مراجعة فيلم Unabomber: أداء قوي يربكه تعدد الأزمنة
مراجعة فيلم Unabomber: تمثيل متماسك وفكرة مثقلة بتعدد الخطوط الزمنية
أضافت نتفليكس في 25 سبتمبر 2026 فيلم Unabomber إلى مكتبتها العالمية، وهو عمل درامي تشويقي مستند إلى وقائع حقيقية، يتتبع المسار الذي قاد تيد كازينسكي من مراهق نابغ في هارفارد إلى واحد من أكثر الأسماء إثارة للجدل في تاريخ الجريمة الأمريكية. الفيلم من إخراج يانوس ميتس ويقوده تمثيلياً جاكوب ترمبلاي ورسل كرو وشايلين وودلي. ومنذ الإعلان عنه، جذب الانتباه بسبب اختياره قصة معروفة وثقيلة، وبسبب رهان نتفليكس على تحويلها إلى فيلم واحد بدلاً من مسلسل طويل.
على مستوى الانطباع الأول، ينجح الفيلم في خلق أجواء خانقة ومتوترة تناسب مادته، كما يمنح بطله الشاب مساحة واسعة لإبراز التحول النفسي المضطرب للشخصية. لكن المشكلة الأساسية تظهر تدريجياً: السيناريو يبدو مشتتاً بين أكثر من فترة زمنية، فيفقد بعضاً من تركيزه الدرامي، ويجعل رحلة المشاهدة أقل إحكاماً مما تستحقه هذه المادة.
عن ماذا يتحدث الفيلم؟
بحسب الملخص الرسمي من نتفليكس، يتناول Unabomber سيرة تيد كازينسكي كما يجسدها جاكوب ترمبلاي، بدءاً من كونه طالباً عبقرياً في هارفارد في سن السادسة عشرة، ثم خضوعه لتجارب نفسية مثيرة للجدل على يد الأستاذ هنري موراي الذي يؤديه رسل كرو، قبل أن تعود آثار تلك المرحلة إلى الواجهة لاحقاً خلال مطاردة مكتب التحقيقات الفيدرالي له، بقيادة العميلة جوان ميلر التي تلعبها شايلين وودلي. هذه البنية تؤكد أن الفيلم لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يحاول الربط بين النشأة، والضغط النفسي، والنتائج الكارثية لاحقاً.
الفيلم يصنَّف رسمياً ضمن أفلام التشويق والدراما على منصة نتفليكس، وهو اختيار منطقي، لأن العمل لا يعتمد على الحركة بقدر ما يعتمد على التوتر الذهني، والمراقبة النفسية، والأسئلة الأخلاقية المرتبطة بكيفية تمثيل شخصيات إجرامية حقيقية على الشاشة.
جاكوب ترمبلاي يحمل العبء الأكبر
القوة الأوضح في الفيلم تأتي من أداء جاكوب ترمبلاي. الممثل الكندي، المعروف بأدواره المبكرة الملفتة، يقدم هنا واحداً من أكثر أدواره قتامة وثقلاً. ما يميّز أدائه ليس مجرد تقمص الشكل الخارجي، بل قدرته على إيصال الانغلاق الداخلي، والذكاء الحاد، والتوتر المتراكم من دون مبالغة صاخبة. في كثير من المشاهد، يترك ترمبلاي الانفعال يتحرك تحت السطح، وهذا ما يجعل الشخصية أكثر إقلاقاً للمشاهد.
الأهم أن الفيلم لا يعامله كأداة لإعادة تمثيل شخصية تاريخية فقط، بل يضعه في مركز البناء كله. لذلك، حتى حين يتعثر السيناريو أو يطيل التوقف عند محطات معروفة، يبقى أداء ترمبلاي هو العامل الذي يحافظ على الحد الأدنى من التماسك. ولو اختار الفيلم خطاً زمنياً واحداً يركز عليه بشكل أعمق، لكان هذا الأداء خرج بصورة أكثر قوة وأشد تأثيراً.
رسل كرو يضيف ثقلاً، لكن المساحة محدودة
وجود رسل كرو يمنح الفيلم وزناً فورياً. دوره كالأستاذ النفسي هنري موراي مهم داخل الحبكة، لأن الفيلم يقدمه بوصفه أحد العناصر المؤثرة في تشكل عالم كازينسكي الداخلي. كرو لا يبالغ في الأداء، بل يراهن على الحضور الهادئ والنبرة الباردة، وهو اختيار مناسب لشخصية أكاديمية تحمل سلطة نفسية وفكرية.
مع ذلك، كان يمكن للفيلم أن يستفيد أكثر من هذا الدور لو منح العلاقة بين موراي وكازينسكي مساحة أعمق وأكثر تفصيلاً. بدلاً من ذلك، يعود السيناريو مراراً إلى القفز بين الأزمنة، فيصبح أثر الشخصية مهماً نظرياً، لكنه أقل رسوخاً عاطفياً مما ينبغي.
أين تكمن المشكلة؟
المأزق الحقيقي في Unabomber ليس في التمثيل ولا في الجو العام، بل في اختياره السردي. الفيلم يحاول أن يجمع بين قصة النشأة، والتحليل النفسي، ومطاردة التحقيق في وقت واحد. هذه المقاربة تمنحه اتساعاً، لكنها تسلبه التركيز. كلما بدأ خط درامي يكتسب زخماً، ينتقل الفيلم إلى زمن آخر أو زاوية أخرى، فتفقد المشاهد بعض الاندماج.
المشكلة هنا ليست في استخدام أكثر من خط زمني بحد ذاته، فهذه أداة معروفة وفعالة حين تُستخدم بدقة، بل في أن الفيلم لا يمنح كل خط ما يكفي من التطور قبل الانتقال. النتيجة أن بعض اللحظات تبدو وكأنها تمهيد لفيلم أكثر عمقاً لم يُصنع بالكامل. وهذا يترك إحساساً بأن المادة كانت قد تستفيد أكثر من معالجة أبسط وأكثر التزاماً بمنظور واحد.
إيقاع بصري جيد ونبرة باردة تناسب الموضوع
بصرياً، ينجح المخرج يانوس ميتس في خلق عالم كئيب ومضغوط، وهو ما يخدم المادة المستندة إلى وقائع حقيقية. ألوان الصورة، وتصميم المواقع، وطريقة تأطير الشخصيات، كلها تعمل على إبراز العزلة والانفصال عن العالم. هذا النوع من الأفلام لا يحتاج إلى بهرجة، ويبدو أن صناع العمل فهموا ذلك جيداً.
كما أن النبرة العامة للفيلم تبتعد عن الإثارة التجارية الزائدة، وهو قرار يُحسب له. فبدلاً من تحويل القصة إلى مطاردة صاخبة، يحاول العمل الاقتراب من الجانب الذهني والنفسي. بالنسبة للمشاهد العربي في مصر، هذه نقطة قوة مهمة، لأن الفيلم يخاطب جمهوراً يفضّل أحياناً الدراما المركبة على الإيقاع الاستعراضي، خصوصاً داخل قسم مراجعات الأفلام الذي يهتم بالقيمة الفنية أكثر من الضجيج الدعائي.
هل يستحق المشاهدة؟
الإجابة المختصرة: نعم، لكن مع تحفظات واضحة. إذا كنت من متابعي أفلام الجريمة الحقيقية على نتفليكس، أو مهتماً بالأعمال التي ترتكز على الأداء التمثيلي أكثر من المفاجآت السردية، فالفيلم يستحق فرصة. أما إذا كنت تبحث عن حبكة شديدة الإحكام وخط درامي واحد يتصاعد بلا تشتيت، فقد تشعر أن Unabomber كان يمكن أن يكون أفضل كثيراً مما هو عليه الآن.
- نقطة القوة الأبرز: أداء جاكوب ترمبلاي في دور تيد كازينسكي.
- عنصر الدعم: حضور رسل كرو وشايلين وودلي يضيف ثقلاً واحترافية.
- أكبر مشكلة: تعدد الخطوط الزمنية على حساب التركيز والإيقاع.
- الفئة الأنسب له: محبو الدراما النفسية وأفلام الجريمة المستندة إلى وقائع حقيقية.
الخلاصة
في النهاية، يقدم Unabomber تجربة جادة وباردة الأعصاب، مدعومة بفريق تمثيل قوي يتقدمه جاكوب ترمبلاي ورسل كرو. لكنه ليس فيلماً مكتمل التوازن؛ فاختياره توزيع الاهتمام على أكثر من مرحلة زمنية يضعف الأثر النهائي، ويمنع بعض أفضل عناصره من الوصول إلى أقصى طاقتها. لهذا يمكن وصفه بأنه فيلم جيد الأداء، مثير للاهتمام، لكنه أقل إحكاماً من طموحه.
وبالنسبة لمتابعي نتفليكس في مصر، فالفيلم قد يكون خياراً مناسباً لمحبي الأعمال الثقيلة نفسياً، خاصة مع طرحه الجديد على المنصة هذا الأسبوع. لكنه يظل من تلك الأفلام التي ستدفعك لتقدير التمثيل أكثر مما ستدفعك للإعجاب ببنائها السردي الكامل.