مهرجان الغردقة يستلهم محمد خان بـ«الحريف» ويفتتح بآدم حال
قبل 10 سبتمبر.. دورة تبني جسرًا بين إرث محمد خان وصوت السينما الشابة
يدخل مهرجان الغردقة لسينما الشباب دورته الرابعة هذا العام برهان واضح على فكرة نادرًا ما تنجح المهرجانات في تنفيذها بهذه المباشرة: أن يحتفي بتاريخ السينما المصرية من داخل مشروعه الشبابي نفسه، لا على الهامش. فالمهرجان الذي تنطلق فعالياته الخميس 10 سبتمبر وتستمر حتى 15 سبتمبر، اختار أن يجعل من الذكرى العاشرة لرحيل المخرج الكبير محمد خان محورًا بصريًا وفكريًا للدورة، عبر اعتماد بوستر فيلم «الحريف» شعارًا رسميًا، بالتوازي مع منح مساحة الافتتاح لفيلم قصير جديد هو «أحياء أم أموات» للمخرج الشاب آدم حال، في عرضه العالمي الأول داخل مصر. هذه المعادلة بين الذاكرة والتجريب هي، عمليًا، الرسالة الأوضح للدورة الجديدة.
لماذا «الحريف» تحديدًا؟
اختيار «الحريف» لم يأتِ كتحية احتفالية عامة لاسم محمد خان فقط، بل كاختيار شديد الدلالة داخل مشروعه السينمائي. إدارة المهرجان أوضحت أن الفيلم يمثل علامة بارزة في رحلة خان، وأنه نموذج مهم للأعمال التي التصقت باسمه، لذلك جرى اعتماد بوستره شعارًا للدورة الرابعة، مع عرض الفيلم أيضًا ضمن قسم كلاسيكيات السينما العربية. ويكتسب القرار بعدًا إضافيًا لأن الذكرى المستعادة هنا محددة زمنيًا بدقة: محمد خان وُلد في 26 أكتوبر 1942 ورحل في 26 يوليو 2016، ما يجعل دورة سبتمبر 2026 أول دورة للمهرجان تُقام في ظل مرور عشر سنوات كاملة على غيابه.
كما لفتت إدارة المهرجان إلى أن «الحريف» مستلهم من قصة حقيقية مرتبطة بأسطورة كرة الشراب سعيد الحافي، الذي ذاع صيته في شوارع القاهرة خلال السبعينيات والثمانينيات. هذه الخلفية تمنح الشعار طابعًا مصريًا شعبيًا خالصًا، وتعيد وصل المهرجان بجمهور محلي يعرف جيدًا كيف كانت سينما خان تلتقط الشارع، والهامش، والقلق الاجتماعي، من دون افتعال.
من بوستر قديم إلى هوية بصرية جديدة
اللافت أن المهرجان لم يكتفِ باستدعاء «الحريف» كعنوان رمزي، بل أعاد إنتاج حضوره بصريًا داخل هوية الدورة نفسها. ووفق ما أعلنته الإدارة، قام فنان التصميم والجرافيك محمود عادل بترميم بوستر الفيلم ليظهر ضمن الهوية البصرية للدورة الرابعة. هذا التفصيل مهم؛ لأن الاستثمار الحقيقي في ذكرى مخرج بحجم محمد خان لا يكون فقط عبر الكلمات، بل عبر تحويل أحد أشهر ملصقات أفلامه إلى علامة معاصرة تخاطب جمهورًا جديدًا ربما لم يشاهد الفيلم بعد.
الافتتاح للشباب: «أحياء أم أموات» في عرضه العالمي الأول
إذا كان محمد خان يمثل ذاكرة الدورة، فإن آدم حال يمثل رهانها على المستقبل. فقد اختارت إدارة المهرجان الفيلم الروائي القصير «أحياء أم أموات» ليُعرض في حفل افتتاح الدورة الرابعة يوم 10 سبتمبر بقصر ثقافة الغردقة. الفيلم هو عرض عالمي أول، ويقوم ببطولته أحمد الفيشاوي وجيهان خيري، بينما كتب السيناريو وأخرج العمل آدم حال. وتبلغ مدة الفيلم نحو 14 دقيقة.
وبحسب التفاصيل المعلنة، يناقش الفيلم تأثير التكنولوجيا على العلاقات الإنسانية عبر حكاية زوجين تحولت حياتهما إلى حالة من الجمود العاطفي والإنساني، مع شعور متزايد بأن التكنولوجيا سرقت منهما مشاعرهما. اختيار هذا الموضوع ينسجم مع طبيعة مهرجان يرفع راية الشباب، لكنه لا يحصر نفسه في خطاب عمرّي ضيق؛ فالقضية المطروحة هنا تتجاوز الجيل إلى سؤال اجتماعي أوسع يمس الحياة اليومية في مصر والعالم.
من هو آدم حال؟
المخرج آدم حال، بحسب ما نُشر عن الفيلم، مولود في القاهرة يوم 12 يناير 2007، ودرس الإخراج في جامعة جنوب كاليفورنيا. كما قدم فيلمه الأول في صورة عمل وثائقي عن متحف التحرير المصري، بينما يعد «أحياء أم أموات» ثاني أفلامه. وتبرز هنا مفارقة مقصودة في برمجة الافتتاح: مهرجان يحتفي بمخرج راحل من كبار الواقعية الجديدة في مصر، وفي الوقت نفسه يمنح منصة الافتتاح لمخرج لم يتجاوز 19 عامًا. هذه ليست مصادفة شكلية، بل تلخيص مباشر لفلسفة الدورة.
وقد عبّر آدم حال عن اعتزازه باختيار فيلمه للعرض في افتتاح المهرجان، مؤكدًا أن فخره مضاعف لأن العرض العالمي الأول يتم في مصر ومن خلال مهرجان سينمائي يهتم بالشباب. ومن زاوية تسويقية وثقافية معًا، يمنح هذا الاختيار المهرجان قيمة مضافة: فهو لا يكتفي بعرض أفلام شبابية، بل يسعى إلى صناعة لحظة اكتشاف فعلية يمكن أن تُحسب له لاحقًا.
ما الذي يكسبه المهرجان من الجمع بين خان وآدم حال؟
الرهان الأذكى في هذه الدورة هو أن المهرجان لا يتعامل مع اسم محمد خان كأيقونة للتبجيل فقط، بل كمدخل عملي لقراءة الحاضر. فخان الذي ارتبطت أعماله بالتفاصيل الصغيرة، والمدينة، والإنسان العادي، يتحول هنا إلى مرآة يمكن للشباب أن ينظروا عبرها إلى أسئلتهم الجديدة. ومن ثم يصبح وضع «الحريف» في الواجهة البصرية، بالتزامن مع تقديم فيلم قصير جديد عن الاغتراب الإنساني بفعل التكنولوجيا، نوعًا من الحوار غير المباشر بين جيلين: جيل صنع كلاسيكيات السينما المصرية، وجيل يحاول الآن أن يعثر على لغته الخاصة.
هذا الربط يمنح المهرجان أيضًا هوية مصرية واضحة داخل خريطة المهرجانات. فبدل الاكتفاء بالعناوين البراقة أو الرهان على أسماء عالمية بعيدة عن الجمهور المحلي، يختار المهرجان أن يبني خطابه على فيلم مصري كلاسيكي، مخرج مصري مؤثر، وموهبة مصرية شابة، مع عرض الافتتاح في قصر ثقافة الغردقة، بما يعزز فكرة اللامركزية الثقافية خارج القاهرة.
تحية موازية لهاني شنودة تعزز معنى «الحريف»
ضمن حفل الافتتاح نفسه، يخصص المهرجان فقرة لتحية روح الموسيقار الراحل هاني شنودة، عبر تقديم مجموعة من أشهر مؤلفاته الموسيقية في السينما المصرية، وفي مقدمتها موسيقى «الحريف». كما تشمل الفقرة أعمالًا من أفلام مثل «المشبوه» و«شمس الزناتي» و«لا عزاء للسيدات» و«عصابة حمادة وتوتو»، ويتولى عزفها الفنان رضوان عبدالكريم. وجود هذه الفقرة لا يبدو تفصيلًا منفصلًا، بل امتدادًا طبيعيًا لفكرة الدورة: استعادة عمل سينمائي من خلال صورته وموسيقاه معًا، بحيث لا يبقى «الحريف» مجرد شعار مطبوع، بل تجربة سمعية وبصرية تُستعاد أمام الجمهور.
نجوم وتكريمات.. لكن العنوان الأهم يظل البرمجة
يشهد الافتتاح كذلك تكريم عدد من النجوم، بينهم حمادة هلال ومصطفى خاطر وشيري عادل، كما يطلق المهرجان قسمًا جديدًا بعنوان «صوت السينما»، اختار الفنان حمادة هلال ليكون أول المكرمين فيه. ورغم أهمية هذه الأسماء جماهيريًا، فإن القيمة الحقيقية للدورة تبدو في البرمجة ذاتها: كيف يضع المهرجان صورة عادل إمام في «الحريف» بوصفها ذاكرة سينمائية مصرية صلبة، ثم يفتح الستار مباشرة على تجربة قصيرة يقودها مخرج شاب جدًا.
خلاصة المشهد قبل الانطلاق
قبل بدء الفعاليات في 10 سبتمبر، تبدو الدورة الرابعة من مهرجان الغردقة لسينما الشباب كأنها تحاول تثبيت معادلة صعبة لكنها جاذبة: تكريم الماضي من دون التحول إلى متحف، ودعم الشباب من دون قطع الصلة بالجذور. اختيار «الحريف» شعارًا في الذكرى العاشرة لرحيل محمد خان يمنح الدورة ثقلًا رمزيًا مصريًا خالصًا، فيما يمنح العرض العالمي الأول لفيلم «أحياء أم أموات» للمخرج آدم حال هذا الثقل امتدادًا حيًا نحو المستقبل. وإذا نجح المهرجان في تحويل هذه الفكرة إلى تجربة مشاهدة ونقاش حقيقية خلال أيامه الستة، فسيكون قد قدّم واحدًا من أكثر بياناته برمجةً ووضوحًا منذ انطلاقه.