات ثقافية عابرة للحدود. في السنوات الأخيرة، أصبح السؤال حول التمثيل ومن يروي الحكاية جزءاً أساسياً من النقاش السينمائي العالمي، سواء في أوروبا أو أمريكا أو حتى داخل المهرجانات العربية.
ومن هنا، يقدم مهرجان لندن اللاتيني للأفلام نموذجاً جديراً بالمتابعة داخل قسم السينما العالمية: حدث جديد، لكنه يستند إلى احتياج حقيقي في السوق الثقافية البريطانية، ويخاطب جمهوراً متنوعاً، ويستخدم السينما أداة لربط الهوية بالتجربة اليومية للمهاجرين وأبناء الشتات. كما أن اختيار لندن تحديداً، بما تمثله من ثقل ثقافي وإعلامي، يمنح الحدث فرصة أكبر للانتقال من إطار الجالية إلى المجال السينمائي الدولي الأوسع.
دورة أولى تحت الاختبار… لكن المؤشرات مشجعة
حتى الآن، تبدو المؤشرات الأولية إيجابية: مئات المشاركات وصلت إلى المنظمين وفق البيانات المنشورة، وبرنامج موزع على قاعات معروفة، ودعم من مؤسسات مثل BFI عبر تمويل اليانصيب الوطني، إلى جانب City of London Corporation وInstituto Cervantes وعدد من البعثات الدبلوماسية اللاتينية. كما أن حضور أسماء ذات وزن فني مثل كارلوس أكوستا وأوسكار مارتينيز وخورخي بيروجوريا يمنح الحدث زخماً إعلامياً وثقافياً منذ دورته الافتتاحية.
يبقى التحدي الحقيقي في ما بعد الانطلاقة: هل يستطيع المهرجان أن يرسخ نفسه سنوياً كموعد ثابت للسينما اللاتينية في أوروبا؟ الإجابة ستتوقف على قدرته على الحفاظ على جودة البرمجة، وتوسيع قاعدة الجمهور، وتحويل الاهتمام بالهوية البريطانية اللاتينية إلى مشروع سينمائي وثقافي مستدام. لكن المؤكد أن دورة 2026 نجحت بالفعل في وضع اسم London Latino Film Festival على خريطة المهرجانات التي تستحق المتابعة.
- التاريخ: من 2 إلى 6 أكتوبر 2026
- عدد الأفلام: 60 فيلماً
- عدد الدول: 27 دولة
- أبرز القاعات: Barbican، ICA، Ciné Lumière، BFI Stephen Street، Regent Street Cinema، The Garden Cinema، Everyman Broadgate
- أبرز الضيوف: كارلوس أكوستا، أوسكار مارتينيز، خورخي بيروجوريا، جونزالو مازا