مهرجان أفلام السعودية 2026: نافذة عربية من الظهران
مهرجان يرسّخ موقعه الإقليمي من الظهران
تأتي الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية في الظهران خلال الفترة من 26 يونيو إلى 2 يوليو 2026، بتنظيم جمعية السينما بالشراكة مع مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء» وبدعم من هيئة الأفلام. وبحسب الجهات المنظمة، تُقام هذه النسخة تحت شعار «كل حكاية رحلة»، وهو عنوان يربط بين فكرة السفر داخل الفيلم نفسه، وبين رحلة الصناعة من الفكرة إلى الشاشة. هذا الإطار ليس تجميليًا فقط، بل يفسّر كيف يتحول المهرجان إلى منصة عبور للأفلام العربية نحو جمهور الخليج، لا سيما مع اتساع برامجه المهنية والعروض الموازية.
بالنسبة للقارئ المصري، تبدو أهمية هذه الدورة في أنها لا تتعامل مع السينما الخليجية بوصفها دائرة مغلقة، بل بوصفها نقطة التقاء عربية أوسع. فالمهرجان، الذي يصفه «إثراء» بأنه أطول مهرجان سينمائي عمرًا في المملكة منذ انطلاقه عام 2008، لم يعد مجرد مساحة لعرض الأفلام السعودية، بل صار محطة إقليمية تتيح لصناع الأفلام العرب التواصل مع ممولين ومنتجين وجمهور جديد داخل سوق خليجي ينمو بسرعة.
49 فيلمًا وبرنامج متعدد المسارات
الأرقام هنا مهمة لأنها تكشف حجم الاتساع الفعلي. فقد أُعلن أن برامج دورة 2026 تضم 49 فيلمًا موزعة على 6 أفلام روائية طويلة و13 فيلمًا قصيرًا و7 أفلام وثائقية و8 أفلام ضمن برنامج «سينما الرحلة» و6 أفلام في العروض الموازية، إلى جانب 9 أفلام كورية ضمن نافذة خاصة. هذا التنوع يعني أن شاشة المهرجان لا تكتفي بالمسابقة، بل تبني أكثر من مدخل لمشاهدة السينما العربية: الفيلم الفني، والتجربة الوثائقية، والعرض الموازي، والبرنامج الموضوعاتي.
ومن بين العناوين المتداولة في الاختيارات الروائية الطويلة يبرز «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«ربشة» للمخرج محمد مكي، و«إركالا.. حلم كلكامش» للمخرج العراقي محمد الدراجي. وجود هذه الأسماء مهم لأن المهرجان لا يكتفي بعرض إنتاج محلي سعودي، بل يربط الشاشة الخليجية بأفلام عربية تتحرك بين السعودية والعراق ومحيطهما، وهو ما يفتح بابًا حقيقيًا لتداول القصص العربية خارج دوائر العرض التقليدية.
لماذا يهم هذا التوسع المشاهد المصري؟
من زاوية مصرية، لا تُقاس أهمية المهرجان فقط بعدد الأفلام، بل بطبيعة السوق التي يدخلها الفيلم العربي. الخليج اليوم ليس مجرد ممول محتمل، بل صار أيضًا مساحة عرض وتلقي ونقاش. ومع وجود جمهور شاب، ومؤسسات ثقافية نشطة، وبنية استضافة متطورة في «إثراء»، تصبح الظهران نقطة مهمة في دورة حياة الفيلم العربي بعد إنجازه، خصوصًا للأفلام التي تبحث عن مهرجانات قادرة على الجمع بين العرض المهني والجماهيري.
هذا مهم للسينما المصرية تحديدًا، لأن خبرة مصر التاريخية في الإنتاج والكتابة والتمثيل يمكن أن تجد في هذه المنصات الخليجية شراكات جديدة، سواء عبر التطوير المشترك أو التوزيع أو الحضور النقدي. وليس صدفة أن وسائل إعلام مصرية تابعت انطلاق الدورة الثانية عشرة مبكرًا، وركزت على اتساع المشاركة العربية وبرامج الصناعة فيها، وهو مؤشر على أن المهرجان أصبح حاضرًا بالفعل على رادار المتابع السينمائي المصري.
سوق الإنتاج: حيث تتجاوز الفائدة حدود السجادة الحمراء
أحد أهم مفاتيح فهم دور المهرجان في توسيع حضور السينما العربية هو سوق الإنتاج. ووفق «إثراء»، يستضيف سوق دورة 2026 13 مشروعًا سعوديًا وعربيًا في مراحل مختلفة من التطوير والإنتاج، تم اختيارها من بين 65 مشروعًا متقدمًا. هذه النقطة بالذات هي التي تمنح المهرجان ثقله الصناعي؛ لأن التأثير الحقيقي لا يحدث فقط عند عرض فيلم مكتمل، بل عندما يجد مشروع عربي فرصة للتمويل أو الشراكة أو إعادة الصياغة أمام منتجين وخبراء.
كما يقدّم المهرجان لقاءات خبراء وجلسات وندوات ودروسًا متقدمة، إلى جانب منصة «نافذة أولى» المخصصة للمشاريع في مراحل التطوير والإنتاج وما بعد الإنتاج. بالنسبة لصناع الأفلام العرب، ومنهم المصريون، هذا النوع من البرمجة يختصر مسافات كبيرة: فبدل أن تكون الرحلة محصورة في العرض الاحتفالي، تتحول إلى شبكة عمل حقيقية تربط الكاتب بالمخرج والمنتج بالممول والمشروع بالجهة الداعمة.
الشاشة الخليجية كنافذة عربية أوسع
اللافت في دورة 2026 أيضًا أن المهرجان يوازن بين التجذر المحلي والانفتاح الخارجي. فهو يقدّم نفسه بوصفه داعمًا لصناعة الفيلم السعودي، لكن من دون الانغلاق على هذا الهدف. وجود برنامج «سينما الرحلة»، والعروض الموازية، والنافذة الكورية، كلها إشارات إلى أن المهرجان يريد وضع الفيلم العربي في حوار مع تجارب أخرى، لا أن يكتفي بعرضه داخل سياق محلي فقط.
هذا الحوار يصب في صالح السينما العربية عمومًا. فكلما شاهد جمهور الخليج أفلامًا عربية مختلفة اللهجات والحساسيات البصرية، زادت فرص بناء ذائقة تتجاوز النمط التجاري الواحد. ومن هنا يمكن فهم الدور الذي تلعبه المهرجانات السعودية اليوم: هي لا تنافس مهرجانات المنطقة الأخرى فحسب، بل تخلق دائرة مشاهدة جديدة للفيلم العربي، من الخليج إلى العالم العربي الأوسع.
ما الذي يمكن أن تستفيده السينما المصرية؟
الاستفادة المصرية من هذه التحولات ليست نظرية. فمصر تملك رصيدًا بشريًا وفنيًا هائلًا في الكتابة والتصوير والمونتاج والتمثيل، بينما تمتلك المنصات الخليجية الراهنة، ومنها مهرجان أفلام السعودية، قدرة متزايدة على الاستضافة والتمويل وخلق فرص العرض. الجمع بين الطرفين يمكن أن ينتج أفلامًا عربية أكثر قدرة على الحركة داخل المنطقة، بدل أن يبقى كل سوق منفصلًا عن الآخر.
- أولًا: توسيع فرص تداول الفيلم المصري المستقل داخل الخليج.
- ثانيًا: خلق شراكات إنتاجية عربية لا تمر بالضرورة عبر المسارات التقليدية القديمة.
- ثالثًا: توفير مساحة نقدية ومهنية للأجيال الجديدة من صناع الأفلام.
- رابعًا: تعزيز حضور القصص العربية المحلية أمام جمهور إقليمي متنوع.
خلاصة المشهد
في دورته الجارية حتى 2 يوليو 2026، يقدّم مهرجان أفلام السعودية نفسه كأكثر من حدث سنوي للعرض؛ إنه منصة عربية على شاشة الخليج. من خلال 49 فيلمًا، وسوق إنتاج يضم 13 مشروعًا مختارًا، وبرامج مهنية وثقافية متشعبة، يوسّع المهرجان مجال رؤية الفيلم العربي ويمنحه جمهورًا وفرصًا وعلاقات جديدة.
ومن القاهرة، يمكن النظر إلى ما يحدث في الظهران بوصفه تطورًا يستحق المتابعة الجادة: ليس فقط لأن السعودية تبني بنية مهرجانية مؤثرة، بل لأن هذا البناء يفتح بابًا إضافيًا أمام السينما العربية كلها، بما فيها السينما المصرية، كي تعبر إلى شاشة خليجية أكثر اتساعًا وثقة ونضجًا.