مهرجان عمّان 2026: هل تبدأ موجة مصرية جديدة؟
ماذا يعني إعلان مهرجان عمّان السينمائي 2026 للسينما المصرية؟
مع كشف مهرجان عمّان السينمائي الدولي – أوّل فيلم عن برنامجه الرسمي الكامل للدورة السابعة، بدا الحضور المصري هذه المرة لافتًا على مستوى العدد والنوعية معًا. فبحسب الإعلان الرسمي الصادر يوم 29 يونيو 2026، تُقام الدورة بين 26 يوليو و3 أغسطس 2026، وتضم 82 فيلمًا من 27 دولة، بينها 10 عروض أولى عالمية وعرضان دوليان أوليان و5 عروض أولى عربية. وفي هذا المشهد الواسع، حضرت 6 أفلام مصرية داخل البرنامج، وهو رقم يمنح السينما المصرية زاوية متقدمة في واحدة من أهم المنصات العربية المعنية بالاكتشافات الأولى والأصوات الجديدة.
الأبرز مصريًا كان وجود الفيلمين الطويلين «شكوى رقم 713317» للمخرج ياسر شفيعي و«المستعمرة» للمخرج محمد رشاد ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة العربية، إلى جانب الفيلم القصير «آخر المعجزات» للمخرج عبد الوهاب شوقي في مسابقة الأفلام القصيرة العربية. كما ضمت المسابقة القصيرة أيضًا أفلامًا مصرية أخرى هي «قبل الظهر» لمروان الشافعي و«قُمع» لمارك أيمن و«مشاكل داخلية» لمحمد طاهر.
6 أفلام مصرية في البرنامج الرسمي: رقم له دلالة
الأرقام هنا ليست تفصيلًا ثانويًا. فالإعلان الرسمي للمهرجان، كما نقلته وكالة الأنباء الأردنية بترا، يتحدث عن برنامج انتُقي من بين ما يناهز 900 عمل في بعض الأقسام، مع تركيز واضح على الأصوات السينمائية الجديدة والحساسية الفنية المعاصرة. وسط هذا الزخم، أن تحجز مصر 6 مقاعد في البرنامج الرسمي يعني أن الصناعة المصرية المستقلة وشبه المستقلة لم تعد تظهر في المهرجانات العربية باعتبارها مجرد مشاركة رمزية، بل ككتلة أعمال قادرة على المنافسة والتنوع.
هذا الحضور يكتسب أهمية إضافية لأن مهرجان عمّان بنى سمعته خلال السنوات الأخيرة على دعم الأفلام الأولى والثانية، وعلى خلق صلة بين العروض الجماهيرية والبعد الصناعي عبر برنامج أيام عمّان لصنّاع الأفلام. ومن ثم، فإن الوجود المصري هنا لا يُقرأ فقط باعتباره مشاركة فنية، بل أيضًا فرصة تموضع داخل شبكة عربية أوسع للتوزيع والدعم والترويج.
«شكوى رقم 713317»: الفيلم الأكثر جاهزية لالتقاط الانتباه
إذا كان لا بد من اختيار عنوان مصري يبدو الأكثر قدرة على خطف النقاش بعد إعلان البرنامج، فسيكون غالبًا «شكوى رقم 713317». الفيلم أخرجه وكتبه ياسر شفيعي، ويُعد أول أفلامه الروائية الطويلة. وتدور حكايته حول زوجين متقاعدين، مجدي وسما، يعيشان في شقة بالقاهرة قبل أن يقلب تعطل الثلاجة روتينهما الهادئ إلى مواجهة طويلة مع شركة صيانة مشبوهة، في معالجة تمزج بين اليومي والعبثي والكوميديا السوداء.
الفيلم يملك بالفعل زخمًا سابقًا يدعم فرصه في عمّان. فقد شارك في مهرجان روتردام السينمائي الدولي 2026 ضمن قسم Bright Future، وذكرت تغطية مصرية أن عروضه الثلاثة هناك رفعت لافتة كامل العدد. كما واصل رحلته لاحقًا إلى مهرجان البحر الأبيض المتوسط السينمائي في فاليتا بمالطا في يونيو 2026. وعلى مستوى الجوائز، سبق أن حصد شفيعي جائزة أفضل سيناريو وقيمتها 5000 دولار في مسابقة آفاق السينما العربية خلال الدورة السادسة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.
القوة الأهم في «شكوى رقم 713317» أنه ينطلق من تفصيلة مصرية مألوفة جدًا: البيروقراطية، خدمات ما بعد البيع، والإحساس بأن المواطن عالق في دائرة شكوى لا تنتهي. هذه مادة محلية بامتياز، لكنها قابلة أيضًا للقراءة عربيًا وإنسانيًا، وهو ما يجعل الفيلم مناسبًا تمامًا لمنصة مثل مهرجان عمّان.
- الإخراج: ياسر شفيعي
- البطولة: محمود حميدة، شيرين، هنا شيحة، محمد رضوان، تامر نبيل
- النوع: كوميديا سوداء/دراما اجتماعية
- محطات بارزة: القاهرة، روتردام، فاليتا
«المستعمرة»: رهان اجتماعي بصوت مصري مختلف
في المقابل، يأتي «المستعمرة» لمحمد رشاد من مساحة أكثر خشونة واشتباكًا مع الواقع الاجتماعي. الفيلم، بحسب التغطيات المنشورة عن عروضه الأخيرة، يتتبع شقيقين يعيشان في بيئة مهمشة في الإسكندرية ويضطران إلى العمل داخل مصنع بعد وفاة والدهما في حادث غامض، قبل أن تبدأ الشكوك في التزايد حول حقيقة ما جرى.
اللافت أن «المستعمرة» ليس فيلمًا طارئًا على المشهد. فقد انطلق عالميًا من الدورة 75 لمهرجان برلين السينمائي الدولي، ثم واصل جولته في مهرجانات عربية ودولية، وحصد جائزة الجمهور في مهرجان أفريكالديا بإسبانيا وجائزة الوهر الذهبي من مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي، إضافة إلى نجمة الجونة البرونزية في مهرجان الجونة السينمائي. كما عُرض في القاهرة ضمن فعاليات سينماد في سينما زاوية خلال أبريل 2026، ثم حصل على عرض تلفزيوني عربي عبر ART أفلام 1.
هذا المسار يجعل مشاركة «المستعمرة» في عمّان مهمة لسببين: أولًا لأنه فيلم مصري يحمل حساسية مهرجانية مثبتة بالفعل، وثانيًا لأنه يعكس وجهًا آخر من السينما المصرية الجديدة، بعيدًا عن مركزية القاهرة، وبشخصيات شابة وفضاء اجتماعي ضاغط أقرب إلى هامش المدن والعمل الصناعي.
«آخر المعجزات»: القصير المصري يواصل ضغطه
أما «آخر المعجزات» لعبد الوهاب شوقي، فهو يضيف عنصرًا مختلفًا تمامًا إلى الحضور المصري: القوة المتزايدة للفيلم القصير المصري. العمل مقتبس من قصة «معجزة» ضمن مجموعة «خمارة القط الأسود» للأديب نجيب محفوظ، وتدور أحداثه حول يحيى، الصحفي الأربعيني الذي يتلقى مكالمة غامضة من شخص متوفى، لتنطلق رحلة تمزج الواقعي بالروحي.
الفيلم لا يصل إلى عمّان من فراغ. فقد نافس في مهرجان عنابة السينمائي بالجزائر في أبريل 2026، وسبق أن حصد جائزة أفضل فيلم في مسابقة الأفلام القصيرة خلال مهرجان مالمو للسينما العربية في دورته السادسة عشرة، وفق تغطيات صحفية منشورة في مايو 2026. ويشارك في بطولته خالد كمال وأحمد صيام وعابد عناني، مع ظهور خاص لـغادة عادل.
رهان «آخر المعجزات» مختلف عن رهان «شكوى رقم 713317» و«المستعمرة». فهو لا يستند فقط إلى واقعية اجتماعية أو كوميديا سوداء، بل إلى الاقتباس الأدبي والاشتغال على سؤال وجودي، ما يؤكد أن الحضور المصري في عمّان ليس كتلة أسلوبية واحدة، بل طيف متعدد من اللغات السينمائية.
هل يفتح البرنامج الباب فعلًا لرهان مصري جديد؟
الإجابة الأقرب هي: نعم، ولكن بشروط. ما يكشفه برنامج مهرجان عمّان 2026 ليس مجرد كثافة عددية للأفلام المصرية، بل ملامح تحول نوعي في صورة السينما المصرية التي تسافر عربيًا: أفلام أقل اعتمادًا على النجومية التقليدية، وأكثر التصاقًا بالهامش الاجتماعي، أو بالسخرية المريرة، أو بالاقتباس الأدبي، أو باللغة البصرية التي تناسب المهرجانات.
بالنسبة للقارئ المصري، الأهم هنا أن هذه الأعمال لا تتحرك خارج مصر، بل تنطلق من أسئلة مصرية صريحة: السكن والمدينة والكرامة اليومية في «شكوى رقم 713317»، علاقات العمل والعدالة الطبقية في «المستعمرة»، والقلق الوجودي المتصل بتراث نجيب محفوظ في «آخر المعجزات». لهذا يبدو وصفها بأنها أفلام من «السينما المصرية» دقيقًا فعلًا، لا مجرد تصنيف إنتاجي أو جغرافي.
لكن الرهان الحقيقي لن يُحسم بإعلان البرنامج وحده. ما سيمنح هذه الموجة معناها الكامل هو ما يأتي بعد عمّان: هل تتحول المشاركات إلى جوائز؟ هل تجد هذه الأفلام توزيعًا أوسع داخل مصر وخارجها؟ هل تنجح في بناء جمهور يتجاوز دوائر المهرجانات؟
مع ذلك، يبقى المؤكد أن إعلان 29 يونيو 2026 وضع السينما المصرية في قلب دورة تبدو مهمة من مهرجان عمّان، وأن أسماء مثل ياسر شفيعي ومحمد رشاد وعبد الوهاب شوقي تدخل الصيف العربي الحالي وهي تحمل فرصة واضحة لتثبيت موقع جديد للأفلام المصرية داخل خريطة المهرجانات الإقليمية. وإذا كان ثمة رهان مصري جديد فعلًا، فإن عمّان هذا العام لا يفتحه فقط، بل يمنحه منصة اختبار حقيقية.