Egypt Box Office

«مفيش راجل بيعيط» قبل الجونة 2026: وثائقي يهز صورة الرجولة

وثائقي مصري يصل إلى الجونة بسؤال شائك

قبل أيام من انطلاق الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي بين 15 و23 أكتوبر 2026، طرح صناع الفيلم الوثائقي المصري «مفيش راجل بيعيط» البوستر الرسمي والإعلان التشويقي، تمهيدًا لعرضه العالمي الأول ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة. وبحسب ما أعلنته التغطيات المصرية، يُعرض الفيلم مرتين خلال المهرجان: يوم الاثنين 19 أكتوبر الساعة 7 مساءً في مركز الجونة للمؤتمرات والثقافة، ثم يوم الأربعاء 21 أكتوبر الساعة 2 ظهرًا في قاعة أوديماكس (مدرسة منارة).

هذه البداية وحدها كافية لجذب الانتباه؛ ليس فقط لأن الفيلم مصري ويشارك في منصة محلية بارزة، بل لأن عنوانه نفسه يدخل مباشرة إلى منطقة ثقافية حساسة في المجتمع المصري: فكرة أن البكاء ضعف، وأن الرجولة تُقاس بالتماسك الصلب، لا بالاعتراف بالهشاشة. هذا السؤال ليس جديدًا اجتماعيًا، لكنه نادر سينمائيًا حين يُصاغ في فيلم وثائقي طويل ينزل إلى الواقع اليومي بدل الاكتفاء بالطرح النظري.

ماذا نعرف يقينًا عن الفيلم؟

المؤكد حتى الآن أن محمد مصطفى يقدّم أولى تجاربه في الأفلام الطويلة، بعد مسار مهني في السينما بدأ منذ 2011، عمل خلاله مخرجًا وكاتبًا ومونتيرًا ومساعد مخرج ومنتجًا. وتشير البيانات المنشورة إلى أنه أخرج عام 2015 الفيلم الوثائقي القصير «تشكيل»، كما شارك عام 2022 في كتابة ومونتاج فيلم «نور على نور» الذي عُرض لأول مرة في مهرجان كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية.

الفيلم نفسه من إنتاج مشترك بين مصر وألمانيا والسعودية وقطر، وهو ما يمنحه منذ البداية موقعًا واضحًا داخل خريطة الإنتاج الوثائقي العربي المعاصر الذي يعتمد على شراكات عابرة للحدود من أجل استكمال التطوير والتمويل والوصول إلى المهرجانات. كما أن مشروع «مفيش راجل بيعيط» كان حاضرًا منذ سنوات في منصة الجونة السينمائية؛ إذ اختير ضمن المشاريع الوثائقية في مرحلة التطوير في الدورة الرابعة، ثم نال لاحقًا جائزة من Film Independent والسفارة الأمريكية في إطار CineGouna SpringBoard.

أما على مستوى الصناعة، فتذكر المواد المنشورة أن الفيلم من سيناريو وإخراج محمد مصطفى، ويضم فريقًا يضم مدير التصوير محمود لطفي، والمونتير أحمد مجدي مرسي، ومصمم الصوت مايكل فوزي. كما يظهر في الفيلم عبدالله العربي وأحمد حمدي وهيثم الإسناوي وفارس سيد.

من عالم «الجاردات» وكمال الأجسام إلى سؤال أوسع

بحسب الملخصات المتاحة، يدخل الفيلم إلى عالم حراس الملاهي الليلية في القاهرة ولاعبي كمال الأجسام؛ رجال يبدون في الخارج ككتل من القوة والسيطرة، لكن الكاميرا تبحث عمّا وراء هذه الصورة: الخوف، والضغط، والشك، ومحاولات أداء دور الرجل القوي طوال الوقت. وتذكر أكثر من مادة أن الفيلم يقترب خصوصًا من شخصية اسمها «عربي» وأصدقائه، حيث تتكشف «الشروخ» خلف المظهر الصلب.

المثير هنا أن الفيلم لا يكتفي بمراقبة الآخرين من الخارج، بل يضع المخرج نفسه داخل المعادلة؛ إذ تشير الملخصات إلى أن محمد مصطفى يواجه خلال الرحلة شكوكه كصانع أفلام ومخاوفه كرجل. هذه النقطة مهمة جدًا، لأنها تنقل الفيلم من مجرد رصد اجتماعي لعالم «الذكورة المفرطة» إلى محاولة أكثر تعقيدًا: مساءلة النظرة الذكورية من الداخل، لا التعامل معها بوصفها موضوعًا بعيدًا أو حالة غريبة على المجتمع.

عشر سنوات من التصوير: لماذا قد يصنع هذا فارقًا؟

أحد أهم التفاصيل المؤكدة أن الفيلم صُنع على مدار 10 سنوات. هذه المدة ليست تفصيلة إنتاجية عابرة؛ ففي الفيلم الوثائقي، الزمن الطويل قد يمنح الشخصيات فرصة نادرة لتغيير أقنعتها أمام الكاميرا. الرجل الذي يبدأ باعتباره استعراضًا للعضلات والهيبة قد ينتهي باعترافات، أو صمت، أو انكسار، أو حتى مراجعة كاملة لفهمه لنفسه. لذلك، فإن امتداد التصوير لعقد كامل يرجّح أن الفيلم لا يقدّم «فكرة» عن الرجولة فقط، بل يرصد تحولات هذه الفكرة داخل أشخاص بعينهم.

وفي السياق المصري تحديدًا، يكتسب هذا الاختيار وزنًا إضافيًا. فالسينما المصرية قدّمت عبر عقود طويلة نماذج لا تُحصى للرجل القوي: الفتوة، والأب السلطوي، والبطل الشعبي، ورجل الشارع الذي لا ينهار. وحتى حين منحت بعض الأفلام رجالها مشاعر واضحة، جاء ذلك غالبًا عبر الدراما الروائية، لا الوثائقي الذي يواجه الواقع وجها لوجه. من هنا يبدو «مفيش راجل بيعيط» أقرب إلى محاولة لفتح ملف ظل موجودًا في الثقافة الشعبية، لكنه لم يُطرق كثيرًا بهذه المباشرة الوثائقية. وهذه قراءة تحليلية تستند إلى موضوع الفيلم المعلن وبنيته، لا إلى حكم نهائي قبل المشاهدة.

ماذا يقول طرح البوستر والتريلر الآن؟

اختيار توقيت طرح البوستر والتريلر قبل العرض العالمي الأول مباشرة يوحي بأن صناع الفيلم يريدون تثبيت هوية العمل النقاشية مبكرًا: عنوان صادم وسهل التداول، وصور أولى تضع المشاهد أمام أجساد ضخمة ومهن مرتبطة بالقوة والانضباط والخشونة. وفق ما نُشر، فإن الصور الأولى قُدمت بعد الإعلان عن مشاركة الفيلم في الجونة، بما يربط الحملة الدعائية منذ البداية بسؤال الفيلم المركزي لا بمجرد التعريف به كعنوان جديد في المسابقة.

كما أن وجود الفيلم داخل مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة في الجونة يمنحه سياقًا مهمًا؛ فالمهرجان يؤكد في خطابه العام على محور «السينما من أجل الإنسانية»، وهو ما يجعل استقبال فيلم يناقش الهشاشة الذكورية والعنف الرمزي داخل تكوين صورة الرجل متسقًا مع هذا التوجه البرامجي الأوسع.

هل يفتح فعلًا نقاشًا جديدًا عن صورة الرجولة في السينما المصرية؟

الإجابة الأدق الآن هي: ربما نعم، وبدرجة معتبرة. ليس لأن الموضوع جديد تمامًا على الثقافة المصرية، بل لأن الجديد يكمن في زاوية المعالجة. فالفيلم، بحسب المعلومات المتاحة، لا يتعامل مع الرجولة كشعار أخلاقي، بل يذهب إلى مساحات ملموسة جدًا: الجسد، والعمل، الأداء الاجتماعي، والضغط النفسي، وعلاقة الرجل بنفسه حين يطلب منه المجتمع أن يبدو دائمًا أقوى مما هو عليه.

هناك أيضًا عنصر مصري محلي واضح: القاهرة ليست خلفية محايدة هنا، بل بيئة تصنع أشكالًا محددة من الاستعراض الذكوري والاقتصاد اليومي والبحث عن المكانة. عالم لاعبي كمال الأجسام و«الجاردات» ليس مجرد اختيار بصري جذاب؛ إنه باب إلى طبقات من العمل غير المرئي، والانضباط الجسدي، والهيبة المهنية، والقلق الاجتماعي. وإذا نجح محمد مصطفى في تحويل هذه العناصر إلى شخصيات حية لا إلى «نماذج»، فسيكون أمامنا وثائقي مصري يضيف فعلًا شيئًا مهمًا إلى النقاش حول صورة الرجل في الشاشة المصرية. هذا استنتاج تحليلي مبني على الوقائع المعلنة عن الفيلم ومساره، بينما يبقى الحكم الفني الكامل رهين العرض نفسه في الجونة.

لماذا يستحق المتابعة؟

  • لأنه فيلم مصري طويل أول لمخرج راكم خبرة في الوثائقي والعمل خلف الكاميرا.
  • لأنه وصل بعد رحلة تطوير طويلة بدأت من منصة الجونة ومشاريع الدعم.
  • لأنه صُنع على مدار 10 سنوات، وهي مدة قد تمنح الشخصيات عمقًا نادرًا.
  • ولأنه يناقش الرجولة من قلب الواقع المصري عبر شخصيات وأماكن ومهن قابلة للمشاهدة والاختبار، لا عبر خطابة جاهزة.

الخلاصة أن «مفيش راجل بيعيط» يصل إلى مهرجان الجونة 2026 وهو يحمل أكثر من وعد: وعدًا بفيلم وثائقي مصري جاد، ووعدًا بمواجهة صورة الرجل القوي من الداخل، ووعدًا بنقاش قد يمتد بعد العرض من شاشة المهرجان إلى الجمهور الأوسع. وحتى قبل المشاهدة، تبدو كل المؤشرات المتاحة كافية لاعتباره أحد العناوين المصرية التي تستحق المتابعة في موسم الجونة هذا العام.