مراجعة فيلم Too Much Sugar: بورتريه إنساني يهز فينيسيا
فيلم وثائقي يتجاوز فكرة السيرة التقليدية
يصل Too Much Sugar إلى قسم Orizzonti في مهرجان فينيسيا السينمائي 2026 بوصفه واحداً من الأعمال التي ترفض القوالب الجاهزة في السينما الوثائقية. الفيلم من إخراج الأمريكي روبرت جرين، ويمتد لـ98 دقيقة، وقد قُدم في البرنامج الرسمي للمهرجان بوصفه إنتاجاً أمريكياً ناطقاً بالإنجليزية، مع عرض مسجل في 2 سبتمبر 2026 داخل Sala Volpi قبل عروض لاحقة للجمهور في 3 و4 سبتمبر. بدل أن يكتفي برصد حياة بطل واحد من الخارج، يبني الفيلم علاقة تشاركية مع شخصياته، فيتحول من مجرد تسجيل للواقع إلى تجربة مواجهة ومحاسبة ذاتية.
أهمية هذا العمل لا تأتي فقط من اسم مخرجه، بل من الطريقة التي يقدّم بها نفسه أيضاً. المواد الرسمية للمهرجان توضّح أن الفيلم ثمرة تعاون إنتاجي يضم جهات عدة بينها Do Something Real وField of Vision وWW7 Entertainment وMethod M Films، بينما يتولى روبرت جرين مهمة الإخراج والمونتاج، مع تصوير لروبرت كولودني وموسيقى من ويلكي ديفيس-جرين ورامين كوشا. هذا الطابع الجماعي ينعكس بوضوح على الشاشة، لأن الفيلم نفسه يناقش من يملك القصة ومن يحق له أن يرويها.
عن ماذا يتحدث Too Much Sugar؟
في قلب الفيلم يقف رايان “هولي-وود” هوليجر، وهو أب لستة أبناء من خمس نساء مختلفات، ويعيش في بيئة طبقية عاملة داخل ولاية ميزوري الأمريكية. وفق الملخص الرسمي للمهرجان، يحلم رايان وصديقه المقرّب AccRite، وهو مغنّي راب وعامل يدوي، بصناعة فيلم خاص بهما عن الأبوة داخل بلدتهما. لكن المشروع يتبدل تدريجياً من محاولة تمثيل أو إعادة تخيل الحياة إلى مساحة علاجية تكشف الجروح القديمة وتفتح باباً للمساءلة ولمصالحة متأخرة داخل العائلة.
ما يمنح الفيلم ثقله العاطفي أن نقطة انطلاقه ليست “فكرة” مجردة عن الأبوة، بل شخصيات تعيش أزمات ملموسة. البيان الرسمي للمخرج يشرح أن رايان، الذي يعمل نجاراً ومقاتلاً وأباً، يريد إنجاز فيلم يثبت لعائلته أنه قادر على أن يصير رجلاً أفضل. وفي المسار الموازي، يحاول صديقه AccRite أن يتعامل مع مقتل ابنه البالغ 16 عاماً قبل عامين، لتصبح عملية صناعة الفيلم نفسها أداة اقتراب من الحزن ومن إمكان الشفاء.
ماذا يقدّم روبرت جرين هذه المرة؟
اسم روبرت جرين يرتبط لدى متابعي السينما الوثائقية الأمريكية بأعمال مهتمة بالحدود الفاصلة بين الحقيقة والأداء، وبين التوثيق وإعادة التمثيل. وهنا يواصل المخرج هذا المسار لكن بصورة تبدو أكثر عاطفية وأقل برودة نظرياً. الفيلم لا يتعامل مع شخصياته كمواد خام لعرض اجتماعي، بل يحاول أن يمنحها فرصة إعادة صياغة ذواتها أمام الكاميرا، حتى لو كانت النتيجة أحياناً فوضوية أو مؤلمة أو غير مكتملة.
هذا الخيار الجمالي يخلق توتراً واضحاً داخل المشاهدة. فالمتلقي لا يجلس أمام حكاية مرتبة ببداية وذروة ونهاية بقدر ما يجد نفسه أمام حياة تتكشف على مهل، بكل تناقضاتها، وبقدر كبير من الارتجال والمكاشفة. وهنا تكمن قوة الفيلم: إنه لا يطارد لحظة “التطهير” الميلودرامية السهلة، بل يترك الباب مفتوحاً أمام التردد، والإنكار، ومحاولات التغيير التي قد تنجح وقد تفشل.
قراءة نقدية: لماذا يبدو الفيلم مؤثراً؟
من زاوية نقدية، ينجح Too Much Sugar لأنه لا يختزل رايان هوليجر في صورة نمطية لرجل مضطرب من الطبقة العاملة، ولا يقدمه بطلاً نبيلاً على نحو مصطنع. الفيلم يضعنا أمام شخصية شديدة الكاريزما، لكنها أيضاً محمّلة بأخطاء واضحة وبإرث عائلي ثقيل. هذا التعقيد يجعل التجربة أكثر صدقاً، لأن الخلاص هنا ليس إعلاناً أخلاقياً جاهزاً، بل احتمال هش يجري التفاوض حوله طوال الوقت.
كما أن اختيار ميزوري، بفضائها الاجتماعي والاقتصادي البعيد عن بريق المراكز الأمريكية الكبرى، يمنح الفيلم ملمساً واقعياً قوياً. بالنسبة للقارئ المصري، قد يكون هذا مهماً لأن الفيلم لا يتحدث عن “أمريكا” بوصفها صورة استهلاكية مألوفة في السينما التجارية، بل عن أمريكا الهامشية: أسر مفككة، رجال يحاولون النجاة، وبيئات ترى في الفن وسيلة للبقاء لا مجرد رفاهية ثقافية.
الأكثر لفتاً أن الفيلم يبدو، وفق مادته الرسمية والانطباعات النقدية الأولى المتداولة بعد العرض، معنياً بفكرة السينما كأداة علاج. هذه ليست أطروحة جديدة بالكامل، لكنها هنا تخرج من الخطاب النظري إلى اختبار حي داخل العائلة والصداقة. كل مشهد تقريباً يحمل سؤالاً ضمنياً: هل يمكن للكاميرا أن تساعد الإنسان على مواجهة نفسه، أم أنها فقط تعيد ترتيب ألمه في قالب يمكن احتماله؟
موقع الفيلم داخل مهرجان فينيسيا 2026
وجود الفيلم في برنامج Orizzonti ليس تفصيلاً عابراً. هذا القسم في فينيسيا معروف باهتمامه بالأصوات الجديدة والرهانات الفنية التي تشتبك مع أشكال السرد المعاصر. كما أن مهرجان فينيسيا في دورته الثالثة والثمانين يُقام بين 2 و12 سبتمبر 2026، وفق البرنامج الرسمي، ما يضع الفيلم داخل واحدة من أولى المحطات الكبرى في موسم الخريف السينمائي العالمي.
وفي تغطية أوسع لإعلان اختيارات المهرجان، برز اسم Too Much Sugar ضمن مجموعة من الوثائقيات والأعمال الدولية التي تعكس ميلاً واضحاً نحو أفلام أكثر تجريباً وأقل اعتماداً على الأسماء الهوليوودية التقليدية. لذلك فإن استقبال الفيلم في فينيسيا مهم، ليس فقط باعتباره عرضاً أول، بل باعتباره اختباراً لمدى قدرة السينما الوثائقية الهجينة على انتزاع مساحة مؤثرة وسط زحام العروض الكبرى.
هل يستحق المتابعة؟
الإجابة المختصرة: نعم، خصوصاً لمن يهتمون في مصر والعالم العربي بالسينما الوثائقية التي تكسر الحواجز بين الواقع والتمثيل. الفيلم لا يبدو عملاً سهلاً أو مريحاً، ولا يَعِد بمشاهدة جماهيرية بالمعنى التجاري، لكنه يقدم تجربة إنسانية كثيفة عن الأبوة، والذنب، وإمكانية التغيير. كما أن بطل الفيلم رايان هوليجر يتحول من مجرد “موضوع” للتصوير إلى مركز وجودي لأسئلة أكبر عن الرجولة والعائلة والذاكرة.
أما روبرت جرين، فلا يظهر هنا كمؤلف يفرض رؤيته من أعلى بقدر ما يترك مسافة لتورط شخصياته في كتابة الفيلم من الداخل. وإذا كان ذلك قد يجعل العمل أقل انضباطاً من بعض الأفلام الوثائقية التقليدية، فهو في المقابل يمنحه صدقاً نادراً، ويجعله أقرب إلى جرح مفتوح منه إلى منتج مصقول.
- اسم الفيلم: Too Much Sugar
- المخرج: روبرت جرين
- المدة: 98 دقيقة
- البلد: الولايات المتحدة
- القسم: Orizzonti في مهرجان فينيسيا 2026
- أبرز المشاركين: Ryan Holliger، Michael Midgyett، Amanda Sanner، Gavin Jones
في المحصلة، يقدم Too Much Sugar واحداً من تلك الأفلام التي لا تكتفي بأن تُشاهَد، بل تدفع المشاهد إلى التفكير في معنى أن تتحول الحياة نفسها إلى مادة سينمائية. وهذه بالضبط نقطة قوته الكبرى: ليس لأنه يملك إجابات قاطعة، بل لأنه يجرؤ على الاقتراب من الأسئلة الأصعب.