Egypt Box Office

مهرجان سينمائي جديد يهز لندن بأفلام نادرة وجريئة

مهرجان جديد يختبر حدود البرمجة السينمائية في لندن

في وقت تميل فيه كثير من المهرجانات الكبرى إلى الموازنة بين الأسماء اللامعة والأفلام المضمونة جماهيريًا، يظهر في لندن مشروع مختلف تمامًا يحمل اسم The Final Film Festival. الحدث الجديد ينطلق في دورته الافتتاحية بين 6 و9 أغسطس 2026، ويقدم نفسه بوصفه مساحة للأفلام التي يصعب إيجاد مكان مريح لها داخل الدوائر التقليدية، سواء كانت أعمالًا مستقلة حديثة، أو اكتشافات نادرة، أو عروضًا ترميمية واستعادية لأفلام صنعت سمعتها على الهامش قبل أن تتحول إلى عناوين مثيرة للفضول.

وبالنسبة لقارئ مصري يتابع حركة المهرجانات العالمية من زاوية مراجعات الأفلام لا أخبار الصناعة فقط، فإن قيمة هذا الحدث لا تكمن في زخمه الدعائي، بل في نوعية الاختيارات نفسها: أفلام تراهن على المغامرة الشكلية، والسرد غير المألوف، وتجربة المشاهدة الجماعية التي تعيد الاعتبار للسينما كحدث حي، لا مجرد محتوى عابر على المنصات.

ما هو The Final Film Festival؟

بحسب الصفحة الرسمية للمهرجان وموقع ICA في لندن، فإن The Final Film Festival هو مهرجان متعدد القاعات يجمع بين إصدارات مستقلة جديدة من أنحاء العالم، وعروض ريبيرتوار غير معتادة، إلى جانب أعمال لفنانين ومخرجين صاعدين من بريطانيا وخارجها. كما تؤكد المعلومات الرسمية أن المهرجان أسسه مبرمجا الأفلام المستقلان Jack Hewitt وKit Ramsay، في محاولة لخلق مساحة بديلة داخل المشهد السينمائي اللندني.

الحدث يُقام عبر أكثر من موقع عرض في العاصمة البريطانية، مع ذكر ICA وThe Castle Cinema وPeckhamplex ضمن القاعات المستضيفة، بينما يظهر أيضًا The Nickel Cinema ضمن برمجة قسم المسابقة على الموقع الرسمي. هذه الطبيعة متعددة المواقع تمنح المهرجان هوية قريبة من روح السينما المستقلة: أقل رسمية، وأكثر اتصالًا بأحياء المدينة وروادها.

لماذا يلفت الانتباه من منظور نقدي؟

ما يميز هذه الدورة الأولى ليس مجرد أنها جديدة، بل أنها تبني شخصيتها بوضوح منذ البداية. فبدلًا من السعي وراء “الأكثر رواجًا”، تبدو البرمجة موجهة نحو الأفلام التي تثير النقاش: أعمال قد تكون غريبة، طويلة، تجريبية، أو مستفزة، لكنها تملك في المقابل بصمة فنية أو تاريخية تجعل مشاهدتها في قاعة سينما حدثًا يستحق العناء.

وهنا تحديدًا تكمن جاذبية المهرجان بالنسبة لمتابعي السينما في مصر، خصوصًا جمهور المهرجانات والسينما البديلة، لأن مثل هذه البرمجة تذكرنا بأن قيمة الفيلم لا تُقاس فقط بإيراداته أو انتشاره التجاري، بل بقدرته على خلق حوار نقدي حقيقي. في بيئة مشاهدة تزداد فيها هيمنة الخوارزميات والاختيارات الآمنة، يصبح وجود مهرجان يغامر بالاختلاف أمرًا مهمًا في حد ذاته.

برنامج يمزج بين العروض الأولى والغرابة المحسوبة

التغطيات المنشورة عن المهرجان، إلى جانب البرنامج الرسمي، تكشف عن تشكيلة تعكس هذه الروح بوضوح. من بين العناوين التي جرى التأكيد عليها Perfumania، وهو عمل كوميدي سريالي يضم Tim Heidecker وJulia Fox وKevin Kline، ويُقدم في المهرجان كعرض أول في المملكة المتحدة. كذلك يحضر فيلم A. Rimbaud للمخرج Patrick Wang، وهو معالجة سينمائية غير تقليدية لسيرة الشاعر الفرنسي آرثر رامبو، وقد أدرجه ICA ضمن عروض يوم 9 أغسطس مع جلسة أسئلة وأجوبة.

ومن بين الاختيارات اللافتة أيضًا عرض نسخة مرممة من Faces of Death، ذلك الفيلم الشهير المثير للجدل منذ أواخر السبعينيات، والذي اكتسب سمعته من التباسه بين الوثائقي والمفبرك، ومن حضوره الطويل في ثقافة المشاهدة الهامشية. إدراج هذا النوع من الأعمال لا يعني الاحتفاء بالصدمة المجانية، بقدر ما يشير إلى رغبة في مساءلة تاريخ التلقي نفسه: كيف تصنع بعض الأفلام أسطورتها بعيدًا عن المؤسسة النقدية التقليدية؟

في المقابل، لا يقتصر البرنامج على العناوين الصادمة أو الغرائبية. فهناك أيضًا أفلام ذات قيمة سينمائية وتاريخية مؤكدة مثل Black God, White Devil للمخرج البرازيلي Glauber Rocha، وفيلم Hi, Mom! للمخرج Brian De Palma. وجود هذه الأعمال إلى جوار أفلام جديدة أو مهمشة يمنح المهرجان توازنًا ذكيًا بين الاكتشاف وإعادة القراءة.

قسم المسابقة: أصوات جديدة تبحث عن مساحة

الموقع الرسمي يوضح كذلك قائمة من الأفلام المشاركة في قسم In Competition. من بينها National Sport للمخرج William North كعرض أول عالمي يوم 7 أغسطس، وHard Time Lover للمخرج João Pedro Faro كعرض أول بريطاني في اليوم نفسه، وEramus للمخرج Oliver James Hunt، وSoftshell للمخرج Jinho Myung، وPlane Film للمخرجة Orla Smith، وAffection Affection للمخرجين Alexia Walther وMaxime Matray، وSitting Idle للمخرج Luke Olutunmogun، إضافة إلى Belief is Not Without Pathos للمخرج Owen Vince.

هذه القائمة وحدها تكشف عن توجه واضح: المهرجان لا يكتفي بعرض أفلام نادرة من الماضي، بل يحاول أيضًا أن يعمل كمنصة انطلاق لأسماء جديدة، بعضها يقدم عروضًا أولى عالمية بالفعل. ومن منظور نقدي، فإن هذا الجانب مهم لأنه يمنح المهرجان فرصة لتكوين هوية خاصة به، لا أن يكون مجرد مساحة لإعادة تدوير الأفلام التي دارت بالفعل في مهرجانات أكبر.

برمجة موازية تستحق المتابعة

من العروض المؤكدة على صفحة ICA أيضًا: Camping du Lac للمخرجة Éléonore Saintagnan، وPersonal Problems للمخرج Bill Gunn، وبرنامج قصير لأفلام Richard Heslop، إلى جانب Herostratus للمخرج Don Levy، وWomen as Lovers، وYou Sorta Know It's Gonna End، وDrinking and Driving. هذا التنوع بين الفيلم الروائي، والبرنامج القصير، والعروض المصحوبة بنقاشات، يوحي بأن المهرجان مهتم بتجربة المشاهدة نفسها بقدر اهتمامه بالعنوان المعروض.

وبالنسبة للمتابع العربي، قد يكون العنصر الأهم هنا هو أن المهرجان لا يفرّق بحدة بين “الفيلم الرفيع” و“الفيلم المنبوذ”، بل يضعهما في سياق واحد، ويدعو الجمهور إلى اكتشاف معنى المتعة السينمائية خارج الأحكام الجاهزة. وهي فكرة تهم كل ناقد أو مشاهد جاد: أحيانًا تكون أكثر العروض إثارة للتفكير هي تلك التي تدخل القاعة معها بدرجة من التردد.

ما الذي يعنيه ذلك لجمهور السينما في مصر؟

رغم أن الحدث بريطاني خالص من حيث الموقع، فإن فكرته تلامس نقاشًا حاضرًا بقوة في مصر أيضًا: أين تجد الأفلام المستقلة أو المتطرفة جماليًا مكانها؟ وكيف يمكن للمهرجان أن يكون مساحة للمجازفة لا مجرد واجهة احتفالية؟ لهذا يبدو The Final Film Festival مثالًا جديرًا بالمتابعة، خاصة لمن يهتمون ببرمجة المهرجانات، أو يحاولون قراءة اتجاهات السينما البديلة عالميًا.

كما أن هذه الدورة الافتتاحية، بحجمها المحدود نسبيًا ووضوح رؤيتها، قد تمنحها ميزة لا تملكها مهرجانات أضخم: التركيز. فبدلًا من إغراق الجمهور بعشرات المسارات المتباعدة، تقدم هوية برمجية يمكن تمييزها بسهولة: أفلام صعبة، ممتعة، نادرة، وأحيانًا مستفزة، لكنها لا تسعى إلى الإرضاء السهل.

الخلاصة

إذا نجح The Final Film Festival في ترسيخ نفسه بعد انطلاقته الأولى في أغسطس 2026، فقد يصبح أحد أكثر الأحداث إثارة في روزنامة السينما البديلة في لندن. ومن منظور مراجعات الأفلام، فإن أهم ما يقدمه ليس البريق، بل الوعد بمشاهدة مختلفة: أفلام لا تدور في فلك التيار السائد، وتجربة تعيد الاعتبار للمخاطرة الفنية، وللصالة السينمائية بوصفها مكانًا للاكتشاف الحقيقي.

  • موعد المهرجان: من 6 إلى 9 أغسطس 2026
  • المدينة: لندن
  • المؤسسان: Jack Hewitt وKit Ramsay
  • أبرز القاعات المذكورة رسميًا: ICA وThe Castle Cinema وPeckhamplex وThe Nickel Cinema
  • الطابع العام: عروض أولى دولية وبريطانية، أفلام نادرة، واستعادات جريئة خارج السائد