Egypt Box Office

ملتقى «من الكتاب إلى الشاشة» يعيد الرواية المصرية للسينما

ملتقى جديد في توقيت حساس لصناعة السينما المصرية

يبدأ مهرجان القاهرة السينمائي الدولي دورته السابعة والأربعين في الفترة من 11 إلى 20 نوفمبر 2026، فيما أعلن المهرجان إطلاق ملتقى «من الكتاب إلى الشاشة» للمرة الأولى هذا العام ضمن فعاليات أيام القاهرة لصناعة السينما. ووفق ما أعلنه المهرجان، تستهدف المبادرة إعادة بناء الجسر بين صناعة النشر وصناعة السينما والمحتوى السمعي البصري، وفتح الطريق أمام تحويل الملكية الفكرية الأدبية المصرية والعربية إلى أعمال تصل إلى الشاشة. هذا التوقيت مهم؛ لأن النقاش حول أزمة النصوص الأصلية في السوق المصري عاد بقوة، بينما تظل الرواية المصرية أحد أغنى الخزانات السردية الجاهزة للتطوير السينمائي.

أهمية الملتقى لا تتوقف عند كونه فعالية جديدة داخل برنامج صناعي، بل في كونه آلية عملية يمكن أن تنقل العلاقة بين الناشر والكاتب والمنتج من الإعجاب النظري بالأعمال الأدبية إلى مسار تفاوضي وحقوقي وإنتاجي منظم. وهنا تكمن الفائدة الكبرى لمهرجان القاهرة: أن يصبح ليس فقط منصة عروض ونجوم، بل سوق أفكار وحقوق اقتباس يربط الأدب المصري مباشرة بصناعة الأفلام.

لماذا يحتاج مهرجان القاهرة هذا المسار الآن؟

المهرجان يملك بالفعل بنية صناعية تتوسع عامًا بعد عام. فقد أعلن رسميًا فتح باب التقديم للنسخة الثانية عشرة من ملتقى القاهرة السينمائي ضمن الدورة نفسها، وأوضح أن الدورة الماضية في 2025 شهدت مشاركة 16 مشروعًا من 11 دولة عربية تنافست على 37 جائزة بقيمة تقارب 300 ألف دولار أمريكي. كما يقدّم الملتقى دعمًا لمشاريع الأفلام الطويلة في مرحلتي التطوير وما بعد الإنتاج، ما يعني أن إضافة مسار متخصص في الاقتباس الأدبي ليست خطوة معزولة، بل امتداد طبيعي لتوسيع أدوات التطوير والتمويل والتشبيك داخل المهرجان.

من هنا، يستفيد مهرجان القاهرة مؤسسيًا على مستويين. الأول، أنه يضيف ملفًا شديد الجاذبية للسوق المصري والعربي: الملكية الفكرية الأدبية. والثاني، أنه يرسخ صورته كمهرجان يعمل على حلول الصناعة لا على الاحتفاء الرمزي فقط. هذه النقلة مهمة لمهرجان تأسس عام 1976 ويُعد، بحسب موقعه الرسمي، المهرجان الوحيد في العالم العربي وأفريقيا الحاصل على اعتماد الفئة A من الاتحاد الدولي FIAPF. أي أن المهرجان يحتاج دائمًا إلى ما يؤكد مكانته ليس تاريخيًا فقط، بل وظيفيًا أيضًا.

كيف يمكن أن يعيد الملتقى إحياء اقتباس الروايات المصرية؟

1) تحويل الاقتباس من مبادرات فردية إلى مسار منظم

في السنوات الماضية، ظل نجاح الاقتباس في مصر مرتبطًا غالبًا بأسماء بعينها أو روايات ذات شعبية كبيرة. لكن المشكلة كانت في غياب منصة واضحة تجمع الناشرين والكتّاب ووكلاء الحقوق والمنتجين والمخرجين في مكان واحد. إذا نجح ملتقى «من الكتاب إلى الشاشة» في سد هذه الفجوة، فسيصبح اقتباس الروايات أقل عشوائية وأكثر قابلية للتنفيذ، خصوصًا مع وجود جمهور يعرف أصل العمل ويمنحه زخمًا تسويقيًا مبكرًا.

2) توسيع قاعدة الأعمال القابلة للتحويل

السينما المصرية تمتلك تراثًا ضخمًا من الاقتباسات الناجحة، من ثلاثية نجيب محفوظ إلى دعاء الكروان لطه حسين والوسادة الخالية لإحسان عبد القدوس ورد قلبي ليوسف السباعي. كما شهدت السنوات الأخيرة أمثلة أكثر قربًا من الذائقة المعاصرة مثل عمارة يعقوبيان المأخوذ عن رواية علاء الأسواني، وهيبتا وبضع ساعات في يوم ما المأخوذين عن أعمال محمد صادق، والفيل الأزرق وتراب الماس المأخوذين عن روايات أحمد مراد. هذه الأعمال تؤكد أن الاقتباس ليس حنينًا للماضي فقط، بل نموذجًا حديثًا قابلًا للنجاح التجاري والجماهيري.

3) تقليل مخاطر التطوير على المنتجين

حين يدخل المنتج مشروعًا مأخوذًا عن رواية حققت انتشارًا أو حضورًا نقديًا، فإنه يبدأ من أرضية أكثر صلابة من مشروع بلا مرجعية معروفة. الرواية هنا لا تمنح فقط قصة وشخصيات، بل تمنح اختبارًا أوليًا للجمهور. لهذا، فإن جمع حقوق الكتب مع منتجين وباحثين عن محتوى جديد داخل المهرجان قد يسرّع اتخاذ القرار الاستثماري، خاصة في سوق يبحث عن أعمال يمكن تسويقها محليًا وعربيًا.

أمثلة مصرية تؤكد أن الرهان منطقي

حين نتأمل بعض أنجح الاقتباسات المصرية، نجد أن كثيرًا منها لم ينجح فقط بسبب شهرة الرواية، بل لأن التحويل إلى الشاشة تم عبر رؤية إخراجية وإنتاجية واضحة. مروان حامد قدّم أكثر من نموذج بارز في هذا المسار، من عمارة يعقوبيان إلى الفيل الأزرق ثم تراب الماس، وهي أمثلة رسخت لدى السوق أن الرواية المصرية المعاصرة يمكن أن تصبح فيلمًا جماهيريًا واسع التداول. كما أن بوابة الأهرام رصدت مطلع 2025 استمرار هذا المسار مع عرض «بضع ساعات في يوما ما» المأخوذ عن رواية محمد صادق، بما يعكس أن شهية السوق لهذا النوع من الأعمال لا تزال موجودة.

هذا بالضبط ما يجعل الملتقى الجديد مفيدًا: فهو قد يدفع الصناعة إلى البحث عن النجاح القادم بدل الاكتفاء باستدعاء أمثلة الماضي. وبالنسبة للقارئ المصري، فالفكرة مغرية أيضًا لأن الأدب المحلي يمنح السينما شخصيات وأحياء ولغات وتوترات اجتماعية قريبة من الحياة اليومية، وهي عناصر غالبًا ما تصنع تفاعلًا أكبر من القصص المستوردة أو المعالجة بشكل معمم.

ماذا يكسب مهرجان القاهرة على مستوى المكانة والدور؟

  • تعزيز هويته المصرية: عبر ربط السينما بالأدب المصري، لا يظل المهرجان منصة دولية فحسب، بل يصبح أيضًا محركًا مباشرًا للثقافة المحلية.
  • توسيع شبكة المشاركين: دخول ناشرين وكتّاب ووكلاء حقوق إلى المشهد يضيف فاعلين جددًا إلى أيام القاهرة لصناعة السينما.
  • خلق قصص نجاح قابلة للنسب للمهرجان: إذا خرج من الملتقى مشروع فيلم مأخوذ عن رواية مصرية ونجح لاحقًا، فسيُحسب ذلك للمهرجان كحاضنة تطوير حقيقية.
  • تقوية الجسر بين الصناعة والسوق: المهرجان لا يكتفي بعرض أفلام مكتملة، بل يساهم في صناعة أفلام المستقبل منذ مرحلة الفكرة والحق الأدبي.

رهان يحتاج إلى ما هو أكثر من الاحتفال

نجاح الفكرة لن يقاس بعنوانها الجذاب فقط، بل بمدى قدرتها على إنتاج نتائج ملموسة: جلسات حقوق واضحة، تقديم منظم للمشروعات، مشاركة دور نشر مصرية مؤثرة، وحضور منتجين قادرين على الشراء والتطوير لا مجرد المتابعة. كما أن أي إحياء جاد لاقتباس الروايات المصرية يحتاج إلى فهم أن الاقتباس ليس نسخًا حرفيًا، بل إعادة كتابة سينمائية تحترم روح النص وتعرف في الوقت نفسه شروط الشاشة.

وهنا تظهر قيمة إدارة المهرجان برئاسة حسين فهمي: فالمهرجان يطرح نفسه اليوم كمنصة تنمية لا كحدث مناسباتي. ومع اتساع نشاطه الصناعي خارجيًا وداخليًا، يبدو إطلاق «من الكتاب إلى الشاشة» خطوة منطقية في مسار يريد للقاهرة أن تكون مركزًا عربيًا لتطوير المشروعات، لا مجرد محطة عرض سنوية.

الخلاصة

إذا أُحسن تنفيذ ملتقى «من الكتاب إلى الشاشة» في 11 نوفمبر 2026، فالفائدة لن تعود فقط على الكتّاب أو المنتجين، بل على مهرجان القاهرة السينمائي نفسه بوصفه مؤسسة ثقافية وصناعية قادرة على إعادة تنشيط واحد من أهم روافد السينما المصرية: الرواية. في بلد صنع بعض أعظم أفلامه من الأدب، تبدو هذه المبادرة أقل من مجرد فعالية جديدة، وأكثر من كونها محاولة لاستعادة خط إنتاج فني وثقافي طالما منح السينما المصرية عمقها وخصوصيتها وجمهورها.