«ممسوس» وياسمينا العبد: هل تعود المواقع المسكونة للسينما؟
انطلاق «ممسوس» يفتح بابًا قديمًا في السينما المصرية
أعاد إعلان بدء تصوير فيلم «ممسوس» طرح سؤال قديم ومتجدد في آن واحد داخل السينما المصرية: هل يستطيع الرعب الشبابي أن يستعيد بريقه على الشاشة الكبيرة، خصوصًا ذلك الخط الذي يقوم على الأماكن المغلقة والبيوت المهجورة والمواقع التي تبدو وكأنها تحمل تاريخًا غامضًا؟ المؤكد حتى الآن أن المشروع تحوّل من مجرد خبر تعاقد إلى مرحلة التنفيذ الفعلي؛ إذ أعلنت ياسمينا العبد يوم 18 يونيو 2026 بدء التصوير، مع تأكيد طرح الفيلم في دور العرض خلال عام 2026. كما نشرت تقارير مصرية لاحقة صورًا من اليوم الأول للتصوير في 20 يونيو 2026 وسط أجواء احتفالية مع فريق العمل.
المعطيات المعلنة عن الفيلم واضحة: ياسمينا العبد تتصدر البطولة إلى جانب عمر رزيق وتارا عبود ويوسف رأفت وعبد الرحمن محمد، بينما يحمل العمل توقيع صلاح الجهيني في التأليف وياسر الياسري في الإخراج، مع إنتاج محمد نصار وصلاح الجهيني. بعض التغطيات وصفت المشروع بأنه رهان على تجربة رعب مختلفة بمستوى إنتاجي وبصري كبير، وهو وصف مهم لأنه يكشف نية صناعه في منافسة الصورة الذهنية التقليدية عن الرعب المحلي، لا مجرد تقديم فيلم شبابي عابر.
لماذا يبدو «ممسوس» مشروعًا لافتًا داخل موجة الرعب الجديدة؟
اللافت في «ممسوس» أنه يأتي في لحظة تبحث فيها السوق عن وجوه شابة قادرة على حمل بطولة جماعية، وفي الوقت نفسه عن نوع سينمائي يجذب جمهور القاعات، لا سيما في موسم باتت فيه المنافسة تعتمد على الفكرة القابلة للتسويق بصريًا. وجود ياسمينا العبد في الواجهة ليس تفصيلًا صغيرًا؛ فالممثلة الشابة رسخت حضورًا متزايدًا لدى جمهور الفئة العمرية الأصغر، وارتبط اسمها أخيرًا بأعمال موجهة للشباب، من بينها مسلسل «ميد ترم» الذي عُرض على شاشة ON ومنصة WATCH IT بدءًا من 7 ديسمبر 2025. هذا القرب من جمهور الشباب قد يصبح عنصرًا حاسمًا إذا اختار الفيلم مخاطبة مخاوف هذا الجيل بلغته وإيقاعه.
لكن الرهان الأكبر لا يتعلق بالأسماء فقط، بل بنوع الرعب نفسه. عنوان «ممسوس» يوحي من البداية بعالم المسّ والجن والاضطراب النفسي والحد الفاصل بين الوهم والحقيقة. وهذه منطقة أثبتت حضورها طويلًا في الثقافة الشعبية المصرية، من الحكايات المتداولة عن بيوت قديمة مغلقة، إلى قصص القرى والمقابر والمصحات والعقارات التي يُقال إنها «مسكونة». عندما تنجح السينما في تحويل هذه المخاوف المحلية إلى صورة مقنعة، فهي لا تحتاج إلى تقليد قوالب أجنبية حرفيًا، بل إلى توظيف البيئة المصرية نفسها كمصدر للرعب.
المواقع «المسكونة».. لماذا تبقى فكرة مصرية قابلة للحياة؟
فكرة الموقع المسكون ليست مجرد ديكور في أفلام الرعب، بل هي بطل خفي. الجمهور المصري يتفاعل عادة مع المكان حين يكون مألوفًا ومخيفًا في الوقت نفسه: فيلا قديمة، مستشفى مهجور، فندق معزول، قصر تاريخي، أو بيت عائلي يختزن أسرارًا. لهذا السبب ظلت الأعمال التي تستثمر المكان قادرة على البقاء في الذاكرة أكثر من غيرها، لأن الرعب فيها ينطلق من مساحة قريبة من الحياة اليومية، لا من وحش خيالي بعيد.
في تجارب سابقة، ظهر هذا الميل بوضوح في أعمال مصرية وعربية دارت حول المكان المغلق أو البيت الملعون أو الموقع المعزول. وحتى عندما اتخذت بعض الأعمال مسارات نفسية أو بوليسية، بقي للمكان دور أساسي في بناء التوتر. أما على مستوى الدراما الحديثة، فقد أكد فريق «ما وراء الطبيعة» أن المسلسل صُوِّر بالكامل في مصر، مع محاولة خلق لغة بصرية نابعة من الأساطير والثقافة المصرية، لا نسخ أساليب جاهزة. هذه النقطة بالذات تكشف أن الرعب المحلي يملك خامة مصرية حقيقية، شرط أن تُصاغ بصريًا بشكل ذكي.
من «التعويذة» إلى «كامب» ثم «ما وراء الطبيعة»
إذا نظرنا إلى الخلف قليلًا، سنجد أن فكرة الموقع المخيف ليست غريبة على المتفرج المصري. فيلم «التعويذة» بُني على بيت عائلي قديم تقتحمه قوى غامضة، بينما دار «كامب» حول فندق مهجور في منطقة نائية، في صيغة شبابية أقرب إلى أفلام المطاردة والرعب. وبين هذين النموذجين، تطورت الحساسية البصرية للجمهور كثيرًا، وأصبح أكثر مطالبة بالإقناع التقني، سواء في تصميم الصوت أو الإضاءة أو المؤثرات أو بناء الإيقاع. لذلك فإن أي فيلم جديد يريد إحياء هذه الموجة لا يكفيه الاعتماد على الفكرة وحدها؛ بل يحتاج إلى تنفيذ يخلق عالمًا محسوسًا بالفعل.
هنا يمكن فهم أهمية ما نُشر عن «ممسوس» بوصفه فيلمًا يسعى إلى معايير إنتاجية وبصرية مختلفة. فالسوق لم تعد تتسامح مع الرعب الرخيص الذي يكتفي بالصراخ والمفاجآت الصوتية. النجاح الآن يرتبط بقدرة العمل على صناعة مزاج كامل: مكان له شخصية، وشباب لهم دوافع واضحة، وخطر يتصاعد تدريجيًا، لا مجرد سلسلة من «الإفيهات» البصرية أو القفزات المفاجئة.
هل يقود الطاقم الشاب الفيلم إلى مساحة جديدة؟
ميزة «ممسوس» الأساسية أنه لا يقدم نجمًا واحدًا داخل عالم تقليدي، بل يبدو أقرب إلى بطولة جماعية شبابية. هذا التكوين مناسب جدًا لأفلام الرعب المرتبطة بالمواقع المسكونة، لأن هذا النوع يعتمد غالبًا على ديناميكيات المجموعة: من يصدق؟ من يشك؟ من يهرب؟ ومن يظل حتى النهاية؟ وجود أسماء مثل ياسمينا العبد وعمر رزيق وتارا عبود ويوسف رأفت وعبد الرحمن محمد يمنح الفيلم فرصة لبناء شبكة علاقات داخلية، وهو عنصر مهم إذا أراد صناع الفيلم تجاوز فكرة «الشباب في مكان مرعب» إلى دراما أكثر تماسكًا.
كما أن المخرج ياسر الياسري والكاتب صلاح الجهيني أمام اختبار واضح: هل يقدمان رعبًا يعتمد على المرجعية الشعبية المصرية فعلًا، أم يذهبان إلى منطقة هجينة تمزج بين المحلي والعربي الأوسع؟ المؤشرات الأولية لا تكشف تفاصيل الحبكة، وهذا في صالح الفيلم تسويقيًا، لكنه يرفع سقف التوقعات أيضًا. فالعنوان وحده يَعِدُ بشحنة غرائبية قوية، والجمهور سيبحث تلقائيًا عن مكان يحمل اللعنة أو السر أو التاريخ المعتم.
ما الذي يحتاجه «ممسوس» حتى ينعش موجة المواقع المسكونة؟
- موقع بصري لا يُنسى: نجاح هذا النوع يبدأ من اختيار مكان يعلق في الذاكرة، سواء كان بيتًا قديمًا أو منشأة مهجورة أو فضاءً معزولًا له ملامح مصرية واضحة.
- منطق درامي للشخصيات: الجمهور لم يعد يقتنع بسهولة ببقاء الأبطال في مكان خطر بلا سبب درامي مقنع.
- اقتصاد في المؤثرات: الرعب الفعال ليس الأكثر صخبًا، بل الأكثر قدرة على بناء الترقب.
- هوية محلية: كلما اقترب الفيلم من الموروث الشعبي المصري في الحكي والخوف واللغة، زادت فرص تميزه.
- تسويق ذكي: أفلام الرعب تعيش كثيرًا على الصورة الأولى والبوستر والمقطوعات الدعائية، خصوصًا حين تستهدف جمهور الشباب.
الحكم المبكر: الفرصة موجودة.. لكن الاختبار في التنفيذ
حتى الآن، لا يمكن الجزم بأن «ممسوس» سيقود موجة جديدة وحده، لكن المؤكد أنه يمتلك عناصر تجعل السؤال مشروعًا: فيلم رعب مصري، بطولة شبابية، اسم لافت، تصوير بدأ رسميًا في يونيو 2026، وصنّاع يعلنون طموحًا بصريًا وإنتاجيًا واضحًا. هذه العناصر تكفي لاعتبار الفيلم واحدًا من العناوين الجديرة بالمتابعة داخل خريطة السينما المصرية هذا العام.
إذا نجح الفيلم في تحويل «المسّ» من مجرد عنوان مثير إلى عالم متكامل قائم على المكان المصري المخيف، فقد يعيد بالفعل إحياء سكة «المواقع المسكونة» على الشاشة الكبيرة. أما إذا اكتفى بالقشرة التسويقية من دون بناء سينمائي متماسك، فسيظل مجرد محاولة جديدة في نوع صعب. وبين الاحتمالين، يبدو أن الرهان الحقيقي ليس فقط على ياسمينا العبد أو جاذبية فريق الشباب، بل على قدرة «ممسوس» على إقناع المشاهد المصري بأن الرعب يمكن أن يولد من بيت يعرفه، وشارع مرّ به، ومكان يبدو عاديًا جدًا.. إلى أن يحل الظلام.